نجوي بابوإن القراءة المنهجية لمسار التوثيق الجنائي والسياسي الذي تقوده بعض القوى المدنية السودانية منذ عام ألفين وثلاثة وعشرين، يضع النخبة السودانية أمام إشكالات هيكلية تتجاوز حدود رصد الانتهاكات الميدانية لتنفذ إلى عمق العقيدة الاستراتيجية لبناء الدولة. فالحراك المدني الذي ركز طاقاته على توثيق فظائع الدعم السريع في الخرطوم، والجزيرة، والفاشر، والجنينة، والأبيض، ثم انتقل بحلول سبتمبر من عام 2026 نحو تصعيد التجريد الجنائي والسياسي ضد القوات المسلحة السودانية، يطرح سؤالاً وجودياً كبيراً حول ماهية البديل العسكري والهدف النهائي الذي تسعى إليه هذه القوى.إن محاولات الإثبات القانوني المستمرة بأن الدعم السريع ليس سوى واجهة هيكلية ولدت من رحم عقيدة الجيش وبيروقراطية المؤتمر الوطني البائد، مع تحميل الطرفين مسؤولية فض الاعتصام الكارثي، يهدفان بالأساس إلى إسقاط الشرعية المؤسسية الكاملة عن البندقية السودانية برمتها. غير أن الإشكال الفلسفي القاتل في هذا التوجه هو السقوط في وهم الدولة بلا جيوش وتجاهل حقيقة أن تجريم المنظومات الدفاعية وتفكيكها دون إيجاد بديل وطني موحد لا يقود إلى نظام مدني ديمقراطي، بل يفجر فراغاً أمنياً مرعباً يفتح الباب على مصراعيه لظهور أمراء الحرب، وتكريس واقع التشظي الجغرافي والمالي، وتدمير ما تبقى من وحدة النسيج الاجتماعي تحت وطأة السلاح المنفلت .إن هذا المنعطف الدستوري والأمني الخطير يعيد إلى الأذهان فوراً تفاصيل التجربة العراقية المريرة عام ألفين وثلاثة، وهي المقاربة التاريخية القريبة والتحذيرية التي يجب على السودانيين قراءتها بعناية فائقة لتفادي السقوط في ذات الفخ الوجودي. فحين اندفعت النخب السياسية العراقية المعزولة في الخارج مدفوعة بحقد أيديولوجي ورغبة عارمة في تصفية الحسابات وتصفير العدادات مع النظام الحاكم نحو تأييد القرارات الكارثية للحاكم المدني بول بريمر بحل الجيش العراقي وتفكيك مؤسسات الخدمة المدنية، لم تحصد الشعوب ديمقراطية أو سلاماً، بل انهار جدار الحماية السيادي للدولة وصارت الحضارة نهباً للاحتلال الأجنبي والميليشيات الطائفية، وصولاً إلى فظائع سجن أبو غريب سيئ السمعة وامتهان كرامة الإنسان. إن التاريخ لا يرحم النخب التي تدمر مؤسساتها السيادية نكاية في النظم الحاكمة فالجيوش يمكن إصلاح عقيدتها ومحاسبة المفسدين داخلها عبر منصات الحوار والمحاكم القانونية المستقلة، ولكن انهيار الدولة الكلي وتفكيك نواتها الصلبة يستحيل تداركه .وتأسيساً على ذلك، يتضح أن حماية السيادة السودانية لا تكتمل بهدم المؤسسات، بل بامتلاك الشجاعة التاريخية لبناء الركائز الصلبة للجمهورية. إن المخرج الوحيد من نفق التفكك والتشظي يكمن في التوافق على استراتيجية قومية عليا تقود إلى تأسيس جيش وطني واحد وموحد يضم كافة أبناء وبنات السودان دون إقصاء أو تمييز. جيش يتشكل على ركائز الكفاءة المهنية، ويتحرك بـ عقيدة عسكرية وطنية خالصة مبرأة تماماً من مآرب التحزب السياسي، والانتماء المناطقي، والعصبيات القبلية الضيقة ليكون هذا الجيش حصناً منيعاً لحراسة الدستور، وصون الحدود، وحماية كرامة الإنسان السوداني العظيم فوق كل تضليل .The post فخ بريمر في السودان appeared first on صحيفة مداميك.