جبريل والضرائب: حين تتحول المالية العامة إلى أداة لاستنزاف الفقراء

Wait 5 sec.

عمر سيد احمدفي خبر منشور على صفحة وزارة المالية على فيسبوك، أشاد وزير مالية حكومة الأمر الواقع، د. جبريل إبراهيم، بأداء ديوان الضرائب، ووجّه بتوسيع المظلة الضريبية أفقياً عبر إدخال قطاعات جديدة، مع التأكيد على عدم زيادة النسب. كما أشار المنشور إلى التوسع في الفوترة الإلكترونية، واستكمال مشروعات الحوسبة والتحول الرقمي، وإطلاق منظومة «المفتش الإلكتروني»، وربط الأنظمة المالية الحكومية، وتفعيل قوانين مكافحة التهرب الضريبي.قد يبدو هذا الخطاب، في ظروف دولة مستقرة، حديثاً عن إصلاح إداري مطلوب. لكن صدوره في بلد أنهكته الحرب، ودُمّرت فيه الأسواق والمصانع والمزارع، وفقدت فيه ملايين الأسر مصادر دخلها ومساكنها ومدخراتها، يكشف فجوة واسعة بين لغة السلطة وواقع المواطنين: بينما تتحدث الوزارة عن تطوير وسائل التحصيل، يتحدث الناس عن الجوع والنزوح وارتفاع الأسعار وانهيار العملة وتعدد الرسوم والجبايات.الحسانية في الدولار وجبريل في الضرائبالحسانية في الدولار، وجبريل في الضرائب، وكلٌّ منهم في همّه؛ أما المواطن فمحاصر بين تدهور العملة وارتفاع الأسعار وانهيار الدخل وتكاثر الرسوم والجبايات من كل جانب.هذه ليست إدارة اقتصادية تستشعر حجم الكارثة، بل حكومة تتعامل مع المواطن باعتباره مورداً مالياً متاحاً حتى بعدما فقد أغلب ما يملك. فبدلاً من أن يكون شاغلها الأول إنقاذ الناس من الفقر والجوع والنزوح، تنشغل بتوسيع أدوات التحصيل وملاحقة ما تبقى من دخولهم المحدودة.والسؤال البديهي أمام حديث الوزير عن توسيع المظلة هو: كيف يمكن توسيعها في بلد يعيش فيه نحو 90% من السكان تحت خط الفقر أو على حافته؟ ومن هم الذين ستطالهم فعلياً؟ هل هم الشركات الكبرى وأصحاب الامتيازات، أم التجار الصغار وأصحاب المهن الهامشية وسائقو الشاحنات والعائدون الذين يحاولون إعادة بناء حياتهم؟لا زيادة في النسبة… ولكن زيادة في العبءقد لا ترتفع النسبة الضريبية المعلنة، لكن العبء الفعلي يرتفع عبر إدخال قطاعات جديدة إلى الوعاء الضريبي، وتكثيف التحصيل، وتعدد الرسوم. ففي اقتصاد منهار، لا تعني النسبة الثابتة عبئاً ثابتاً؛ لأن دخل المواطن نفسه انخفض، بينما ارتفعت تكلفة الغذاء والنقل والسكن.والضريبة العادلة تُفرض على دخل حقيقي وربح متحقق ونشاط منتج. أما فرض الرسوم على مجرد الحركة أو العودة أو امتلاك بقايا الأثاث أو محاولة فتح متجر صغير، فهو جباية للخسارة لا تحصيل من الإنتاج.فالمواطن الذي نجا من الحرب وجد نفسه أمام حرب أخرى: جباية قاسية تُفرض على عائدين إلى بلد مخرّب، فقد أغلبهم ممتلكاته وسبل كسب عيشه. العائد الذي حمل ما تبقى من أثاثه أملاً في بداية جديدة، والتاجر الذي حاول إعادة فتح متجره، وسائق الشاحنة الذي ينقل البضائع بين المدن، وجدوا جميعاً أنفسهم أمام شبكة متكاثرة من الرسوم، فيما تغيب الخدمات وتتراجع مواردهم. وحين تُفرض الرسوم على الخسارة بدلاً من الإنتاج والربح، يصبح البدء من جديد في الوطن أكثر كلفة من مغادرته.الفوترة الإلكترونية لا تعالج أصل الأزمةليس الاعتراض هنا على الفوترة الإلكترونية أو التحول الرقمي أو مكافحة التهرب من حيث المبدأ؛ فهذه الأدوات يمكن أن تساعد في تنظيم الإيرادات وتقليل التلاعب، إذا جاءت ضمن دولة مستقرة ونظام مالي شفاف وعادل.لكن التقنية لا تعوّض غياب السياسات الاجتماعية، ولا تعالج انهيار الإنتاج، ولا تمنح الجباية شرعيتها تلقائياً. فالسؤال الأهم ليس كيف تجمع الحكومة الضرائب بسرعة أكبر، بل أين تذهب الأموال بعد جمعها؟ هل تُنفق على الغذاء والدواء والصحة والتعليم وإعادة الإعمار، أم تُوجّه إلى استمرار الحرب وتغطية عجز السلطة وشبكات النفوذ؟كذلك، لا ينبغي أن يتحول إطلاق «المفتش الإلكتروني» وربط الأنظمة المالية إلى توسيع رقابة الدولة على الفقراء وأصحاب الأعمال الصغيرة، بينما تظل الأنشطة الكبرى والثروات الحقيقية خارج المساءلة.العدالة الضريبية تبدأ من القدرة على الدفعلا تستقيم السياسة الضريبية إلا إذا قامت على مبدأ القدرة على الدفع، والتمييز بين من يملك الثروة ومن يحاول فقط البقاء. ففرض العبء نفسه على صاحب شركة كبيرة وعلى صاحب دكان صغير، أو على مستورد واسع النشاط وعلى بائع محدود الدخل، لا يحقق عدالة ولا يزيد كفاءة الاقتصاد.وتوسيع الوعاء الضريبي لا ينبغي أن يعني ملاحقة كل حركة اقتصادية صغيرة، بل الوصول إلى الأنشطة التي ظلت خارج الرقابة، خصوصاً ذات الأرباح الكبيرة والتعاملات واسعة النطاق. أما تحويل الفوترة الإلكترونية إلى أداة لمضاعفة التحصيل من صغار المنتجين والتجار، فسيدفع المزيد من الأعمال إلى الإغلاق أو إلى الاقتصاد غير الرسمي.كان الأولى بوزير المالية أن يعلن خطة لإعفاء العائدين وأصحاب الأعمال الصغيرة من الرسوم مؤقتاً، وتوحيد الجبايات، وإلغاء التحصيلات غير القانونية، وتوجيه الموارد إلى إعادة تأهيل الأسواق والطرق والخدمات. وكان الأولى أن تبدأ الوزارة بكشف الإيرادات والمصروفات، ومراجعة أوجه الإنفاق، ومحاسبة من بدّدوا المال العام، بدلاً من مطالبة المواطن المنهك بأن يدفع المزيد.فلا يمكن أن تُترك موارد البلاد رهينة للإنفاق العسكري، ثم يُطلب من مواطن فقد بيته أو متجره أن يموّل جهازاً ضريبياً أكثر كفاءة. ولا يمكن أن تفشل السلطة في حماية الناس أثناء الحرب، ثم تستقبلهم عند العودة بالرسوم بدلاً من الحماية والدعم. فالعائدون ليسوا مصدراً جاهزاً للإيرادات، بل أسر منكوبة تحتاج إلى فترة انتقالية تستعيد خلالها قدرتها على العمل.وأخيراً، إن مكافحة التهرب الضريبي تتطلب قبل كل شيء بناء الثقة. فالمواطن لا يرفض الضريبة العادلة عندما يرى أثرها في المدارس والمستشفيات والطرق والخدمات، لكنه يرفض الجباية عندما يدفع أكثر ولا يحصل على شيء، أو حين يرى المال العام يُنفق بعيداً عن الأولويات الاجتماعية.الدولة التي تجمع ولا تحميالمشكلة لا تكمن في تحصيل الضرائب وحده، بل في طبيعة الدولة التي تريد أن تجمع من المواطنين من دون أن توفر لهم الحماية والخدمات. فالضريبة علاقة متبادلة: يدفع المواطن، وتحمي الدولة حقوقه وتقدم له الخدمات وتضمن له بيئة اقتصادية مستقرة.أما حين تنهار هذه المعادلة، تتحول الضريبة إلى جباية، ويتحول جهاز الدولة إلى وسيط لتحويل الموارد من الفئات الأضعف إلى مراكز القوة، فيصبح المواطن مطالباً بتمويل دولة لا يشعر بوجودها إلا عند نقاط التحصيل.لقد فقدت الأسر السودانية مساكنها وممتلكاتها ومدخراتها، وتراجعت فرص العمل، وتضررت الزراعة والتجارة والنقل، وارتفعت أسعار السلع الأساسية بصورة تفوق قدرة غالبية الناس. ومع ذلك، يُقدَّم توسيع المظلة الضريبية باعتباره حلاً مالياً، من دون طرح خطة متكاملة لإنعاش الإنتاج وتوفير فرص العمل وحماية الفئات الفقيرة.ما الذي ينبغي فعله؟بدلاً من توسيع الجباية في هذه المرحلة، تحتاج السياسة المالية إلى إجراءات تعيد بناء الثقة وتخفف الضغط عن المجتمع، من بينها:● إعفاء العائدين والمناطق المتضررة من الحرب من الرسوم لفترة انتقالية.● توحيد الرسوم والجبايات ومنع تعدد الجهات التي تحصّل الأموال.● إعفاء المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر من الأعباء التي تعوق عودتها إلى العمل.● توجيه الضرائب إلى الأنشطة ذات الأرباح الكبيرة، لا إلى الفقراء وأصحاب الدخول المحدودة.● نشر بيانات الإيرادات والمصروفات بصورة دورية وواضحة.● ربط أي زيادة في التحصيل بتحسين الخدمات العامة وإعادة الإعمار.● مكافحة التهرب الضريبي دون تحويل الرقمنة إلى وسيلة لملاحقة صغار المنتجين.● مراجعة الإنفاق العام وتقديم الغذاء والصحة والتعليم وإعادة الإعمار على الإنفاق غير المنتج.● وضع سياسة ضريبية تراعي اختلاف الظروف بين الولايات والمناطق المتضررة.● إشراك أصحاب الأعمال والمجتمعات المحلية في صياغة الإصلاحات المالية.خاتمة:في منشور وزير المالية، تبدو السلطة منشغلة بتوسيع المظلة الضريبية وتطوير أدوات التحصيل، بينما يحتاج المواطن السوداني إلى مظلة تحميه من الفقر والجوع والمرض والنزوح. وفي بلد يعيش نحو 90% من سكانه تحت خط الفقر أو قريباً منه، يصبح تحميل الناس أعباء جديدة، ولو تحت شعار «عدم زيادة النسب»، انفصالاً عن الواقع الاجتماعي والاقتصادي.لا تُقاس كفاءة الدولة بقدرتها على انتزاع المزيد من جيوب المواطنين، ولا يُعدّ التحول الرقمي إنجازاً إذا استُخدم لتسريع استنزاف الفقراء. الإصلاح الحقيقي يبدأ من وقف التبديد، ومكافحة الفساد، وتوحيد الجبايات، ومحاسبة المسؤولين، وإعفاء المتضررين، وحماية العائدين، وتوجيه المال العام إلى إنقاذ المجتمع وإعادة بناء الاقتصاد، لا إلى إطالة أمد الحرب.فالدولة التي تعجز عن حماية مواطنيها وممتلكاتهم، ثم تستقبل العائدين بالرسوم والجبايات، لا تبني نظاماً مالياً عادلاً، بل توسّع دائرة القهر الاقتصادي. وتوسيع المظلة الضريبية في مجتمع أفقرته الحرب، من دون توسيع مظلة الحماية الاجتماعية والعدالة، ليس إصلاحاً مالياً، بل تحويل لمعاناة السودانيين إلى مورد جديد للجباية.ولهذا يظل شعار ثورة ديسمبر المجيدة حاضراً بوصفه حكماً سياسياً وأخلاقياً على علاقة القوة بالدولة:«ما في مليشيا بتحكم دولة»فالمالية العامة لا تُدار بمنطق الغلبة، والدولة لا تُبنى بالجباية وحدها، ولا تتحول المليشيا إلى دولة بمجرد سيطرتها على مؤسساتها. الدولة الحقيقية تقوم على الشرعية والمؤسسات والمساءلة وحماية المواطنين وعدالة توزيع الأعباء والموارد.————————-*باحث في الاقتصاد السياسي وخبير مصرفي ومالي مستقلThe post جبريل والضرائب: حين تتحول المالية العامة إلى أداة لاستنزاف الفقراء appeared first on صحيفة مداميك.