عاطف عبداللهأقرأ دائماً ما يكتبه الدكتور عبد الله علي إبراهيم بما يليق بمكانته في الفكر والثقافة السودانية، وبما قدمه، ولا يزال، من إسهام متميز في مساءلة تاريخنا السياسي والاجتماعي. والاختلاف معه لا ينتقص من هذه المكانة، بل ربما كان الحوار النقدي مع أفكاره بعضاَ مما تستحقه كتاباته من اهتمام.ومن هذا المنطلق، أجدني مختلفاً معه في مقاله “لماذا لا تخشى أميركا على الدولة ـ الأمة في السودان خشيتها عليها في غيره؟”، وبصورة خاصة في معالجته لمسألة القوات المسلحة وعلاقتها بالحركة الإسلامية.يفتح المقال نافذة مهمة على نقاش فكري وسياسي بالغ الأهمية حول الرؤية الدولية والأميركية لمفهوم “الدولة ـ الأمة” في الشرق الأوسط، مستعرضاً النموذجين السوري والعراقي في التعاطي مع الميليشيات والكيانات الموازية. وتنجح أطروحة الدكتور عبد الله في وضع اليد على خلل رئيس في بعض المقاربات الدولية والإقليمية للأزمة السودانية، حين ينحصر الاهتمام في وقف الحرب من دون التدقيق الكافي في طبيعة الدولة التي يُفترض أن تقوم بعد إسكات البنادق: هل هي دولة تحتكر أدوات القوة لصالح مؤسسة واحدة، أم كيان هجين تتعايش داخله مؤسسات الدولة مع ميليشيات وكيانات مسلحة موازية؟غير أن المقال، على الرغم من احتشاده برؤية فكرية واستدعاءات تاريخية ومقارنات إقليمية ذكية، يقفز، في تقديري، فوق سؤال جوهري لا يمكن بناء أي حديث جاد عن “الدولة ـ الأمة” و”الجيش الوطني” من دونه: إلى أي مدى ظلت القوات المسلحة السودانية، وبقية المؤسسات النظامية، مؤسسة قومية مستقلة عن المشروع السياسي والتنظيمي للحركة الإسلامية بعد انقلاب 30 يونيو 1989؟هنا تحديداً يبدو لي أن توصيف الدكتور عبد الله لنقد القوى المدنية للجيش باعتباره نتاج “سقم” أصاب الصفوة، أو امتداداً لغبائن سياسية وتاريخية بينها وبين المؤسسة العسكرية، ينطوي على قدر من الاختزال، لأنه يحول قضية بنيوية وسياسية موثقة إلى مجرد حالة نفسية أو خصومة أيديولوجية.ليس المطلوب حل الجيش لأنه جيش، ولا معاداته لأنه مؤسسة عسكرية، ولا مساواته ميكانيكياً بقوات الدعم السريع. المطلوب، على العكس، هو استعادة الجيش نفسه من قبضة السياسة والتنظيمات الأيديولوجية، وإعادة بنائه مؤسسة قومية مهنية تحتكر، مع بقية المؤسسات النظامية الشرعية، استخدام القوة باسم الدولة، وتخضع للسلطة المدنية الدستورية.من “غبن الصفوة” إلى تاريخ التمكينالحديث عن تغلغل الحركة الإسلامية في بنية القوات المسلحة وتأثيرها في قرار الحرب والسلم ليس اتهاماً ولد بعد اندلاع حرب أبريل، ولا مجرد خطاب صادر عن هذه القوة المدنية أو تلك. نحن أمام تاريخ بدأ مع انقلاب يونيو 1989، ثم امتد عبر ثلاثة عقود من التمكين وإعادة تشكيل أجهزة الدولة، وفي مقدمتها القوات النظامية، وفق مقتضيات مشروع سياسي معلوم، وما صاحبه من إحالات وإبعادات وإعادة بناء للولاءات داخل مؤسسات الدولة.وهذا التاريخ لا يمكن القفز فوقه عند مناقشة قومية القوات المسلحة.والأهم أن الشهادات التي تستحق الفحص لا تأتي كلها من خصوم الحركة الإسلامية، وإنما جاء بعضها من داخل الحركة الإسلامية ومحيطها نفسه. ومن شهادات الدكتور حسن الترابي المبكرة حول هندسة الانقلاب والسيطرة على الجيش، إلى إفادات وقيادات من المؤتمر الشعبي، وصولًا إلى تصريحات ومواقف أحدث، ينبغي وضع هذه المواد جميعاً على طاولة البحث والتحقق والمقارنة، لا استبعادها ابتداءً بوصفها جزءًا من “سقم الصفوة”.ومن الشواهد التي تستحق التوقف عندها ما ورد في تحقيقات وحوارات سناء حمد حول علاقة الحركة الإسلامية بقيادات ومؤسسات الجيش، وما نُقل عن الشيخ عبد الحي يوسف بشأن دور الحركة الإسلامية وكتائبها في الحرب، وقوله إن المعركة أعادت للتنظيم ألقه وبريقه الفكري والعسكري، فضلًا عن إفادات د. محمد بدرالدين حامد نائب الأمين العام للمؤتمر الشعبي لصحيفة ديسمبر خلال لقائه المصور مع الأستاذ شوقي عبدالعظيم، وكذلك تسريبات محمد يوسف كبر عن مدى سيطرتهم على قيادة الجيش.ولا تكمن قيمة هذه الشهادات في أن كل واحدة منها، منفردة، تقدم الحقيقة النهائية، وإنما في أنها حين توضع إلى جانب الوقائع التاريخية والسياسية والميدانية تشكل مادة لا يجوز تجاهلها في تحليل العلاقة بين الجيش والحركة الإسلامية.الكيان الموازي داخل المؤسسةالأكثر دلالة أن المسألة لم تعد مجرد حديث عن نفوذ خفي داخل المؤسسة العسكرية. فقد شهدنا خلال الحرب صعود كتائب وتشكيلات تقاتل إلى جانب القوات المسلحة تحت رايات وهويات خاصة، وبعضها يعلن مواقفه السياسية والعقائدية جهاراً.وتقدم كتيبة البراء بن مالك مثالاً بالغ الدلالة. فعندما تحدث الفريق أول ركن شمس الدين كباشي عن ضرورة ضبط السلاح ورفض العمل تحت أي يافطات خاصة خارج إطار الجيش، جاء رد قائد ميداني في الكتيبة، المصباح أبو زيد، حازماً وصريحاً: “نحن ما بناخد أوامرنا من زول”.بصرف النظر عن الملابسات التي أحاطت بهذا التصريح، فإن دلالته السياسية والعسكرية لا يمكن تجاهلها. فإذا كان قائد عسكري لا يستطيع أن يقول لكل حامل سلاح خارج التسلسل العسكري: ضع سلاحك، من دون أن يواجه اعتراضاً سياسياً أو تنظيمياً من جماعات تقاتل إلى جانبه، فنحن أمام مشكلة حقيقية في مفهوم الجيش الواحد وحصرية السلاح، وهي تحديداً القضية التي جعلها الدكتور عبد الله محور مقاله.وهنا تبدو المفارقة في الحجة التي يقدمها المقال: فهو يستدعي النموذجين السوري والعراقي للتحذير من الكيانات الموازية والمطالبة بإزالة ازدواجية القوة ودمجها في الدولة، لكنه لا يطبق المعيار نفسه كاملاً على الحالة السودانية.فإذا كانت أميركا والمنظومة الدولية تخشيان الكيانات الموازية، كالحشد الشعبي في العراق أو حزب الله في لبنان، فإن خشية السودانيين من الكيان الموازي الداخلي المتمثل في الكتائب الأيديولوجية المسلحة هي خشية مشروعة، وقائمة على شواهد لا تقل خطورة في أثرها على مفهوم الدولة.وهنا تبرز أيضاً المقارنة التي يثيرها نموذج “الحرس الثوري”. فالمشكلة في هذا النموذج ليست مجرد وجود قوة مسلحة، وإنما تداخل العقيدة السياسية والأيديولوجية مع المؤسسة العسكرية، بحيث تصبح حماية المشروع السياسي جزءاً من تعريف وظيفة السلاح.فإذا كان ثمة من داخل الحركة الإسلامية السودانية من يتطلع إلى مثل هذا النموذج، أو يرى الحرب من منظور استعادة مشروع الحركة ونفوذها، فإن شهاداته ومواقفه أولى بالفحص من اختزال كل حديث عن اختطاف الجيش في “غبن الصفوة المدنية”.لا حل للجيش ولا تقديس لهومع ذلك، فإن نقد اختراق الحركة الإسلامية للجيش لا ينبغي أن يتحول، في الاتجاه المقابل، إلى تبرئة الدعم السريع أو التغاضي عن جرائمه ومشروعه العسكري والسياسي.هنا نحن أمام قضيتين مختلفتين، وإن كانتا تلتقيان في تهديدهما للدولة: إنهاء وجود الدعم السريع كجيش موازٍ ضرورة لبناء الدولة، وإنهاء التمكين السياسي والأيديولوجي داخل القوات المسلحة ضرورة لبناء الجيش الوطني، ولا يلغي أحدهما الآخر.وفي هذه النقطة تحديداً ألتقي مع بعض مخاوف الدكتور عبد الله من مغبة التبسيط. فليس المطلوب حل القوات المسلحة وإقامة جيش من نقطة الصفر، وكأن السودان بلا تاريخ عسكري أو مؤسسة دولة. وتجارب حل الجيوش أو تدمير مؤسسات الدولة، كما حدث في العراق عام 2003، ينبغي أن تجعلنا أكثر حذراً من مثل هذه المقاربات.لكن ثمة فارقاً كبيراً بين حل الجيش وبين إصلاحه وإعادة بنائه قوميّاً ومهنيّاً، وتنقيته من الولاءات الحزبية والأيديولوجية.كما أن الحفاظ على القوات المسلحة كمؤسسة راعية لبقاء الدولة وسيادتها يقتضي رفض أي أطروحات مغامرة تسعى إلى إلغائها أو مساواتها بالميليشيات. لكن حماية القوات المسلحة وصون الدولة ـ الأمة يتطلبان معالجة متكاملة لا تتجزأ: حسم وجود الكيان الموازي المسلح خارج الدولة، وفي الوقت نفسه تفكيك الكيان السياسي والتنظيمي الموازي داخل المؤسسة العسكرية.الدولة التي لا تحتمل جيشين ولا حزباً مسلحاًلقد كانت إحدى مآسي السودان أننا ظللنا ننتقل من ثنائية زائفة إلى أخرى: إما الجيش وإما الدعم السريع؛ إما الدفاع عن المؤسسة العسكرية وإما المطالبة بحلها؛ إما إدانة الإسلاميين وإما إنكار جرائم الميليشيا. بينما الطريق إلى الدولة الوطنية يقتضي تجاوز هذه الثنائيات كلها.نريد جيشاً سودانياً واحداً، نعم؛ لكن السؤال الأهم: جيش مَن؟إذا كانت الإجابة: جيش الدولة السودانية، فلا بد أن يكون ولاؤه للدستور وحده، لا للحركة الإسلامية ولا لأي حزب أو جماعة أو قائد، وأن تُحل داخله وحوله كل البنى العسكرية الحزبية والعقائدية، مثلما تُحل قوات الدعم السريع وسائر الميليشيات والتشكيلات المسلحة خارج الدولة، وتُدمج أو تُسرّح وفق أطر مهنية واضحة وحصرية للسلاح بيد الدولة.فالجيش الواحد لا يعني جيشاً واحداً بالعدد فحسب، وإنما جيشاً واحداً في الولاء والعقيدة المهنية وسلسلة القيادة.استعادة الدولة من المؤسسة العسكريةإن الوفاء لمكانة الدكتور عبد الله علي إبراهيم ولعطائه الفكري الغزير لا يكون بالصمت عن المساحات المتروكة في التحليل، بل بإثراء النقاش وحشده بالمعطيات المتكاملة. والدفاع عن الدولة ـ الأمة لا يكون بالدفاع عن المؤسسة العسكرية كما هي، ولا بهدمها، وإنما باستعادتها للدولة.ولهذا كنت أتمنى من الدكتور عبد الله، وهو الباحث المدقق والمؤرخ الذي لا يطمئن عادة إلى الروايات السهلة، أن يزن شهادات الإسلاميين أنفسهم عن علاقتهم بالجيش، وأن يعود إلى تاريخ التمكين وإعادة بناء الأجهزة النظامية منذ 1989، وأن يقرأ مظاهر هذه العلاقة خلال الحرب الحالية، قبل أن يرد نقد الصفوة المدنية للجيش إلى السقم والغبينة والتجادل.إن الطريق نحو استعادة الدولة ـ الأمة في السودان لا يمر عبر إنكار أثر التغلغل الأيديولوجي، ولا عبر التسليم بشرعية الميليشيات الموازية، بل بالوقوف الشجاع ضد التهديدين معاً: ميليشيا الأسرة والقبيلة من جهة، وميليشيا التنظيم والأيديولوجيا من جهة أخرى.والغاية في النهاية ليست إضعاف الجيش، وإنما استعادته إلى موقعه الطبيعي باعتباره مؤسسة وطنية مهنية، تحمي حياض الوطن، ولا تتلقى أوامرها إلا من دولة المواطنة وسيادة القانون.تلك، في تقديري، هي القضية التي ينبغي أن يدور حولها النقاش: لا حل الجيش، ولا تقديس الجيش؛ لا شرعنة الدعم السريع، ولا غض الطرف عن اختطاف المؤسسة العسكرية، بل بناء جيش قومي مهني واحد، لا مكتباً عسكرياً لحزب، ولا مظلة لميليشيا، ولا دولة داخل الدولة.فالدولة التي نريدها لا تحتمل جيشين، وبالقدر نفسه لا تحتمل جيشاً له حزب، ولا حزباً له جيشThe post في الميزان الفكري لأطروحة د. عبد الله علي إبراهيم عن “الدولة ـ الأمة” والشواهد الغائبة في بؤرة الأزمة السودانية appeared first on صحيفة مداميك.