مأساة الدبلوماسية السودانية

Wait 5 sec.

عبد المجيد قرشيالعمل الدبلوماسي هو، في المقام الأول، عمل أخلاقي ومسؤولية وطنية، يقوم على الصدق والدقة والمهنية واحترام الحقائق، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بتمثيل السودان أمام المجتمع الدولي.لقد حزنت كثيرًا لما وصلت إليه حال الدبلوماسية السودانية، خاصة في أكبر المنابر الدولية، حيث يُفترض أن يكون ممثل السودان على أعلى درجات المهنية والانضباط، وأن يكون حديثه مسؤولًا ودقيقًا وموثقًا، لأنه لا يتحدث باسمه الشخصي، وإنما باسم وطن وشعب وتاريخ.ثورة ديسمبر ثورة عظيمة، دفع في سبيلها شباب السودان أرواحهم، وخرج الملايين وهم يحلمون بدولة الحرية والسلام والعدالة والحكم المدني. ولذلك فإن تاريخ هذه الثورة وتضحيات شهدائها ليس مجالًا لإعادة صياغته بما يتناسب مع المواقف السياسية أو المصالح الوظيفية، ولا يجوز اختزال تلك التضحيات أو تحريف وقائعها لإرضاء سلطة أو تبرير موقف.ومن المؤسف أن تصدر عن السفير الحارث ادريس تصريحات، في تقديري، تتعارض مع وقائع معروفة من تاريخ الفترة الانتقالية، ومن بينها تصوير انتقال السلطة إلى العسكريين وكأنه تم بإرادة المدنيين، في حين أن عددًا من القيادات المدنية اعتُقلوا ووُضعوا في السجون عقب إجراءات 25 أكتوبر 2021. ومثل هذه القضايا التاريخية والسياسية الحساسة تستوجب أعلى درجات الدقة والتوثيق، بعيدًا عن التبسيط أو إعادة تفسير الأحداث بما يخدم موقفًا سياسيًا معينًا.الدبلوماسية ليست ساحة للمبالغات أو لتبرير مواقف السلطة، وليست وسيلة للحفاظ على الوظيفة أو الامتيازات، بل هي مسؤولية وطنية تتطلب الالتزام بالحقيقة واحترام عقول السودانيين والمجتمع الدولي، ووضع سمعة السودان ومصالحه العليا فوق أي اعتبار سياسي أو شخصي.والحقيقة أن أزمة الدبلوماسية السودانية ليست معزولة عن أزمة الدولة نفسها. فقد أصابها، مثل كثير من مؤسسات الدولة، التجريف الذي طال الكوادر والخبرات والتقاليد المهنية وهيبة المؤسسة. وعندما تضعف المؤسسية وتحل الولاءات السياسية محل الكفاءة والمهنية، تصبح الدبلوماسية انعكاسًا لأزمة الحكم بدلًا من أن تكون صوتًا وطنيًا يحمي مصالح السودان ويحافظ على مكانته بين الأمم.ومن مآسي السودان كذلك أن بعض المثقفين، عندما تقترب منهم السلطة أو المنصب، يتراجعون عن المبادئ التي كانوا يدافعون عنها، بل وقد يتنكرون لمواقفهم وانتماءاتهم السابقة من أجل الحفاظ على الوظيفة. والمثقف الحقيقي لا تُقاس قيمته بما يشغله من منصب، وإنما بثباته على مبادئه عندما يصبح للتمسك بها ثمن.إنني لا أرى مستقبلًا مشرقًا للسودان إذا كان بعض من يتولون قيادته أو تمثيله في الخارج يقدمون المنصب على المبدأ، والتبرير على الحقيقة، والولاء للسلطة على الولاء للوطن. فالدولة لا تُبنى بالشعارات ولا بتجميل الواقع أمام العالم، وإنما بالمؤسسات القوية والكفاءات المهنية واحترام الحقيقة والتاريخ.السودان يحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى دبلوماسية وطنية محترفة ومستقلة، تحفظ تاريخ شعبه، وتحترم تضحيات شبابه، وتدافع عن مصالح الوطن لا عن الحكومات والأشخاص. نريد دبلوماسية تستعيد هيبة السودان ومكانته، ويكون ولاؤها الأول والأخير للوطن.فالمناصب تزول، والحكومات تتغير، والسلطات لا تدوم، ولكن التاريخ يبقى، ومواقف الرجال تبقى شاهدة عليهم.The post مأساة الدبلوماسية السودانية appeared first on صحيفة مداميك.