نافذة الإنتاج الحيواني: خريجو الإنتاج الحيواني بين التحديات وفرص الإعمار بعد الحرب

Wait 5 sec.

مراهر القداليمثل العنصر البشري الركيزة الأساسية لأي عملية تنموية ، فالمشروعات والمرافق والبنى التحتية ، مهما بلغت أهميتها ، تظل عاجزة عن تحقيق أهدافها ما لم تجد الكفاءات القادرة على إدارتها وتطويرها . ومن هذا المنطلق تبرز أهمية خريجي الإنتاج الحيواني باعتبارهم أحد أهم الموارد الوطنية المؤهلة للإسهام في نهضة قطاع الثروة الحيوانية ، الذي ظل لعقود طويلة يمثل أحد أعمدة الاقتصاد السوداني ومصدراً مهماً للأمن الغذائي والدخل القومي .شهد السودان خلال العقود الماضية توسعاً ملحوظاً في مؤسسات التعليم العالي التي تقدم برامج الإنتاج الحيواني ، وأسهمت الجامعات والكليات المتخصصة في تخريج آلاف الكوادر المؤهلة في مجالات تغذية الحيوان ، وتربية وتحسين السلالات ، وإدارة المزارع، وإنتاج الألبان ، والدواجن ، والاقتصاد الحيواني ، وتقانات التصنيع الحيواني ، وغيرها من المجالات المرتبطة بتنمية الثروة الحيوانية .وقد حمل هؤلاء الخريجون آمالاً كبيرة للمساهمة في تطوير القطاع وتحسين إنتاجيته وتعظيم عوائده الاقتصادية ، غير أن الواقع لم يكن دائماً على قدر تلك التطلعات .فقد واجه كثير من خريجي الإنتاج الحيواني تحديات متراكمة ، تمثلت في محدودية فرص العمل ، وضعف الاستيعاب المؤسسي ، وقلة برامج التدريب والتأهيل المستمر ، إضافة إلى ضعف الربط بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل . ومع اشتداد الأزمات الاقتصادية وما تبعها من ظروف الحرب والنزوح وتضرر العديد من المؤسسات الإنتاجية والخدمية ، ازدادت هذه التحديات تعقيداً ، وأصبح عدد كبير من الكفاءات الوطنية بعيداً عن مواقع العطاء التي أُعدت لها .لكن النظر إلى خريجي الإنتاج الحيواني من زاوية التحديات وحدها لا ينصف هذه الكفاءات ، ولا يعكس ما استطاعت أن تحققه على امتداد سنوات طويلة ، فقد وصل عدد منهم إلى مواقع أكاديمية وإدارية وبحثية متقدمة داخل السودان ، فتولوا مسؤوليات قيادية في الجامعات والكليات ، وشغلوا مواقع عمداء ورؤساء أقسام ، وأسهموا في قيادة العمل البحثي في مراكز البحوث والمؤسسات المتخصصة ، وهي مواقع لم تأتِ مصادفة ، وإنما كانت ثمرة تراكم علمي ومهني وخبرات اكتسبها هؤلاء في ميادين التعليم والبحث والإنتاج .ولم يتوقف هذا الحضور عند حدود السودان ؛ فقد استطاع عدد كبير من خريجي الإنتاج الحيواني أن يجدوا لأنفسهم مكاناً متميزاً في مؤسسات الإنتاج الحيواني في دول الجوار والمنطقة ، ولا سيما في دول الخليج العربي ، حيث برزت خبراتهم في مجالات الألبان والدواجن وإدارة المزارع والتغذية والتصنيع والإدارة الفنية ، وأثبتوا أن الكفاءة العلمية والمهنية التي يحملها خريج الإنتاج الحيواني السوداني قادرة على المنافسة والعمل في بيئات إنتاجية متقدمة .وهنا تبرز حقيقة مهمة ينبغي ألا تغيب عن مشروع الإعمار : الكفاءات السودانية المهاجرة ليست طاقة مهدرة ، بل ثروة وطنية ممتدة خارج الحدود .فالكفاءة التي اكتسبت خبرة في إدارة مزرعة حديثة ، أو تطوير مصنع للألبان ، أو إدارة إنتاج الدواجن ، أو تطبيق نظم الجودة ، أو تدريب العاملين ، تحمل معها معرفة وتجربة عملية يمكن أن تكون ذات قيمة كبيرة في إعادة بناء القطاع داخل السودان .إن عودة هذه الخبرات إلى الوطن لا تعني بالضرورة عودة الأشخاص جميعاً في الوقت نفسه ، وإنما يمكن أن تبدأ بعودة المعرفة والخبرة من خلال التدريب والاستشارات ونقل التقانات وبناء القدرات ، ثم تتطور إلى شراكات ومشروعات واستثمارات ،فالكادر السوداني الموجود في الخارج يستطيع أن يكون جسراً بين الخبرة التي اكتسبها في المؤسسات الإقليمية والدولية وبين احتياجات القطاع الوطني .وقد تكون مساهمة هذه الكفاءات في مرحلة الإعمار متعددة الأشكال ؛ فمنها التدريب ونقل المهارات إلى الخريجين والمنتجين ، ومنها المساهمة في تصميم المشروعات وإدارتها ، ومنها نقل التقانات الحديثة ، ومنها إقامة شراكات استثمارية ، بل والمشاركة في ضخ رأس المال إلى جانب الخبرة والمعرفة .وبذلك لا تصبح الهجرة نهاية العلاقة بالوطن ، وإنما يمكن أن تتحول إلى قناة لنقل المعرفة والخبرة والاستثمار ، إذا ما تهيأت البيئة المناسبة واستُثمرت هذه الطاقات بصورة مؤسسية .إن إعادة إعمار قطاع الثروة الحيوانية لن تقتصر على إعادة تشييد المباني أو توفير المدخلات الإنتاجية ، بل ستتطلب كوادر متخصصة قادرة على التخطيط والإدارة والتدريب ونقل التقانات الحديثة إلى المنتجين والمربين .فإعادة تأهيل مزارع الألبان والدواجن ، وتحسين السلالات ، وتطوير التغذية ، وتعزيز خدمات الإرشاد والتدريب ، ودعم الصناعات التحويلية القائمة على المنتجات الحيوانية ، كلها مجالات تحتاج إلى الإنسان المتخصص قبل حاجتها إلى المعدات والمنشآت .كما أن الظروف الراهنة تفرض ضرورة الاهتمام ببرامج بناء القدرات والتدريب المهني ، حتى تتمكن الكوادر الشابة من مواكبة المستجدات العلمية والتقنية في مجالات الإنتاج الحيواني المختلفة ، فالاستثمار في الإنسان لا يقل أهمية عن الاستثمار في المشروعات والبنى التحتية ، بل إن نجاح تلك المشروعات يعتمد في المقام الأول على وجود كوادر مؤهلة تمتلك المعرفة والمهارة والخبرة .إن السودان يمتلك موارد حيوانية وطبيعية كبيرة تؤهله ليكون من الدول الرائدة في إنتاج الغذاء وتطوير المنتجات الحيوانية. غير أن تحويل هذه الإمكانات إلى واقع اقتصادي ملموس يتطلب الاستفادة القصوى من رأس المال البشري المؤهل ، وفي مقدمته خريجو الإنتاج الحيواني الذين يمثلون جسراً بين المعرفة العلمية والتطبيق العملي .وفي خضم الحديث عن إعادة الإعمار ، قد يكون من المناسب أن نتذكر أن بناء الأوطان لا يبدأ بالحجر وحده ، بل يبدأ بالعقول التي تخطط ، والخبرات التي تقود ، والأيدي التي تعمل . ومن هنا فإن تمكين خريجي الإنتاج الحيواني وإتاحة الفرصة لهم للإسهام في نهضة القطاع ليس مجرد استجابة لمطالب فئة مهنية ، بل هو استثمار في مستقبل وطن يمتلك من الموارد ما يجعله قادراً على النهوض من جديد .فإذا كان السودان مقبلاً على مرحلة جديدة من البناء ، فإن أبناءه من خريجي الإنتاج الحيواني ، في الداخل والخارج ، يملكون ما يقدمونه لهذه المرحلة : علماً ، وخبرة ، ومهارة ، وتجربة ، وطموحاً ، ورأس مال يمكن أن يتحول، متى وجدت البيئة المناسبة ، إلى مشروعات وفرص عمل وقيمة مضافة للاقتصاد الوطني .ولعل السؤال الحقيقي في مرحلة ما بعد الحرب ليس : ماذا يستطيع خريجو الإنتاج الحيواني أن يقدموا؟بل: كيف نستطيع أن نوظف هذه الثروة البشرية الهائلة في بناء قطاع حيواني أكثر إنتاجاً وكفاءة وقدرة على المنافسة ؟من نافذة الأدبالأوطان لا تُبنى بما تملك من موارد طبيعية فحسب ، بل بما تمنحه لها الكوادر البشرية من علمٍ وخبرةٍ وصدقThe post نافذة الإنتاج الحيواني: خريجو الإنتاج الحيواني بين التحديات وفرص الإعمار بعد الحرب appeared first on صحيفة مداميك.