مداميك: إدريس عبداللهتتداعى الأوضاع الإنسانية لآلاف الأسر النازحة في إقليم النيل الأزرق بصورة غير مسبوقة، إثر موجات الفرار الجماعي التي فرضتها المواجهات المسلحة والقتال المتصاعد في المنطقة. وفي واحدة من أكثر المشاهد تجسيداً لعمق الكارثة، وجدت عشرات الأسر الفارّة من مدينة قيسان الحدودية نفسها في مواجهة الموت بطيئاً تحت ظلال الأشجار وفي العراء بمنطقة «خور القنا» الواقعة شرق محلية ود الماحي، وسط انعدام شامل لشبكات الأمان الإنساني وأبسط مقومات الحياة الأساسية.وتعكس هذه المشاهد الميدانية حجم المأساة المتعاظمة التي تحيط بالمدنيين الذين باتوا يدفعون ثمن الصراع المسلح. فبحسب أحدث التقديرات الصادرة عن السلطات المحلية ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، تجاوز عدد النازحين الذين استقبلتهم محلية ود الماحي وحدهـا 35,000 نازح، فرّ معظمهم جراء تصاعد العمليات العسكرية في قيسان والمناطق المتاخمة لها. وتتوزع هذه الأعداد بين تجمعات في المدارس، والمباني الحكومية، والمخيمات العشوائية، فضلاً عن المئات ممن ينامون في الطرقات وتحت الأشجار.موجات نزوح متلاحقة ورحلات شاقة عبر النيللم تتوقف حركة النزوح عند القادمين براً، بل رصدت المنظمات الحقوقية المستقلة، ومنها منظمة مناصرة ضحايا دارفور، وصول موجات جديدة ومستمرة تضم نحو 700 أسرة (أي ما يقارب 2,000 شخص) استقرت في المدينتين الرابعة والخامسة بمحلية ود الماحي. وجاء وصول هذه الأسر بعد رحلات شاقة ومحفوفة بالخاطر استُخدمت فيها المراكب التقليدية للعبور عبر النيل الأزرق هرباً من مناطق الاشتعال العسكري.وعلى مستوى الإقليم ككل، ترسم الأرقام الرسمية الصادرة في أغسطس وسالمحالي سبتمبر صورة قاتمة للمشهد؛ حيث وثق مسؤولون إنسانيون نزوح أكثر من 200,000 شخص من مدينتي الكرمك وقيسان والقرى المجاورة لهما منذ انطلاق المعارك الأخيرة. وأكد تقرير (أوتشا) الأخير تسجيل نزوح ما يتجاوز 22,000 شخص خلال أسبوع واحد فقط نتيجة الكثافة النيرانية وتمدد الاشتباكات. ويتوزع هؤلاء النازحون على المحليات السبع المكونة للإقليم، حيث تأتي مدينة الدمازين في المقدمة من حيث أعداد المستجيرين بها، تليها محليات باو، والروصيرص، وود الماحي.معاناة خور القنا: العراء بلا سقف أو غذاءوفي قلب هذه الكارثة الممتدة، تقيم نحو 150 أسرة فارّة في ظروف بالغة القسوة تحت ظلال الأشجار وركامات الحشائش في منطقة «خور القنا». وتعيش هذه المجموعات تعقيدات معيشية وصحية طارئة، تتمثل في الغياب التام للمأوى الآمن، وشح الغذاء والمياه الصالحة للشرب، وانعدام مواد الإيواء الأساسية كالخياشيم والمشمعات البلاستيكية التي تقيهم حرارة النهار وهجيره، ونسائم الليل الرطبة المصحوبة بالأمطار الموسمية التي تشهدها المنطقة في هذا الوقت من العام.ويشير التقييم الميداني المستقل إلى أن أكثر من 72% من إجمالي النازحين في ود الماحي وتجمعات الإقليم يفتقرون كلياً للمأوى المناسب، ويفترشون الأرض المباركة وسط مخاوف جدية من انتشار الأمراض الناتجة عن سوء التغذية والتعرض المستمر لتقلبات الطقس، إلى جانب الانقطاع الكامل للخدمات الطبية والصحية الطارئة.وفي شهادات حية نقلها ناشطون محليون، عبر عدد من الفارّين عن قلقهم البالغ من سرعة تدهور الأوضاع الميدانية. وقال عضو غرفة طوارئ بالنيل الازرق فضل حجب اسمه لـ«مداميك» إن الأسر التي وصلت إلى «خور القنا» لم تتلقَّ أي شكل من أشكال الدعم أو المساعدات الإغاثية من أي جهة حكومية أو إنسانية منذ لحظة وصولها. وأضاف: «إن مخزون الطعام البدائي والمحدود الذي حملناه معنا أثناء الفرار قد نفد بالكامل، وأصبحنا اليوم نقتات على ما يجود به بعض الأهالي، وهو ما يضع الجميع، وبخاصة صغار السن، أمام خطر الجوع والمجاعة الحقيقية».من جانبها، وصفَت النازحة حليمة علي من قيسان المشهد الإنساني بأنه بلغ مرحلة العدمية. وأوضحت أن رحلة الفرار من قيسان كانت قاسية وتخللتها المخاطر من كل جانب، متابعةً: «خرجنا بأرواحنا فقط وتركنا منازلنا وأمتعتنا وكل ما نملك خلفنا لننجو بأطفالنا من القصف، لنجد أنفسنا في نهاية المطاف في العراء، بلا غذاء، ولا دواء، ولا سقف يحمي أجساد الأطفال وكبار السن من الأمطار الموسمية».شهادة حقوقية: تعرية للكرامة وإهدار للحق في الحياةوفي شهادة تعكس عمق المأساة الميدانية وطبيعتها الحقوقية، قال ناشط إنساني وحقوقي محمد علي عثمان من الإقليم لـ«مداميك»: «إن ما نراه اليوم تحت أشجار خور القنا ليس مجرد نزوح مؤقت فرضته ظروف المعارك، بل هو تعرية كاملة للكرامة الإنسانية في غفلة وتغافل من العالم بأكمله. الأسر التي فرت من قيسان لم تهرب طلباً للرفاهية، بل فرت بأرواحها من أتون قصف وخراب لا يرحم، لتجد نفسها في مواجهة غريم آخر لا يقل قسوة؛ وهو سقف السماء المفتوح والأرض العارية. إن مشاهدة الأطفال وكبار السن يستظلون بأغصان الأشجار للحماية من الحرارة والأمطار، بينما تتفرج سلطات الأمر الواقع والجهات المعنية دون تحرك جاد، يضع الجميع أمام مسؤولية أخلاقية وحقوقية تاريخية».وأضاف الناشط : «لقد حوّلت هذه الحرب المدنيين إلى مجرد أرقام صماء في قوائم النزوح والإحصاءات، لكن الحقيقة على الأرض أشد إيلاماً؛ فالناس هنا فقدوا كل شيء في لحظات: بيوتهم، ذكرياتهم، ومصادر رزقهم، وهم اليوم يخوضون معركة يومية صامتة لمجرد البقاء على قيد الحياة. إن التضامن المجتمعي المحدود والمبادرات المحلية التي يحاول من خلالها الأهالي وغرف الطوارئ تقديم ما يسد رمق الفارين، باتت عاجزة تماماً عن مجاراة حجم الكارثة المتعاظمة».وحذر الحقوقي من أن ما يحدث في خور القنا ومختلف محليات النيل الأزرق هو «جرس إنذار لكارثة صحية وبشرية وشيكة إذا لم تكسر المنظمات الإنسانية الدولية والوطنية قيود البيروقراطية وتصل فوراً بالمساعدات الطارئة»، مؤكداً أن «حماية هؤلاء الفارّين وتوفير مأوى يستر أجسادهم وغذاء يقيم أودهم ليس منّة أو إحسانات من أحد، بل هو حق أصيل مكفول بالقوانين والمواثيق الدولية كافة، وإن استمرار هذا التجاهل هو اشتراك صامت في إهدار حياتهم».أزمة ممتدة وتحديات تحاصر المستقبلتأتي هذه الأوضاع المأساوية لتسلط الضوء مجدداً على عمق الأزمة الإنسانية المتفاقمة في إقليم النيل الأزرق وفي السودان عامة، حيث تتزايد الأعداد يومياً جراء اتساع رقعة المواجهات العسكرية بين طرفي النزاع. وتؤكد البيانات الميدانية أن استمرار النزوح الداخلي دون وجود خطط إغاثية عاجلة أو مراكز إيواء مجهزة سيضاعف من حالات الوفيات بين الأطفال والحوامل وكبار السن.ومع تفاقم أزمة المأوى والغذاء، تظل استجابة سلطات الأمر الواقع والمنظمات الإنسانية الميدانية دون المستوى المطلوب لمواجهة حجم التدفقات البشرية، مما يترك آلاف النازحين في النيل الأزرق يواجهون قدرهم في العراء، وسط مطالبات ملحة بضرورة فتح مسارات إنسانية آمنة وتوفير مواد الإغاثة العاجلة قبل فوات الأوان.The post تحت ظلال الأشجار في النيل الأزرق.. نازحو قيسان يواجهون جحيم العراء وشبح الجوع appeared first on صحيفة مداميك.