تقرير: رندا عليلم يعد اللجوء بالنسبة إلى بعض العائلات السودانية في مخيمات كيرياندونغو بدولة أوغندا مجرد نزوح مؤقت بحثاً عن الملاذ الآمن، بل أمسى مع تطورات الأحداث امتحاناً بالغ القسوة لاختبار طاقة الاحتمال في مواجهة وطأة الفقر، وعتمة البطالة، وانعدام المعيل؛ حتى بدت بوادر تلك الأزمات ماثلة في تصاعد معدلات الطلاق، وتصدع البنى الأسرية، وتشتت الصغار، فضلاً عن تداول أنباء تخص لجوء البعض إلى تبديل العقيدة استجداءً للعون.تفكك الأسرةيوضح مسؤول رفيع بمخيمات كيرياندونغو، آثر حجب هويته، أن الواقع المعيشي المتردي بات التحدي الأعظم أمام اللاجئين، مولداً منظومة من التعقيدات على رأسها تفشي حالات الانفصال الزوجي. ويبيّن أن جذور النزاعات غالباً ما تتأتى من إصرار أحدهم على العودة للوطن جراء ضيق ذات اليد، في مقابل تمسك الشريك الآخر بالبقاء خشية أهوال الحرب. وفي مسارات أخرى، يبرز الخلاف منذ محطة الخروج الأولى من السودان رغبةً من الزوجة في النزوح بينما يرفض الزوج، لتجد نفسها لاحقاً وحيدة داخل المخيم بلا سند.أعباء متزايدةويشير إلى أن المرأة التي تكابد أعوام اللجوء في غياب رب الأسرة ومورد الرزق المستقر تجد نفسها محاصرة بأعباء مضاعفة، تتفاقم مع شح فرص الكسب وغياب الدعم المالي عن شريحة واسعة من العائلات. وتبلغ الضغوط ذروتها لتطلب الزوجة الانفصال، فيتحول الأبناء في أغلب الأحيان إلى ضحية أولى لتداعي الكيان الأسري. وينوه المسؤول إلى أن لجنة الشؤون الدينية تتولى النظر في قضايا الطلاق مترويةً دون بت فوري، مع الالتزام بالضوابط الشرعية والنظامية، وهو ما يجبر بعض السيدات على تكبد عناء ارتياد المحاكم وقطع مسافات شاسعة لاستكمال الإجراءات.غياب المعيلولا تقصر تداعيات الأزمة المعيشية عند حدود الانفصال؛ إذ يؤكد مسؤول آخر بالمخيمات، فضل عدم إفشاء اسمه، أن قطاعاً من الآباء تخلى عن أسرته ومارس حق الرحيل صوب السودان أو وجهات أخرى سعياً وراء الرزق، مخلفين وراءهم بيئات أسرية بالغة الهشاشة، مقدراً نسبة هذه الحالات بنحو 40%. ويضيف انه بوجود حالات أخرى اضطرت فيها بعض العائلات إلى تسليم أطفالها لرعاية أسر بديلة أو منظمات إغاثية تحت وطأة الضغوط المعيشية والاجتماعية، الأمر الذي ضاعف من مأساة تمزق أواصر العائلة الواحدة.قضايا التنصيروتبرز مسألة تغيير المعتقد الديني كإحدى أكثر الملفات حساسية في إفادات المسؤولين الاثنين. وينقل المسؤول الثاني شهادات عن حالات داخل الشريحة السودانية نالت دعماً كنسياً أو وعوداً بالعلاج وإيفاداً لإعادة التوطين نظير الدخول في الديانة المسيحية، لافتاً إلى حضور 3 كنائس يرتادها أفراد من الجالية أيام الآحاد. من جانبه، يؤكد المسؤول الأول أن الحديث عن ظاهرة التنصير اتسع نطاقه بشكل ملحوظ خلال العام المنصرم وبدايات عام 2026، مبيناً أن بعض الشبان ارتدوا الصليب قُبيل احتفالات رأس السنة إثر ترويج لأنشطة منظمة تمنح المرتد 100 دولار.تحديات المجتمعويقرأ المسؤول المبلغ في هذا الرقم دلالة صارخة على عمق السحق الاقتصادي الذي يعانيه قطاع من الشباب، مضيفا أن الترويج لهذه الممارسات لم يقتصر على أطراف خارجية بل أسهم فيه بعض الشبان أنفسهم. ويمضي موضحاً أن التداعيات امتدت لتطال المساجد عبر نقاشات حادة محتدمة حول العقيدة تكاد تنزلق إلى صدامات، معتبراً إياها مهدداً مركزياً يستهدف تماسك المجتمع السوداني بالمخيم. ويناشد في هذا السياق الجهات المؤهلة للمساندة بالتدخل السريع، مشدداً على أن معالجة الأوضاع الاقتصادية تظل المدخل الجوهري لكبح جماح تلك المشكلات، جنباً إلى جنب مع تفعيل البرامج الدعوية والاجتماعية الراسخة لصمود الشباب والأسر.مستنقع البطالةويضع المسؤول الثاني شريحة الشباب في صدارة بؤر الاهتمام بالمستوطنة، مسلطاً الضوء على معضلة البطالة، وهزال فرص التأهيل والعمل، وانزلاق البعض نحو مستنقع المخدرات والسرقات وأنماط السلوك الخطرة، فضلاً عن انهيار الصحة النفسية وتنامي حالات الانتحار والصدمات العصيبة. ويبين أن طائفة من الشباب آثرت العودة للبلاد، بينما شد الرحال آخرون نحو بلدان شتى طلباً لرزق يكفل لهم النجاة من دائرة الفقر والانتظار العبثي. ويشير إلى أن التموضع الجغرافي للجالية السودانية يتوزع على 13 كلستراً (تجمع سكني)، مسجلاً نسب تجاوزت 20%.مطالب عاجلةولا يقف المسؤولون عند حدود التشخيص، بل يطرحون حزمة مطالب ملحة موجهة للجهات القادرة على الإغاثة؛ إذ يوجز أحدهما الأولوية في دعم 25 مطبخاً جماعياً لرتق الفجوة الغذائية، وتأمين الاحتياجات الأساسية للفئات الأكثر هشاشة، مع توفير آليات الحماية للنساء والفتيات. كما يشدد على أهمية التدريب المهني واستحداث فرص عمل ومشاريع إنتاجية مدرة للدخل، وتوسيع مظلة الدعم النفسي ومكافحة المخدرات، فضلاً عن مؤازرة المساجد والقائمين عليها والأنشطة الاجتماعية الداعمة لروابط الأسرة والمجتمع.تلاشي التكافلومن عمق المستوطنة، يصور لاجئ سوداني، آثر التحفظ على ذكر اسمه، ملمحاً آخر للأزمة متمثلاً في تداعي المنظومة المجتمعية. ويوضح أن روح التكافل والترابط التي ألفها السودانيون بحواريهم قبل الحرب قد خبت جذوتها حتى غدت تدبير وجبة بسيطة تلتئم حولها الأسرة أمراً عسيراً، في ظل الفقر المدقع، وتباعد الأفراد، واختلاف الألسنة والثقافات، وانعدام فرص الكسب والاعتماد على مساعدات شحيحة. ويرى المتحدث أن الحرب لم تسلب السودانيين دور مساكنهم فحسب، بل اغتالت معها الحاضنة الاجتماعية المعينة على تنشئة الأبناء، فالحي والعشيرة والامتداد العائلي كانوا حصناً للتوجيه والوقاية، ليواجه الشباب في مهجرهم مستقبلاً ضبابي الملامح.أمل مستمروعلى وقع 3 أعوام من اللجوء، تتكثف هواجس المستقبل متسائلة: أينجلي ليل الأزمة بالسودان لتباشير العودة، أم يطول أمد الانتظار بمقامات تفتقر لمقومات الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي؟ وعلى الرغم من قتامة المشهد، يرصد مراقبون بالجالية السودانية في كيرياندونغو جذوات أمل لم تنطفئ، وجوانب مضيئة تستحق الالتفات؛ إذ شهدت المستوطنة عقود قران وروابط أسرية جديدة انبلجت خلال سنوات المحنة، فوجدت بعض الأسر في تلك الروابط متفسحاً لترميم حياتها، بالتوازي مع جهود تبذلها لجان أهلية ودينية لاحتواء العائلات وصيانة ما يمكن صيانته من ترابط مجتمعي.معلقة بالخارجوبين عائلة تكابد لتأمين كسرة خبز لصغارها، وأخرى تبحث عن بصيص دخل، وزوجين يترنحان بين خيارين أحلاهما علقم، وشباب يلتمسون مخرجاً من متاهات البطالة، تقف حياة السودانيين في كيرياندونغو معلقة على حبال واقع شحيح الخيارات ومستقبل حجب الأفق غمامه.The post لاجئو السودان في (كيرياندونغو).. معاناة تتجدد و”تنصير” يتمدد! appeared first on صحيفة مداميك.