عبد المجيد قرشيمنذ اندلاع الحرب في السودان، ظل السؤال الأكثر حضوراً: من سينتصر عسكرياً؟ لكن مستقبل الفريق أول عبد الفتاح البرهان قد لا يتحدد في ميدان القتال وحده. فالسلطات تستطيع الصمود في الحروب فترة طويلة، لكنها تصبح أكثر هشاشة عندما تفقد قدرتها على إدارة الاقتصاد وتوفير الحد الأدنى من الحياة للمواطنين.لهذا فإن الخطر الحقيقي على البرهان ليس الحرب وحدها، بل ما تنتجه من تدهور اقتصادي، وما يصاحب اقتصاد الحرب من فساد وضعف في الرقابة والمحاسبة.الحرب تستنزف موارد الدولة في الوقت الذي تتراجع فيه قدرتها على تحصيل الإيرادات. يتضرر الإنتاج، وتنكمش التجارة والاستثمارات، وتتآكل البنية التحتية، ويغادر رأس المال والكفاءات. والنتيجة دولة تحتاج إلى إنفاق أكبر بينما يصبح اقتصادها أقل قدرة على تمويلها.هذه المعادلة لا يمكن إدارتها إلى ما لا نهاية.فالسيطرة العسكرية على المدن والمناطق لا تعني بالضرورة استعادة الدولة. يمكن كسب الأرض، لكن تشغيل المصانع وإصلاح المستشفيات والمدارس واستعادة النظام المصرفي وجذب الاستثمار وإعادة النازحين واللاجئين تحتاج إلى شيء مختلف تماماً: الاستقرار، والمؤسسات، والإدارة الاقتصادية الفاعلة.وهنا تنتقل الأزمة من الميدان العسكري إلى حياة المواطن اليومية.المواطن لا يقيس قوة السلطة بالبيانات العسكرية فقط، وإنما بسعر الغذاء والدواء والوقود، وبقيمة راتبه، وتوافر الكهرباء والمياه والعمل والتعليم والعلاج. وكلما اتسعت المسافة بين خطاب السلطة وواقع الناس، تحولت الأزمة الاقتصادية تدريجياً إلى أزمة ثقة وشرعية.قد تمنح الحرب القيادة السياسية والعسكرية مساحة من التأييد باعتبارها تخوض معركة تتعلق ببقاء الدولة. لكن هذا التأييد ليس مفتوحاً إلى الأبد. فمع طول أمد الحرب يبدأ السؤال الشعبي في التغير من: «من سينتصر؟» إلى: «متى تنتهي الحرب، وكيف سنعيش بعدها؟».وهذا السؤال قد يكون أصعب على البرهان من السؤال العسكري نفسه.يزداد الأمر خطورة عندما يدخل الفساد في المعادلة. ففي ظروف الحرب تضعف الرقابة، وتتسع فرص الاحتكار والتهريب والمضاربة والصفقات غير الشفافة، وتنشأ مصالح اقتصادية تستفيد من استمرار الفوضى. وعندما يرى المواطن أن قلة تحقق المكاسب بينما تتحمل الأغلبية تكلفة الحرب وارتفاع الأسعار والنزوح، لا يعود الغضب متعلقاً بالفقر وحده، بل بطريقة توزيع أعباء الأزمة وموارد البلاد.لذلك فإن الفساد في هذه المرحلة ليس مجرد خلل إداري؛ إنه تهديد سياسي مباشر. فكل مورد يُهدر أو يُدار بعيداً عن الشفافية يقلل قدرة الدولة على تقديم الخدمات، ويزيد شعور المواطن بأن تضحياته لا تقابلها إدارة مسؤولة.كما أن الأزمة الاقتصادية السودانية لم تبدأ مع الحرب الحالية. فقد سبقتها اختلالات متراكمة في الإنتاج والزراعة والصناعة والنظام المصرفي وإدارة الموارد، إلى جانب التهريب واتساع الاقتصاد غير الرسمي وعدم الاستقرار السياسي. الحرب لم تنشئ هذه المشكلات من الصفر، لكنها ضاعفتها وجعلت تكلفة تأجيل الإصلاح أكبر.ومن هنا فإن انتصاراً عسكرياً، إن تحقق، لن يكون كافياً وحده لإنقاذ السلطة أو الدولة. فاليوم التالي للحرب قد يكون أكثر صعوبة من الحرب نفسها إذا لم توجد رؤية واضحة لإعادة الإعمار، وإدارة الموارد، واستعادة النشاط الاقتصادي، وجذب الاستثمار، وإصلاح مؤسسات الدولة.وهذا هو الاختبار الحقيقي للبرهان.ليس المطلوب فقط أن يجيب عن سؤال كيفية إدارة الحرب، بل عن كيفية الخروج منها. ما شكل الدولة بعدها؟ كيف ستُدار موارد البلاد؟ كيف ستُكافح شبكات الفساد واقتصاد الحرب؟ وكيف ستنتقل البلاد من سلطة الطوارئ والسلاح إلى مؤسسات تستطيع أن تخضع للمحاسبة؟كلما تأخرت الإجابة عن هذه الأسئلة، أصبحت المؤسسة العسكرية نفسها أكثر ارتباطاً في نظر المواطن بنتائج الأزمة الاقتصادية. وهذه مخاطرة على الجيش أيضاً، لأن استمرار المؤسسة العسكرية في واجهة الحكم يجعلها تتحمل تدريجياً مسؤولية ملفات ليست عسكرية بطبيعتها: الأسعار والخدمات والوظائف والاستثمار وإدارة الاقتصاد.لذلك فإن حماية الدولة والمؤسسة العسكرية معاً تتطلب أفقاً سياسياً واضحاً، ومؤسسات مدنية قادرة على إدارة الاقتصاد والخدمات، وجهازاً رقابياً مستقلاً، وشفافية حقيقية في إدارة المال والموارد العامة.المعادلة في النهاية بسيطة: الحرب يمكن أن تمنح السلطة مبرراً للأزمة لفترة، لكنها لا تستطيع أن تكون مبرراً دائماً للفقر وسوء الإدارة والفساد.وقد يستطيع البرهان الصمود أمام خصومه في ميدان القتال، لكن الخصم الأصعب سيكون اقتصاداً يفقد قدرته على إعالة الدولة ومجتمعاً يفقد ثقته في المستقبل.لذلك فإن السؤال الذي سيحدد مستقبل البرهان ربما لن يكون: هل انتصر في الحرب؟بل: ماذا فعل بالدولة والاقتصاد عندما امتلك سلطة إدارتها؟فالحرب تختبر قوة الجيش، أما الاقتصاد والفساد فيختبران شرعية الحكم.The post الاقتصاد قد يسبب قي سقوط البرهان appeared first on صحيفة مداميك.