نجوي بابوفي عمق المشهد الدبلوماسي العربي الراهن، تبرز الأزمة الصامتة والمعلنة بين الجزائر و الامارات العربية المتحدة كواحدة من أعقد المحطات التي تواجه العمل العربي المشترك في القرن الحادي والعشرين، حيث تتجاوز هذه القطيعة حدود الخلاف الثنائي لتلقي بظلالها الثقيلة على أروقة جامعة الدول العربية وبنية صناعة قرارها السياسي والقانوني. لم تعد المنظومة الإقليمية مجرد ساحة لتنسيق المواقف، بل تحولت إلى مرآة عاكسة لصدام الأجندات الجيوسياسية، ومأزق النصوص القانونية العاجزة عن احتواء الخلافات، والشرخ الفلسفي العميق بين مفهومين متباينين لإدارة المصالح والنفوذ في المنطقة. هذا التوتر المتصاعد يضع الجامعة العربية أمام اختبار وجودي، يعيد مسألة السيادة الوطنية إلى الواجهة، وهذا الشرخ الإقليمي يفسر أيضاً رغبة الجزائر في النأي بنفسها عن التكتلات العسكرية الخارجية؛ فرغم التكهنات الدولية حول إمكانية انضمامها إلى “حلف مكة الدفاعي” الأخير بين السعودية وتركيا وباكستان، إلا أن الجزائر آثرت التمسك بعقيدتها الراسخة في عدم الانحياز، رافضةً الانخراط في أحلاف عسكرية خارج المظلات الدولية التقليدية لحماية استقلالية قرارها السيادي.وتكشف القراءة السياسية لهذه الأزمة عن تحول جوهري في هندسة التحالفات ومحاور النفوذ في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، إذ يمثل الخلاف صداماً مباشراً بين عقيدتين سياسيتين مختلفتين؛ فالجزائر تتمسك بعقيدة سيادية صارمة ومواقف تقليدية تدعم حركات التحرر وترفض التدخل الأجنبي في ملفات جوارها الإقليمي كالأزمتين الليبية والمالية، بينما تنتهج الإمارات استراتيجية براغماتية مرنة قائمة على الجيواقتصاد وتشبيك المصالح والاستثمار السياسي المباشر لتأمين الاستقرار ومكافحة التيارات الأيديولوجية. ولم تقتصر ساحة هذا الصدام على ملفات المغرب العربي والساحل فحسب، بل امتدت لتتقاطع مع تفاعلات الحرب السودانية، حيث تجد حكومة بورتسودان وتيار الإسلاميين هناك في الموقف الجزائري سنداً دبلوماسياً حيوياً؛ نظراً لتطابق الرؤى في مناهضة الدعم الإماراتي المفترض لقوات الدعم السريع، وهو ما يحول الملف السوداني إلى بؤرة استقطاب إضافية تعمق الشحن الأيديولوجي والسياسي، وتزيد من حدة التوتر بين الجزائر وأبوظبي. وقد انعكس هذا التباين الحاد في الرؤى على آلية اتخاذ القرار داخل جامعة الدول العربية، التي وجدت نفسها مشلولة قانونياً وبنيوياً بسبب افتقار ميثاقها لآليات إلزامية لفض النزاعات البينية أو فرض تدابير تحكيمية ملزمة، حيث يمنح شرط الإجماع أو التوافق في القرارات المصيرية كل دولة حق “الفيتو” الضمني، مما يحول المخرجات الجماعية إلى مجرد توصيات رمادية وتعبيرات فضفاضة تعتمد سياسة الحد الأدنى المشترك تحاشياً لصدام علني يفجر المنظمة من الداخل.ومن المنظور الفلسفي والفكري، تضع هذه القطيعة فكرة “القومية العربية” والمصير المشترك في مواجهة حتمية مع الواقعية السياسية النفعية الفجة، حيث تبرز الدولة القُطرية الحديثة كمنتصر نهائي في صراع الهوية والوظيفة الإقليمية، وتتحول الجامعة العربية من فضاء لصياغة الإرادة الجماعية إلى مسرح تؤدى فيه طقوس الدبلوماسية دون أثر حقيقي على الأرض، ليصبح القرار نتاجاً لتوازنات القوة المادية والمالية بدلاً من الإجماع الأخلاقي. وفي المحصلة، فإن الأزمة الجزائرية الإماراتية ليست حدثاً طارئاً عابراً، بل هي تجسيد حي للمأزق الهيكلي الذي يعيشه النظام الإقليمي العربي، حيث تتأرجح المؤسسة الجامعة بين عجز قانوني بنيوي يمنعها من التدخل لرأب الصدع، واستقطاب سياسي حاد يجمد قدرتها على الفعل، مما يؤكد أن مستقبل القرار العربي المشترك سيبقى رهيناً بالقدرة على الانتقال من التوافق الهش إلى بناء منظومة قانونية فوق قُطرية ملزمة تحترم السيادة وتدير الاختلاف بروح العصرThe post شرخ الأجندات appeared first on صحيفة مداميك.