علي هجوالأمين العام لمبادرة المجتمع المدني بإقليم النيل الأزرق13 سبتمبر 2026من المؤلم أن نتحدث عن النيل الأزرق اليوم وكأن معاناته بدأت مع الحرب الحالية. الحقيقة أن إنسان النيل الأزرق يعيش مأساة ممتدة منذ عقود؛ مأساة عنوانها التهميش، وغياب العدالة، وضعف التنمية، وانهيار الخدمات، وغياب المشاركة العادلة في إدارة الدولة.قرابة نصف قرن من المعاناة في النيل الأزرق لم تكن صدفة، ولم تكن بسبب عامل واحد، وإنما نتيجة تراكمات وسياسات خاطئة جعلت مناطق واسعة من النيل الأزرق تعيش على هامش الدولة المركزية، رغم أنها جزء أصيل من السودان.في جنوب النيل الأزرق، هناك مجتمعات عاشت لعقود وكأن الدولة لا تعلم بوجودها. مناطق ظلت محرومة من المؤسسات المدنية والخدمات الأساسية، وفي بعضها عانى المواطنون حتى في الحصول على الوثائق الرسمية والرقم الوطني. كيف يمكن لإنسان أن يعيش داخل حدود دولة، ولا يجد مؤسساتها، ولا خدماتها، ولا يشعر بأن حقوقه كمواطن مصانة ومحمية؟ هذه ليست قضية طرق أو مدارس أو مستشفيات فقط؛ هذه أزمة مواطنة وأزمة دولة.عندما تغيب المدرسة، ويغيب المستشفى، وتغيب المؤسسات المدنية، وتغيب فرص العمل والتنمية، وتغيب المشاركة السياسية العادلة، فإن الدولة لا تكون غائبة عن منطقة جغرافية فحسب، بل تكون غائبة عن حياة الإنسان نفسه. ولهذا ليس غريباً أن تتراكم مشاعر الغبن والتهميش، وأن تنشأ الحركات المسلحة، وأن يجد بعض أبناء هذه المناطق أنفسهم في مواجهة الدولة أو داخل أطراف مختلفة من الصراع.لكن علينا أن نكون واضحين أيضاً: المعاناة والتهميش والظلم وغياب العدالة لا تبرر استمرار الحرب، كما أن الحرب لا يمكن أن تكون وسيلة دائمة لانتزاع الحقوق.إن وجود أبناء من النيل الأزرق في الحركة الشعبية بقيادة الجنرال جوزيف توكا، ووجود آخرين ضمن قوات الدعم السريع، يعكس تعقيدات سياسية واجتماعية واقتصادية وأمنية لا يمكن تجاهلها إطلاقاً؛ لكنه لا يمنح أي طرف الحق في تحويل المدنيين إلى وقود للحرب، ولا يبرر قتلهم أو تهجيرهم أو تدمير حياتهم.لقد أثبتت السنوات الماضية أن المواطن هو الخاسر الأكبر في هذه الحروب المستمرة. فمن يحمل السلاح قد يذهب إلى الجبهة، لكن المواطن هو الذي يفقد منزله، ويترك أرضه، ويبحث عن الغذاء والدواء، وينزح من قرية إلى أخرى، ويعبر الحدود بحثاً عن الأمان، ويدفع ثمن صراع لم يصنعه.واليوم، آلاف الأسر في النيل الأزرق تعيش هذه المأساة من جديد. قرى ومناطق تتعرض للفراغ السكاني، وأسر تترك منازلها، ونازحون ولاجئون يبحثون عن الأمن والمأوى والغذاء والعلاج، بينما تتراجع وتنهار الخدمات الصحية والتعليمية والإنسانية إلى مستويات خطيرة وكارثية.لكن السؤال الحقيقي ليس فقط: لماذا اندلعت الحرب؟ السؤال الأهم هو: لماذا فشلت الدولة السودانية طوال هذه العقود في معالجة الأسباب التي تجعل الحرب ممكنة ومتكررة؟ لماذا ظلت مناطق كاملة محرومة من التنمية؟ لماذا لم يكن توزيع الموارد عادلاً؟ لماذا لم تصل مؤسسات الدولة إلى كل مواطنيها؟ لماذا ظل القرار السياسي مركزياً وبعيداً عن أصحاب المصلحة الحقيقيين في الأقاليم؟ ولماذا ظل التنوع السوداني يُنظر إليه في كثير من الأحيان باعتباره تهديداً بدلاً من أن يكون مصدر قوة؟إذا كنا فعلاً نريد الحفاظ على السودان موحداً، فعلينا أن نواجه الحقيقة بدلاً من الإنكار والهروب منها. السودان لن يحافظ على وحدته بالقوة، ولن تحميه الشعارات الزائفة أو البراقة، ولن تمنع تفككه المعالجات الأمنية وحدها.وحدة السودان تحتاج إلى عدالة ومساواة. نحتاج إلى دولة تعترف بتنوع شعبها، وتحترم خصوصية أقاليمها ومجتمعاتها، وتضمن المساواة بين مواطنيها، وتوزع السلطة والثروة والفرص بعدالة، وتوفر التعليم والصحة والبنية التحتية والخدمات في كل المناطق، من المركز إلى أبعد قرية في الأقاليم.النيل الأزرق ليس هامشاً. المشكلة ليست في الأطراف، وإنما في نموذج الدولة العقيم الذي جعل الأطراف تدفع ثمن أخطاء المركز لعقود طويلة. وإذا استمرت الدولة في التعامل مع هذه القضايا باعتبارها مشكلات أمنية فقط، فإنها لن تنتهي؛ لأنك تستطيع أن تسكت صوت البندقية مؤقتاً، لكنك لا تستطيع أن تسكت شعور الإنسان بالظلم إلى الأبد.نحن بحاجة إلى إعادة تأسيس العلاقة بين المواطن والدولة. نحتاج إلى دولة مدنية عادلة، لا يكون فيها الانتماء الجغرافي أو القبلي أو الثقافي سبباً للحصول على الحقوق أو الحرمان منها.نحتاج إلى الاعتراف بأن السودان بلد متعدد الثقافات والمجتمعات والهويات، وأن هذه الحقيقة ليست خطراً على الدولة، بل هي أساس حقيقي لقوتها واستمرارها.أي سلام حقيقي في السودان لا يمكن أن يكون مجرد اتفاق بين عدد محدود من السياسيين والعسكريين في العواصم أو المنابر، بينما يبقى أصحاب المصلحة الحقيقيون بعيدين عن طاولة القرار. لا سلام من دون مشاركة الأقاليم المتأثرة بالحرب. لا سلام من دون النساء والشباب والمجتمع المدني. لا سلام من دون المجتمعات المحلية والإدارات الأهلية. ولا سلام من دون معالجة جذور الأزمة والتهميش والظلم.في النيل الأزرق تحديداً وبصفة خاصة، لن يكون السلام مجرد توقف لإطلاق النار. السلام يعني أن يعود النازح واللاجئ إلى منزله آمناً. أن تعود المدارس إلى العمل. أن تعمل المستشفيات والطرق. أن تصل الخدمات إلى القرى البعيدة. أن يحصل المواطن على وثيقته الرسمية وحقه في المواطنة والعيش الكريم. أن يجد الشباب فرصاً حقيقية بدلاً من أن يجدوا أمامهم طريق حمل السلاح. وأن يشعر إنسان النيل الأزرق أن الدولة موجودة من أجله، وليست موجودة فقط عندما تحتاج إلى الجندي أو الضريبة أو التصويت.أنا شخصياً ضد الحرب، وضد استهداف المدنيين، وضد استخدام السلاح لفرض الإرادة السياسية بالقوة مهما كانت المظالم، ولكنني في الوقت نفسه ضد إنكار الأسباب الحقيقية التي دفعت كثيراً من أبناء المناطق المهمشة إلى الاحتجاج والتمرد وحمل السلاح. رفض الحرب لا يعني رفض الحقوق، والاعتراف بالحقوق لا يعني تبرير الحرب وحمل السلاح. هذه نقطة جوهرية ومهمة يجب أن يفهمها الجميع.إن حقوق إنسان النيل الأزرق ليست منّة من أحد، وليست مكافأة على الولاء السياسي، وليست شيئاً يجب انتزاعه بالرصاص أو بتشريد السكان؛ إنها حقوق أصيلة لكل مواطن سوداني.والدرس الأكبر الذي يجب أن نتعلمه من هذه الحرب هو أن الدولة السودانية بحاجة إلى مراجعة عميقة وشجاعة، ليس فقط للحرب الحالية، وإنما للطريقة التي تأسست وأديرت بها الدولة منذ الاستقلال إلى الآن.إذا أردنا سوداناً موحداً، فعلينا أن نبني سوداناً عادلاً يتساوى فيه الجميع. وإذا أردنا أن تتوقف الحروب، فعلينا أن نعالج أسبابها من جذورها معالجة شاملة. وإذا أردنا أن يعود الناس إلى قراهم ومناطقهم، فعلينا أن نجعل تلك القرى صالحة للحياة. وإذا أردنا أن نحافظ على السودان من التفكك، فعلينا أن نعترف بأن أكبر خطر على وحدة السودان ليس تنوع شعبه، وإنما الظلم والتهميش وغياب العدالة والمساواة.النيل الأزرق لا يريد المستحيل. إنسان النيل الأزرق يريد أن يعيش آمناً في أرضه، وأن يحصل على حقوقه، وأن يرى مدرسة ومستشفى وطريقاً ومؤسسة مدنية، وأن يكون له صوت حقيقي في الدولة التي ينتمي إليها.نريد سوداناً يتسع للجميع، لا سوداناً يُطلب من بعض أبنائه أن يتنازلوا عن حقوقهم حتى تبقى الدولة موحدة. السودان الذي لا يسع النيل الأزرق بعدالة لن يستطيع أن يسع نفسه إلى الأبد.The post النيل الأزرق بين مأساة الحرب وأزمة الدولة السودانية المتراكمة appeared first on صحيفة مداميك.