تتقاطع أزمة تفاقم المجاعة المأساوية في مناطق سيطرة حركة/ جيش تحرير السودان (قيادة عبد الواحد محمد نور) مع موجات نزوح جماعي غير مسبوقة قادمة من ولايات كردفان ودارفور، مما يضع منطقة “طويلة” ومخيمات النازحين المنتشرة في الإقليم أمام خطر انهيار إنساني وشيك وشامل، في ظل النقص الحاد والكامل في مقومات الحياة الأساسية ومعينات البقاء على قيد الحياة.وكانت السلطة المدنية في الأراضي المحررة التابعة للحركة قد أعلنت رسمياً، في الثامن من سبتمبر الجاري، دخول مناطق (جبل مرة، طويلة، وعين سيرو) والمخيمات التابعة لها مرحلة “المجاعة الكارثية” (المرحلة الخامسة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي). وأكدت السلطة المدنية ارتفاعاً خطيراً في معدلات الوفيات ونسب سوء التغذية الحاد، لا سيما بين الأطفال والنساء الحوامل والمرضعات وكبار السن، بمعدل يتراوح بين 10 إلى 20 حالة وفاة يومياً نتيجة الجوع المباشر والأمراض المترتبة عليه.وأرجعت السلطة المدنية تفاقم الأزمة إلى العرقلة المتعمدة لوصول قوافل الإغاثة والمساعدات الإنسانية عبر الحدود والخطوط، وفشل الموسم الزراعي نتيجة انحباس الأمطار وتدهور البيئة المناخية، إلى جانب التردي المريع في الإمداد المائي وانتشار الأوبئة وتلوث مياه الشرب. وحمّلت السلطات في بورتسودان (حكومة الأمر الواقع) المسؤولية الكاملة عن عرقلة المساعدات واستخدام الغذاء والمساعدات الطبية كـ “سلاح حربي” في النزاع القائم.رحلات الموت والفرار: تدفقات لا تتوقف نحو “المجهول”وفي خضم هذه الظروف البالغة القسوة، تواصل المنطقة استقبال مئات الأسر الفارة من القصف الجوي والمدفعي وتدهور الأوضاع المعيشية والأمنية في مدينة الأبيض ومناطق واسعة بشمال كردفان ودارفور. وبحسب المنسقية العامة لمخيمات النازحين واللاجئين، فإن مخيم “طويلة” وحده استقبل نحو 193 عائلة نازحة جديدة في الفترة الممتدة بين 2 و11 سبتمبر الجاري.ونقلت مصادر محلية شهادات مؤلمة لبعض القادمين الجدد، تُجسد حجم المعاناة والإصرار على الحياة. من بين هؤلاء النازحة علوية محمد القادمة من ريفي كردفان، والتي أكدت أنها قطعت رحلة استغرقت 25 يوماً كاملاً على متن الدواب والحمير وسيراً على الأقدام للهرب من أهوال الجوع وانعدام الأمان، لتصل أخيراً إلى مخيمات “طويلة” التي تعاني بالأساس من عجز كلي في مواد الإيواء والغذاء والدواء ومياه الشرب النظيفة.وقالت علوية في حديثها لـ “مداميك”: “رغم أن الظروف المعيشية والإنسانية في معسكر طويلة سيئة للغاية وتفتقر لأدنى مقومات الحياة، إلا أنها تظل أفضل نسبياً من الموت المباشر الذي كنا نعيشه في شمال كردفان تحت القصف والجوع”. وأضافت أنها جاءت لتقيم مع أقرباء لها في المعسكر، حيث يتقاسمون القليل المتبقي من الطعام وسط أزمة طاحنة.من جانبه، وصف النازحعلي عبد الكريم رحلة فراره بأنها كانت شاقة ومتعددة المحطات والمراحل، ومرت عبر مخاطر أمنية جمة وطرق غير آمنة. وأشار إلى أنه كان يظن أن الوصول إلى “طويلة” سيوفر لأسرته الأمان والإغاثة، لكنه اصطدم بالواقع المعيشي المعقد ونقص الخدمات الطبية والإغاثية بالكامل.ويضيف علي لـ “مداميك”: “نحاول الآن بجهد شخصي بناء مأوى بسيط لأسرنا باستخدام المواد المحلية والمخلفات الطبيعية في ظروف بيئية قاسية للغاية. البرد والجوع يحاصروننا من كل جانب، ولا نملك شيئاً نسد به رمق أطفالنا”.استغاثات إنسانية وقراءة سوسيولوجية للنزوح المركّبوأمام هذه التطورات الميدانية المتسارعة والكارثية، ارتفعت أصوات الاستغاثات الإنسانية الصادرة عن المنسقية العامة لمخيمات النازحين واللاجئين والسلطة المدنية بالأراضي المحررة، حيث جددت الجهتان مناشداتهما العاجلة لمجلس الأمن الدولي، والأمم المتحدة، والوكالات الإغاثية الإقليمية والدولية للتدخل الفوري وإنقاذ آلاف الأرواح المعلقة بين الفقد والجوع. وأكدت السلطة والمنسقية على الضرورة القصوى لفتح المعابر الحدودية وتأمين الممرات الإنسانية الآمنة دون قيد أو شرط، لضمان إيصال شحنات الأغذية والأدوية بصورة مباشرة، إلى جانب الاستجابة الطارئة لتوفير مياه الشرب النظيفة ومواد الإيواء للمئات من الأسر الوافدة حديثاً والتي تجد نفسها مفترشة العراء في مواجهة قسوة الطبيعة، فضلاً عن تقديم الدعم الطبي والنفسي المتخصص للحد من سيناريو الوفيات اليومية الآخذ في التصاعد بسبب سوء التغذية وتفشي الأمراض الفتاكة.هذا الواقع المأساوي يفتح الباب أمام قراءة سوسيولوجية معقدة لظاهرة النزوح المركّب والمفاضلة بين الموتين؛ إذ يوضح الناشط الاجتماعي والباحث أحمد أبكر، في حديثه لـ “مداميك”، أن ما تشهده المنطقة من تدفقات بشرية متزايدة نحو “طويلة” وأراضي سيطرة حركة تحرير السودان يُمثل تجسيداً صارخاً لامتزاج مخاطر النزاع المسلح بعنفوانه مع تداعيات الكارثة البيئية والمجاعة المعلنة رسمياً. ويشير أبكر إلى أنه من منظور علم الاجتماع وإدارة الأزمات، فإن تحرك المجتمعات الفارة نحو مناطق تعاني بالأساس من انهيار إنساني وإعلان للمجاعة يعكس وصول السكان إلى مرحلة القهر الكامل، حيث يجد النازح نفسه أمام مفاضلة مأساوية بين “الموت العنيف المباشر” تحت وطأة القصف والرصاص، و”الموت البطيء” المعجون بالجوع والعوز والتهميش.ويسترسل أبكر في تحليله لآثار هذا التداخل المعقد، مشيراً إلى أن الرحلات المضنية التي تخوضها الأسر لأسابيع طويلة تؤدي تدريجياً إلى تآكل شبكات الأمان الاجتماعي والتضامن التقليدي؛ إذ يفقد كل من المجتمع المستضيف والوافد القدرة على ممارسة صور التكافل المعروفة في الثقافة السودانية نتيجة الاستنزاف المستمر، مما يهدد بتفكك النسيج المجتمعي الداعم ونشوء ضغوط حادة على الموارد المحدودة بالأساس. يرافق ذلك تحول في الأدوار داخل الأسرة، حيث تجد النساء والأطفال أنفسهم متحملين للعبء الأكبر في الحماية وتدبير القوت في ظروف شاقة، وهو ما يضاعف من وطأة “صدمة الاقتلاع” والتنقل القسري في ظل غياب الرعاية النفسية، مخلفاً آثاراً عميقة على الصحة النفسية للأجيال الشابة. كما ينطوي هذا النزوح على تحولات عميقة في الهوية والتكيف المكاني القسري، حيث ينتقل الأفراد من أنماط حياة الحضر أو الريف الإنتاجي إلى بيئات المخيمات المعزولة، مما يعيد تشكيل سلوكهم اليومي من الاعتماد على الإنتاج الذاتي إلى التعاطي مع عجز إغاثي قائم بالأساس.ورغم قسوة هذا المشهد وتداعياته، يرى أبكر بؤرة ضوء تتجلى في سلوكيات الصمود المرن لدى هذه المجتمعات؛ إذ يبين استمرار التحرك الجماعي والابتكار الذاتي لمنافذ الحماية قدرة متأصلة على التنظيم والتكيف المجتمعي رغم العدم. بيد أن هذا الصمود يتوقف استمراره -حسب تقديرات الباحثين والفاعلين في المجال الإنساني- على سرعة وحجم الاستجابة الدولية والمحلية؛ لأن استمرار الضغط السكاني على البيئة المجهدة إنسانياً سيعجل بتحويل المخيمات من ملاذات آمنة مؤقتة إلى بؤر شديدة الحساسية والانفجار، مما يهدد باتساع نطاق الكارثة الإنسانية وتجاوزها حدود الأراضي المحررة لتلقي بظلالها على الإقليم بأكمله.يقول المحلل الاقتصادي عبد الرحيم عثمان في مقابلة مع “مداميك”: “تُمثّل تحوّلات المشهد الميداني والسكاني في أراضي سيطرة حركة تحرير السودان حالة نموذجية لما يُعرف في أدبيات الاقتصاد بـ ‘صدمات العرض والطلب المتزامنة’ في بيئات النزاع، حيث يقود التداخل بين انعدام الأمن والجفاف والنزوح القسري إلى انهيار كامل لآليات السوق المحلي وهياكل الإنتاج”.ويضيف عبد الرحيم: “من جانب العرض، يمثّل فشل الموسم الزراعي وانحباس الأمطار، إلى جانب عرقلة خطوط الإمداد وتوظيف المساعدات كأداة للضغط، تجفيفاً كاملاً للمخزون الغذائي والسلعي. هذا الانكماش الحاد في المعروض لا يرفع الأسعار فحسب، بل يُلغي كلياً وظيفة ‘التبادل السلعي’ لعدم وجود فائض قابل للتداول، مما يفرض تحولاً قسرياً نحو اقتصاد الكفاف أو النفاذ الكلي للموارد”.ويوضح: “أما من جانب الطلب، فإن التدفقات السكانية المتعاقبة ونزوح المئات من الأسر من كردفان ودارفور نحو مناطق تعاني المجاعة بالأساس يُضاعف الكثافة الاستهلاكية على قاعدة موارد معدومة. يُترجم ذلك اقتصادياً إلى عجز استيعابي حاد في الطاقة الاستيعابية للمنطقة، حيث تعجز البنية التحتية المحلية للإنتاج عن تلبية أدنى حدود البقاء، مما يلغي تماماً الفاعلية الاقتصادية للإنتاج الذاتي ويُدخل المنطقة في مرحلة الاعتماد الكلي القسري على العون الخارجي الغائب”.ويؤكد أن استمرار هذا الوضع يهدد بانهيار ما تبقى من رأس المال الاجتماعي والاقتصادي؛ إذ تؤدي استنزاف المدخرات المحدودة للأسر المضيفة والوافدة إلى تدمير قدرتها الاستثمارية المستقبلية، ويحول دون أي تعافٍ اقتصادي على المدى القريب، مما يجعل المنطقة بؤرة حادة لـ “فقر الأجيال العابر” والانكماش الهيكلي الشامل.The post بين قصف كردفان ومجاعة جبل مرة.. الفرار من “الموت السريع” إلى “الموت البطيء” appeared first on صحيفة مداميك.