نجوي بابولا تعكس المناورات السياسية للنخب المدنية في مناخات الحروب الأهلية ترفاً فكرياً، بل تكشف عن عقم بنيوي وابتذال أخلاقي تتحول فيه الجرائم الدولية المحرمة كاستخدام غاز الكلور الكيميائي من قضايا حماية إنسانية مطلقة إلى أوراق ضغط ومساومة تكتيكية لضمان حصة في السلطة. إن إثارة القوى المدنية التقليدية لهذا الملف الحرج في هذا التوقيت بالذات لا ينبع من صحوة ضمير مفاجئة لإنصاف الضحايا أو تطبيق العدالة الجنائية، بل هو رد فعل براغماتي خالص على استبعادها وعزلها عن مؤتمر الحوار السوداني السوداني الذي هندسه جنرالات بورتسودان لإنتاج النسخة الإنقاذية الرابعة. وهنا تبرز الازدواجية الفاضحة إذ إن ذات الجهات القانونية والسياسية التي تتباكى اليوم صمتت صمتاً مخزياً منذ عام ألفين وأربعة وعشرين عندما كانت قذائف الكلور السامة تمزق أجساد المدنيين في الخرطوم وكردفان ودارفور والنيل الازرق هل لأنها كانت حينها تبحث عن صفقات سرية ومحاصصات وزارية مع ذات الجيش ؟ مما لا يدع للشك أن ملف العدالة لا يُفتح إلا إذا هُددت مصالح النخب.سقطت الأقنعة لتكشف أن الحواضن السياسية السودانية ليست أقل فظاعة أو دموية من المؤسسة العسكرية فالتاريخ الحديث يؤكد أن كل الانقلاب العسكرية وقهر الشعوب السودانية لم تكن أفعالاً معزولة للجيش، بل نُفذت بتنسيق كامل وهندسة فكرية من سياسيين مدنيين وظفوا السلاح لكسر الإرادة الشعبية وسحق الهامش. إن أي حرب في جوهرها الفلسفي هي قرار سياسي واختلال أخلاقي تصوغه النخب في الغرف المغلقة قبل أن تنفذه البنادق عسكرياً على الأرض، مما يجعل السياسيين شركاء أصيلين في كل قطرة دم سُفكت. ولم تعد هذه المراوغات والمشاهد المسرحية تنطلي على الشعب الذي استوعب بحسه الثوري أن النفاق المعتاد لهذه القوى المعزولة في الفنادق وعواصم المنافي هو الوجه الآخر لبربرية العسكر، وأن كلاهما يقتات على إدامة أمد النزاع واستغلال أنين المدنيين لانتزاع شرعية زائفة لا يملكونها.وأمام هذا العبث الدستوري والأخلاقي، تعلن الشعوب السودانية المنكوبة بنيران الحرب وعقيدة الإقصاء كلمتها السيادية الفاصلة والموجزة أوقفوا إطلاق النار فوراً، وخذوا نفاقكم ومناوراتكم القذرة بعيداً عن حقولنا ومزارعنا وأسواقنا ومستشفياتنا وقرانا الآمنة التي تحرسها القواعد الحية. إن الشرعية الفعلية والجدارة الأخلاقية قد غادرت كراسي النخب الحزبية الهرمة لتستقر حصرياً في أيدي القوى المدنية الشابة، ولجان الطوارئ، والتكنوقراط المستقلين في الميدان الذين لم ينتظروا أحداً، بل شيدوا اقتصاد الصمود من الأسفل، وأداروا شبكات التكايا ومطاحن الدقيق لرفد المجتمعات بالغذاء مجاناً عبر بطاقات الرحمة والأخلاق الإنسانية والإدارة اللامركزية. هؤلاء الفاعلون الحقيقيون هم وحدهم الجديرون بقيادة الوفاق وصياغة المستقبل، بعيداً عن نخب المحاصصة التي تتاجر بالغاز السام لتأمين مقعد فوق جثث الضحايا.The post ملف الكلور ومتاجرة النخب appeared first on صحيفة مداميك.