دكتور حسام طه المجمرمن بين الاتهامات التي ظهرت خلال الحرب في السودان، يظل الادعاء باستخدام الأسلحة الكيميائية من أخطرها وأكثرها إلحاحًا. فهذا ليس اتهامًا يمكن أن يضيع وسط البيانات المتبادلة أو الحسابات السياسية. إذا ثبتت صحته، فنحن أمام انتهاك بالغ الخطورة للقانون الدولي، يستوجب المساءلة.لكن الخطورة نفسها تفرض علينا التعامل مع المسألة بمعيار واحد ، لا يكفي أن نصدق الاتهام، كما لا يجوز أن نرفضه دون تحقيق. فالأعراض المرضية وحدها لا تثبت استخدام مادة كيميائية محظورة، والشهادات، مهما كانت مهمة، تحتاج إلى أن تدعمها أدلة علمية وجنائية قابلة للتحقق.لهذا أرى أن الادعاءات المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية في السودان تستدعي تحقيقًا دوليًا مستقلًا ومتخصصًا، يتمتع بالموارد والخبرة والصلاحيات اللازمة، وبوصول كامل وغير مقيّد إلى مواقع الأحداث والشهود والأدلة.التحقيق الجاد في مثل هذه الحالات ليس مهمة سياسية أو إعلامية. إنه عمل علمي وجنائي معقد، يحتاج إلى خبراء في الأسلحة الكيميائية والسموم والطب الشرعي، وإلى القدرة على جمع وتحليل العينات البيئية والبيولوجية، وفحص بقايا الذخائر، ودراسة أنماط الإصابات، والاستفادة من الأدلة الرقمية والصور الفضائية، مع الالتزام الصارم بسلسلة حيازة الأدلة. وهذا يتطلب أيضًا تمويلًا حقيقيًا ومستدامًا. لا يمكن لفريق محدود الموارد أن يحقق في ادعاء بهذه الخطورة، في بلد واسع ما زالت أجزاء كبيرة منه تشهد قتالًا.لا يمكن إثبات جريمة كيميائية من وراء المكاتب. يجب أن يتمكن المحققون من الوصول إلى المناطق التي يُدعى وقوع الهجمات فيها، وفحص المواقع، وجمع العينات، ومقابلة الناجين والشهود والعاملين الصحيين، والاطلاع على السجلات والأدلة ذات الصلة.وينبغي ألا يبدأ التحقيق من افتراض أن السلاح الكيميائي استُخدم، ولا من افتراض أنه لم يُستخدم. يجب أن تترك النتيجة للأدلة.وإذا أثبت التحقيق استخدام أسلحة كيميائية، فيجب ألا يتوقف عند تحديد المادة المستخدمة. ينبغي أن يمتد إلى تحديد المسؤولين عن استخدامها، بما في ذلك من خططوا أو أمروا أو سهّلوا أو نفذوا الهجمات، وفقًا للمعايير القانونية الدولية.وفي المقابل، إذا لم تثبت الأدلة وقوع استخدام كيميائي، فيجب إعلان ذلك بوضوح أيضًا.هذا هو جوهر التحقيق المستقل: ألا يخدم رواية طرف، بل يكشف الحقيقة.السودان عانى كثيرًا من الإفلات من العقاب. ولا ينبغي أن يصبح الاتهام باستخدام الأسلحة الكيميائية ملفًا آخر يضاف إلى قائمة الجرائم التي ظلت بلا إجابة.الحقيقة لا تحتاج إلى حماية سياسية؛ تحتاج إلى تحقيق مهني.وإذا كان السلاح الكيميائي قد استُخدم، فمن حق الضحايا أن يعرفوا من استخدمه، ومن حق المجتمع الدولي أن يعرف الحقيقة. وإذا لم يُستخدم، فمن حق الجميع أن يعرفوا ذلك أيضًا.لذلك، فإن المطالبة بتحقيق دولي مستقل ومجهز بالخبرة والتمويل والأدوات، وقادر على العمل دون عوائق أو قيود، ليست انحيازًا لأي طرف في الحرب.إنها ببساطة مطالبة بأن تكون الحقيقة هي الهدف! The post السلاح الكيميائي في السودان: حان وقت الحقيقة appeared first on صحيفة مداميك.