الوساطة الدولية للأزمة السودانية: من الرباعية إلى الخماسية… ماذا بعد؟

Wait 5 sec.

د. عبدالناصر علي الفكيمنذ اندلاع الحرب في السودان منتصف أبريل 2023، والتي أوشكت على تجاوز عامها الرابع، تعاقبت المبادرات الوطنية والإقليمية والدولية سعياً لوقف النزاع الذي تزداد تعقيداته الإنسانية والأمنية يوماً بعد يوم، ويمتد أثره إلى دول الجوار، ورغم تشابك المشهد المأزوم وتعقيده، ظل الأمل منعقداً على أي مبادرة قادرة على تجاوز الإخفاقات السابقة، جاءت الرباعية الدولية – المكونة من الولايات المتحدة، والسعودية، ومصر، والإمارات – كبديل عن “اتفاق جدة” الذي تعثر منذ مايو 2023، واضعةً خارطة طريق متكاملة تقوم على خمس ركائز مهّدت لاحقاً لتشكيل اللجنة الخماسية، وقد اشتملت تلك الركائز على هدنة إنسانية فورية غير مشروطة لمدة ثلاثة أشهر قابلة للتمديد مع آليات مراقبة دولية، ثم وقف دائم لإطلاق النار، وصولاً إلى عملية سياسية بقيادة مدنية تشمل قوى ثورة 2019 تؤدي إلى حكومة انتقالية مدتها تسعة أشهر مهمتها الإعمار والمحاسبة، لكن الخطة قوبلت بتحفّظ حكومة “الأمر الواقع” في بورتسودان بدعوى المساس بالسيادة، كما أحاطتها الريبة لمواقف أعضاء الرباعية المنحازة في نظر بعض الأطراف، من اتهامات لمصر والسعودية بدعم الجيش وللإمارات بدعم قوات الدعم السريع، بالإضافة إلى وجود جماعات مصلحة داخل الجيش وحلفائه ترفض أي حل يفقدها نفوذها، واستكمالاً للرباعية، تشكلت الآلية الخماسية في نوفمبر 2025 كآلية تنسيقية دولية–إقليمية ضمّت مؤسسات عديدة ذات اهتمام بالملف السوداني (الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، والإيغاد، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأوروبي)، وهدفها المعلن إدارة الحوار السياسي بين الأطراف السودانية وتهيئة البيئة لانتقال مدني ديمقراطي عبر مناقشات تحضيرية في أديس أبابا لبناء الثقة، لكن سرعان ما برزت تعقيدات الصراع المتوارثة التي تعكس إشكاليات بنيوية في الدولة السودانية منذ الاستقلال، وأثرت مباشرةً في فعالية الآلية، التي واجهت تحديات متعددة، منها غياب التفويض الواضح بحكم النشأة، إذ لم تأتِ بقرار من مجلس الأمن يحدد المهام والإطار، مما جعلها تعاني غموض الصلاحيات، وتلك الإشكالية تنطبق على معظم المؤسسات الأخرى، كما اتُهمت من بعض الكتل السياسية السودانية الفاعلة كتحالف “تأسيس وصمود” بفرض رؤيتها الأحادية في طريقة إدارة الحوار بدلاً من التيسير والتنسيق، مما دفعها لمقاطعة بعض الجلسات التحضيرية في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، في الوقت الذي أثارت فيه تصريحات رئيس مكتب الاتحاد الأفريقي بالخرطوم حرجاً بالغاً وجدلاً كبيراً، خاصة بعد قرار تجميد عضوية السودان إبان انقلاب أكتوبر 2021، لما حملته من ميل واضح لدعم الجيش، بالإضافة إلى ذلك، كشفت ممارسات اللجنة عن تأثير الدول في الآلية والموقف من أطراف الحرب، إذ تسرّب إعلامياً ما يفيد بتنسيق زيارات للخرطوم بين أعضاء داعمين لموقف الجيش في الاتحاد الأفريقي ورئيس مكتب الاتحاد الأفريقي، دون اكتمال النصاب أو التوافق بين الأعضاء الخمسة، وفي المقابل، قوبل ترحيب الاتحاد الأفريقي بدعوة رئيس مجلس السيادة للحوار السوداني–السوداني في سبتمبر الجاري برفض قاطع من القوى المناهضة للحرب (نقابات وهيئات مهنية وقوى مدنية)، التي اعتبرت أن دعوة طرف واحد في الحرب للحوار دون وقف شامل للعدائيات وتوفير ضمانات إنما هي محاولة لإضفاء الشرعية على السلطة وإقصاء القوى المدنية، ووصفته بـ”الحوار الأطرش”، واشترطت رعاية جهة محايدة لعملية سياسية ذات مصداقية وقبول، ويؤكد الواقع الحاجة القصوى إلى تقنين دور الوساطة وتحديد ماهية المدخل: هل هو دولي، إقليمي، أم أهلي وطني بين سودانيين؟ إذ من الضروري أن يوفر ذلك مؤشرات إطارية للجهات الدولية والإقليمية والوطنية، بحيث لا تكون جزءاً من المشكلة ثم تدّعي تقديم الحل، وهذا لا يعني استبعاد الأطراف الداعمة للحرب من المبادرات، بل التعامل معهم كأطراف في النزاع (وهو أمر ضروري) وليس كوسطاء، والأولوية تتطلب الشروع نحو الاتفاق على حد أدنى إنساني يوفر الضرورات الأساسية للسودانيين بضمانة ومراقبة دولية، وهو أمر ممكن كما حدث في هجليج وعدم استهداف المطارات في الخرطوم ونيالا، والخروج من المربع التقليدي إلى حلول تحافظ على وحدة السودان وموارده البشرية (الشباب المقاتل) والطبيعية والمعدنية، وتؤسس لدولة مدنية ديمقراطية تمثل طموحات ورغبات السودانيين، لا أن تُستنزف في صراعات سياسية وفقاً لمصالح المحاور الإقليمية والدولية.– أستاذ جامعيThe post الوساطة الدولية للأزمة السودانية: من الرباعية إلى الخماسية… ماذا بعد؟ appeared first on صحيفة مداميك.