تقرير: إسماعيل حسابويأتي تأكيد المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو، أهمية ضمان (عملية امتحانات وطنية موحدة)، في وقت تعكس فيه الشهادة الثانوية السودانية أبرز مظاهر الانقسام الذي فرضته حرب 15 أبريل 2023 على المنظومة التعليمية في البلاد.وأعلنت ما تعرف بحكومة السلام لتحالف” تأسيس” ومقرها نيالا، نتائج امتحانات الشهادة الثانوية مطلع سبتمبر الحالي، بعد أن حُرم الطلاب في ولايات دارفور وأجزاء من كردفان من التعليم وإجراء الامتحانات منذ اندلاع الحرب، بينما تستعد سلطات الأمر الواقع في بورتسودان لإعلان نتائج الامتحانات التي أُجريت تحت إشرافها خلال الأيام المقبلة.وقال هافيستو، عقب لقائه قائد الجيش عبد الفتاح البرهان في بورتسودان، إنه أكد أهمية ضمان وجود عملية امتحانات وطنية موحدة، باعتبارها مسألة تحظى باهتمام كبير من المجتمع الدولي، موضحًا أن الهدف هو الحفاظ على الحق الأساسي للأطفال في الوصول إلى امتحانات معتمدة بصورة عادلة وآمنة في جميع أنحاء السودان، مشيرًا إلى استمرار العمل في هذا الملف بالتعاون مع وكالات الأمم المتحدة، ومنها اليونيسف.ويأتي هذا الموقف في ظل انتقال أزمة التعليم السوداني إلى مستوى الاهتمام الدولي، إذ عقد مجلس الأمن الدولي في 7 أغسطس الماضي جلسة حول «حماية التعليم في السودان: الاستثمار في السلام والتعافي والاستقرار»، في مؤشر على تنامي الاهتمام الدولي بتداعيات الحرب على المنظومة التعليمية.ويرى د. فائز عمر جامع، مدير مركز دراسات السلام والتنمية بجامعة بحري، أن متابعة المجتمع الدولي لأهمية وجود عملية موحدة للامتحانات تمثل خطوة إيجابية في بلد أرهقته الحروب والنزاعات، معتبرًا أن هذه الخطوة تأخذ في الحسبان مخاطر أن «ينفرط عقد البلد بدءًا من ثغرته التعليمية». وقال لـ«مداميك» إن هناك مناطق في السودان ابتعدت عن المنهج القومي وتمسكت بنظم تعليمية أخرى، محذرًا من أن هذه المسارات لا تؤدي إلا إلى جعل الطلاب ضحايا للانقسام.ومن جانبها، حذرت لجنة المعلمين السودانيين من أن إعلان نتائج الشهادة الثانوية عبر مسارين منفصلين يؤكد خطورة انقسام القرار التعليمي، مشيرة إلى أن التعليم لا يمكنه الاستمرار في ظل تعدد مراكز القرار واختلاف السياسات والمناهج والامتحانات والشهادات. واعتبرت أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى نشوء أجيال ذات مسارات تعليمية وشهادات مختلفة، بما ينعكس على القبول الجامعي ومعادلة الشهادات والاعتراف بها وفرص العمل داخل السودان وخارجه.ودعت اللجنة إلى صيغة وطنية وقانونية وأكاديمية تحفظ حقوق الطلاب الذين أدوا الامتحانات، وتمنع تحول الانقسام الحالي إلى واقع تعليمي دائم، مؤكدة ضرورة توحيد القرار التعليمي والامتحانات والحفاظ على شهادة سودانية واحدة.في المقابل، لا يرى الباحث السياسي حسان الناصر أن تعدد الامتحانات يمثل بالضرورة تكريسًا للانقسام، معتبرًا أن الانقسام الحقيقي يرتبط بصورة أكبر بالاعتراف الخارجي بالسلطات ومؤسساتها، وليس بتقديم الخدمات للمواطنين. وقال لـ«مداميك» إن المجتمع الدولي يتعامل مع ملف الامتحانات ضمن مسار أوسع لبناء الثقة بين أطراف الصراع، من خلال التوصل إلى اتفاقات في قضايا محددة ثم البناء عليها للانتقال إلى ملفات أخرى. وضرب مثالًا بقضية الأسرى والمعتقلين ومحاولات التبادل، معتبرًا أن مثل هذه الخطوات يمكن أن تمهد للانتقال إلى قضايا مثل الامتحانات الموحدة والمساعدات الإنسانية.وأشار الناصر إلى أن هذا النهج يمكن أن يمثل آلية جيدة تسهم في تغيير الظروف على الأرض، لكنه لفت إلى أن السلطات قد تنظر إلى بعض المبادرات الدولية باعتبارها قد تقود إلى تكريس انقسام فعلي، خصوصًا عندما تتصل بمسائل تدخل فيها السيادة بصورة مباشرة، مثل الجهة المسؤولة عن وضع الامتحانات وإدارتها. وأوضح أن النظام التعليمي يتسم بطبيعة لا مركزية، وأن المسؤولية الاتحادية تتركز بصورة أساسية في امتحانات الشهادة السودانية، بينما ترتبط مستويات أخرى بالولايات، معتبرًا أن أوضاع الطلاب الذين أدوا امتحانات في مناطق مختلفة يمكن معالجتها لاحقًا.وأضاف أن الانقسام لا ينتج بالضرورة من تقديم الخدمات المباشرة للمواطنين في مجالات التعليم والصحة، مشيرًا إلى أن دارفور تتمتع بوضع إقليمي خاص، وأن جوهر الانقسام المؤسسي يرتبط بصورة أكبر بالاعتراف الخارجي بالسلطات. ودعا الناصر المجتمع الدولي إلى أن ينتقل في مساعداته للسودان إلى برامج أكثر تخصصًا وتركيزًا، تشمل التعليم والصحة والإنتاج الزراعي والحيواني، والعمل على بناء مصفوفة مساعدات إنسانية أكثر اتساقًا مع ظروف البلاد واحتياجاتها.ومن زاوية أخرى، اعتبر الأستاذ بجامعة الفاشر د. أنور هارون أن تدخل المجتمع الدولي في ملف التعليم جاء متأخرًا، مشيرًا إلى مرور ثلاث دورات من امتحانات المرحلة الثانوية منذ اندلاع الحرب، كان يفترض خلالها أن تتدخل المؤسسات الدولية المعنية بالتعليم للعمل على إتاحة الامتحانات للطلاب في مختلف أنحاء السودان.وقال هارون لـ«مداميك» إن التدخل الحالي جاء بعد أن أصبح تعدد الامتحانات للمرحلة الثانوية في مناطق مختلفة واقعًا قائمًا، معتبرًا أن معالجة هذه القضية لم تعد ممكنة بصورة منفصلة عن المعالجة الشاملة لأوضاع الحرب. وأضاف أن ما كان يمكن أن يكون إجراءً ميسرًا في السابق أصبح اليوم جزءًا من واقع فرضته الحرب، ما يجعل المعالجة أكثر تعقيدًا.وأشار هارون إلى أن اتساع الاهتمام الدولي بالملف يؤكد أن قضية التعليم أصبحت جزءًا من تداعيات الحرب الأوسع، محذرًا من أن اتجاه البلاد نحو الانقسام يجعل معالجة ملف الامتحانات أكثر صعوبة، وأن العودة إلى الإجراءات التي كانت قائمة قبل الحرب لم تعد أمرًا سهلًا بعد دخول التعليم في مسارات مشابهة لإجراءات أخرى فرضها الصراع.وتكشف النتائج المنفصلة، في نيالا أولًا ثم بورتسودان، عن معضلة تتجاوز تنظيم الامتحانات إلى مصير الشهادة الثانوية نفسها. فمع تعدد الجهات التي تدير العملية التعليمية، يبرز سؤال الاعتراف بالنتائج والمعايير التي تستند إليها، وما إذا كان الطلاب سيحصلون في النهاية على شهادة وطنية واحدة تتيح لهم فرصًا متساوية في التعليم الجامعي داخل السودان وخارجه.وتزداد أهمية المسألة بالنسبة إلى الطلاب الذين تعطلت دراستهم بسبب الحرب، إذ إن تنظيم امتحانات لهم يمثل استجابة لحقهم في التعليم، لكن ذلك يظل مرتبطًا بمسألة أوسع تتمثل في ضمان عدالة المعايير والاعتراف بالشهادات الصادرة عن المسارات التعليمية المختلفة.ومن هذه الزاوية، فإن حديث هافيستو عن «عملية امتحانات وطنية موحدة» لا يبدو متعلقًا بإعلان النتائج وحده، بل يعكس تحديًا أكبر أمام السودان: كيف يحافظ على منظومة تعليمية ومعايير وطنية مشتركة في ظل استمرار الحرب وانقسام المؤسسات؟ ويصبح مستقبل الشهادة الثانوية أحد الاختبارات المبكرة لإمكانية الحفاظ على مؤسسات وطنية جامعة، بالتوازي مع أي مسار مستقبلي لإنهاء الحرب وإعادة بناء الدولة.The post قلق دولي ومخاوف داخلية.. هل يتحول الانقسام التعليمي إلى واقع دائم؟ appeared first on صحيفة مداميك.