هل يعيد التاريخ نفسه؟

Wait 5 sec.

مزمل عليم موزارتمنذ أن بدأ الحديث عن الاتفاق الإطاري، كان السؤال الحقيقي أكبر من الاتفاق نفسه: هل كانت القوى السياسية السودانية تبحث فعلاً عن مخرج للأزمة، أم كانت تبحث عن مقعد جديد في قطار السلطة؟في يناير 2023، كان المشهد السياسي يبدو كأنه يقف على حافة زلزال. اتفاق إطاري تحيط به الضغوط الدولية، وقوى سياسية متنازعة، ومؤسسة عسكرية تتحدث بأصوات متعددة، وشعب يقف بعيداً عن كل ذلك، يراقب ولا يعرف إلى أين تسير البلاد.كان التحذير وقتها واضحاً: أي اتفاق لا يجمع السودانيين، ولا يضع المواطن في قلب العملية السياسية، سيظل مجرد ورقة أخرى في سجل طويل من الأوراق التي وُقّعت باسم السودان ولم تغيّر شيئاً في حياة السودانيين.ثم جاء السؤال الأكثر خطورة: هل ما يحدث مجرد خلاف سياسي، أم أن البلاد تقترب من حرب لا يستطيع أحد التحكم في نهايتها؟في فبراير من العام نفسه، كانت المؤشرات تتصاعد؛ إذ لم يعد الخلاف مقصوراً على المدنيين والعسكريين، بل بدأت التناقضات تطفو داخل المؤسسة العسكرية نفسها. وفي المقابل، كانت القوى المدنية منقسمة بين تيار مركزي وكتلة ديمقراطية وأحزاب وحركات، وكل طرف يرى أنه الأحق بتمثيل السودان.وكان التحذير من الحرب الأهلية وقتها يبدو للبعض مبالغاً فيه، لكنه كان في الحقيقة قراءة لمعادلة شديدة الخطورة: مؤسسة عسكرية منقسمة، قوى سياسية متصارعة، اقتصاد ينهار، احتقان اجتماعي، وتدخلات خارجية تتقاطع مع مصالح داخلية.لكن المشكلة الكبرى لم تكن في الإطاري وحده. المشكلة كانت في عقلية سياسية سودانية اعتادت إعادة إنتاج الفشل نفسه بأسماء مختلفة.وثيقة دستورية فشلت، ثم اتفاق سلام جوبا الذي لم يحقق السلام المنشود، ثم انقلاب 25  أكتوبر، ثم الاتفاق الإطاري، ثم ورش ومبادرات واتفاقات موازية.كل مرة كنا نغير الاسم ونبقي على المشكلة.المجرب لا يجرب.لكننا في السودان كنا نفعل العكس تماماً؛ نجرب الأشخاص أنفسهم، والأحزاب أنفسها، والمنهج نفسه، ثم ننتظر نتيجة مختلفة. وهذه ليست سياسة، وإنما إصرار على إعادة تدوير الأزمة.والأخطر أن الصراع لم يكن دائماً صراع مبادئ، بل كان في جانب منه صراعاً على السلطة والموارد والنفوذ.أرستقراطية عسكرية ترى أن الدولة لا يمكن أن تستقيم بعيداً عن المؤسسة العسكرية، وأحزاب سياسية تتعامل مع السلطة باعتبارها غنيمة سياسية مؤجلة، بينما المواطن السوداني يقف خارج القاعة، لا يعرف من الذي يتفاوض باسمه ولا ماذا سيحصل عليه بعد انتهاء التفاوض.وهنا كانت المفارقة الكبرى: الجميع يتحدث عن السودان، لكن السودان نفسه لم يكن حاضراً بما يكفي.كان الحديث عن تشكيل مجلس السيادة، ومجلس الوزراء، والإصلاح الأمني والعسكري، والانتقال الديمقراطي، بينما كان المواطن يسأل سؤالاً أبسط بكثير: متى تنتهي معاناتنا؟اليوم، وبعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب، لم يعد السؤال: هل السودان على حافة الزلزال؟ لقد وقع الزلزال بالفعل.الحرب التي بدأت في إبريل 2023 تحولت إلى كارثة وطنية مفتوحة، وانقسمت البلاد إلى مناطق نفوذ، وتشرد الملايين، ودُمرت البنية التحتية، وتوسعت دائرة العنف إلى مستويات غير مسبوقة. وحتى الآن، لا تزال الحرب تتغذى على السلاح والدعم الخارجي والتكنولوجيا العسكرية الحديثة؛ إذ حذرت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة أخيراً من أن الدعم العسكري الأجنبي والطائرات المسيّرة يساهمان في استمرار الحرب وتوسيع قدرتها على ضرب مناطق مدنية بعيدة عن خطوط المواجهة.وهنا يصبح الرجوع إلى تحذيرات 2023 مهماً، ليس من أجل تسجيل انتصار سياسي لهذا الطرف أو ذاك، وإنما لفهم كيف وصلنا إلى هنا؛ لم تبدأ الكارثة يوم أُطلقت الرصاصة الأولى، الرصاصة كانت نتيجة.أما البداية الحقيقية فكانت يوم أصبح السياسي أهم من الدولة، والحزب أهم من الوطن، والسلطة أهم من المواطن، وحين تعاملت النخب مع الاختلاف باعتباره معركة كسر عظم لا مساحة فيها للتنازل.لقد فشل الجميع بدرجات مختلفة، فشل العسكري عندما ظن أن القوة يمكن أن تصنع الاستقرار، وفشل السياسي عندما ظن أن إقصاء خصمه يمكن أن تصنع الديمقراطية.وفشلت النخب عندما تحدثت باسم الشعب أكثر مما استمعت إليه.وفشل المجتمع الدولي عندما تعامل مع الأزمة السودانية باعتبارها ملفاً سياسياً قابلاً للإدارة من الخارج، بينما كانت النار تكبر في الداخل والنتيجة أن السودان دفع الثمن.اليوم، لا يكفي أن نطالب بإيقاف الحرب، رغم أن إيقافها هو الأولوية المطلقة، نحتاج أيضاً إلى الإجابة عن السؤال الأصعب: ثم ماذا بعد الحرب؟هل سنعود مرة أخرى إلى المربع نفسه؟هل سنأتي باتفاق جديد هذه المرة تحت مسمى “مبادرة الحوار السوداني – السوداني”، ونضع حوله السفراء، ونقيم الورش، ونختلف حول المناصب، ثم نكتشف بعد أشهر أن المواطن لم يتغير شيء في حياته؟هل سنعيد إنتاج الوجوه ذاتها، والعقلية ذاتها، والتحالفات ذاتها، ثم نستغرب عندما تنتج لنا النتائج ذاتها؟إذا كان السودان قد تعلم شيئاً من السنوات الماضية، فيجب أن يكون أن الاتفاقيات وحدها لا تصنع السلام ولا تبني دولة، الدول تصنعها المؤسسات الحقيقية، والديمقراطية لا تُبنى بإقصاء الخصوم.والجيش ينبغي ألا يكون حزباً سياسياً يرتدي الزي العسكري، كما أن الأحزاب ينبغي ألا تتحول إلى جماعات تتنافس على مفاتيح الدولة.أما المواطن، فيجب أن يتوقف عن كونه مجرد رقم في بيانات السياسيين وضحية في نشرات الأخبار، لقد دفع السودانيون ثمناً باهظاً.ومن غير المعقول أن تكون الخلاصة بعد كل هذا الخراب مجرد اتفاق جديد تتغير فيه أسماء الموقعين، بينما تبقى قواعد اللعبة كما هي.الإطاري كان حبراً على ورق:لكن المشكلة لم تكن في الورق.المشكلة كانت في الذين اعتقدوا أن الورق يستطيع وحده أن يصنع دولة.والآن، بعدما تحول التناحر السياسي إلى حرب، وأصبح الوطن نفسه مهدداً بالتشظي، فإن المطلوب ليس إحياء اتفاق قديم ولا البحث عن صفقة جديدة بين النخب.المطلوب هو إعادة تعريف السؤال كله: ليس من يحكم السودان؟ بل كيف نبني سوداناً لا يحتاج بعد اليوم إلى انقلاب كي يتغير، ولا إلى حرب كي يتفق، ولا إلى سفراء كي يتذكر أن القرار في النهاية يجب أن يكون للشعب؟فالسودان لا يحتاج إلى إطاري جديد، السودان يحتاج إلى عقد وطني جديد وإلى وجوه جديدة إلى شباب وطني غيور بعيداً عن الوجوه المتكررة ذات التجارب الفاشلة عبر السنين الطويلة، وإلا سنظل نكتب الاتفاقيات بالحبر، بينما يكتب التاريخ نهايتنا بالدم.The post هل يعيد التاريخ نفسه؟ appeared first on صحيفة مداميك.