اللواء (م) كمال إسماعيل احمدمهدي داود الخليفةجائزة بالزان الدولية للإنسانية والسلام والأخوة بين الشعوب ليست مجرد جائزة… إنها شهادة للعالم على شجاعة شباب السودانربما مرّ خبر فوز غرف الطوارئ السودانية بجائزةمؤسسة بالزان الدولية الخاصة للإنسانية والسلام والأخوة بين الشعوب بهدوء أكبر مما يستحق في السودان، وربما لم يحظَ بالاهتمام الشعبي والإعلامي الذي يليق بهذه المناسبة.لكن هذه الجائزة ليست خبراً عابراً، ولا تكريماً بروتوكولياً يمكن أن يمرّ دون أن نتوقف عند معناه العميق.فالعالم لم يكرّم غرف الطوارئ لأنها أطعمَت بعض الجوعى وجعلت بعض الناس ينامون وهم شبعى؛ بل كرّمها لأنها تمثل واحدة من أنبل صور التضامن الإنساني التي ولدت من رحم الحرب السودانية.لقد وجد ملايين السودانيين أنفسهم، بين ليلة وضحاها، بلا مأوى، وبلا مصدر رزق، وبلا دواء، وبلا طعام، بعد أن دمرت الحرب بيوتهم وأعمالهم ومصادر معاشهم. وفي الوقت الذي تراجعت فيه مؤسسات الدولة، وتعطلت الخدمات، وانقطعت سلاسل الإمداد، ظهر جيل من الشباب السوداني ليقول: لن نترك أهلنا وحدهم.لم ينتظر هؤلاء الشباب دولةً تأتي لإنقاذهم، ولا مؤسسةً دوليةً تحمل عنهم المسؤولية.تقدّموا هم. فتحوا المطابخ الجماعية، وأقاموا التكايا، وجمعوا التبرعات، ونقلوا الغذاء والدواء، وساعدوا النازحين، ووقفوا إلى جانب كبار السن والأطفال والمرضى، وحاولوا أن يحافظوا على الحد الأدنى من الحياة في مدن وقرى أنهكتها الحرب.كانت التكية بالنسبة إلى كثير من السودانيين أكثر من مكان لتقديم وجبة.كانت إعلاناً بأن المجتمع لم يمت.وكانت رسالة تقول إن الإنسان السوداني، رغم الحرب، لا يزال قادراً على أن يحمل أخاه الإنسان.لكن ثمن هذا العطاء كان باهظاً! هناك جانب من قصة غرف الطوارئ لا ينبغي أن يضيع وسط الاحتفاء بالجائزة.فمن السهل أن نتحدث عن الطعام الذي وصل إلى المحتاجين، وعن الدواء الذي تم توفيره، وعن ملايين الوجبات التي أُعدّت في التكايا.لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو:من الذي دفع ثمن ذلك؟ دفعه شباب سودانيون وضعوا حياتهم في مقدمة الخطر.كان بعضهم يذهب إلى الأحياء المحاصرة لتوصيل الطعام، وبعضهم يتحرك تحت القصف لنقل الدواء، وبعضهم بقي في مناطق الحرب عندما كان بإمكانه المغادرة.وسقطت القنابل والصواريخ والمسيرات بالقرب من أماكن عملهم، فقتل بعضهم، وأصيب آخرون، وفقد بعضهم أطرافاً من أجسادهم.اليوم هناك شباب سودانيون دفعوا ثمن هذا العمل الإنساني من أجسادهم؛ منهم من فقد ساقاً، ومن فقد يداً، ومن أصبح يعاني عجزاً دائماً أو صعوبة في الحركة.والأكثر إثارة للتأمل أن كثيراً من هؤلاء لم يخرجوا ليطالبوا بتعويض، ولم يقفوا أمام أبواب المؤسسات يطلبون مقابلاً لما قدموه، ولم يرفعوا أصواتهم بالشكوى.تركوا أمرهم لله.وتركوا أمرهم، أيضاً، للشعب السوداني.هؤلاء الشباب يستحقون منا أكثر من التصفيق.يستحقون كلمة وفاء.ويستحقون أن نتذكر أسماء الذين سقطوا وهم يؤدون واجبهم تجاه أهلهم، وأن نسأل عن الذين أصيبوا، وأن نمد إليهم يد العون، لا باعتبارهم ضحايا، وإنما باعتبارهم أصحاب فضل على مجتمعهم.إن قيمة جائزة بالزان الحقيقية أنها جاءت من مؤسسة دولية تنظر إلى العمل الإنساني من زاوية تتجاوز السياسة والصراع.إنها تقول للسودانيين وللعالم إن هناك سوداناً آخر لا يظهر كثيراً في نشرات الأخبار.سوداناً لا تحكمه لغة السلاح.سوداناً لا يعرفه العالم من خلال بيانات الجيوش والمليشيات.إنه سودان الشباب الذين يقفون في المطابخ الشعبية، والنساء اللواتي يطبخن للنازحين، والمتطوعين الذين يحملون الدواء، والأطباء الذين يعملون في ظروف مستحيلة، وكل الذين قرروا أن يجعلوا من التضامن سلاحاً في مواجهة الموت.وهذا السودان هو الذي يستحق أن نراه وأن نحتفي به.إلى السودانيين في المهاجرولعل الرسالة الأهم اليوم ليست إلى العالم، وإنما إلى السودانيين أنفسهم، وخاصة السودانيين في المهاجر.هؤلاء الشباب لا يريدون شكراً جميلاً فقط.ولا يريدون أن تتحول الجائزة إلى منشور عابر على وسائل التواصل الاجتماعي.إنهم يريدون شيئاً أبسط وأكثر أهمية:أن يستمر العطاء.فالتكايا لا تزال بحاجة إلى الغذاء، والنازحون لا يزالون بحاجة إلى الدواء والكساء، والأطفال لا يزالون بحاجة إلى الطعام، وملايين السودانيين يعيشون في ظروف لا يمكن وصفها بالكلمات.ولذلك فإن أفضل طريقة للاحتفاء بهذه الجائزة هي أن تتحول إلى حركة تضامن سودانية واسعة.كل سوداني في المهجر يستطيع أن يفعل شيئاً.قد لا يستطيع أن يوقف الحرب،لكنه يستطيع أن يساهم في إطعام أسرة.قد لا يستطيع إعادة بناء مستشفى،لكنه يستطيع أن يساهم في شراء الدواء.وقد لا يستطيع أن ينقذ مدينة كاملة،لكنه يستطيع أن يساعد في استمرار تكية واحدة.العطاء ليس بحجم المال، وإنما بصدق المسؤولية.إن جائزة بالزان ليست نهاية قصة غرف الطوارئ، بل ربما ينبغي أن تكون بداية فصل جديد.فإذا كان العالم قد رأى في غرف الطوارئ نموذجاً للإنسانية والسلام والأخوة بين الشعوب، فعلينا نحن السودانيين أن نرى فيها شيئاً أكبر:صورة للسودان الذي نريد أن نبنيه بعد الحرب.سودان يتقدم فيه الشباب لخدمة مجتمعهمبدلاً من حمل السلاح.سودان تكون فيه حماية الإنسانأهم من حماية السلطة.سودان تكون فيه قيمة الحياةأعلى من قيمة الحرب.وسودان يعرف أن أخطر ما تفعله الحرب ليس فقط أنها تقتل الناس، وإنما أنها تحاول أن تقتل فيهم روح التضامن والأمل.لكن غرف الطوارئ أثبتت أن تلك الروح لا تزال حية.ولذلك فإن أقل ما يمكن أن نقوله لهؤلاء الشباب:شكراً لأنكم أطعمتم الجائع، وداويتم المريض، ووقفتم إلى جانب النازح، ودفعتم من أجسادكم ثمناً لهذا الواجب.وإلى الذين فقدوا أطرافهم أو أصيبوا بعجز دائم:إن السودان مدين لكم.وإلى الذين سقطوا وهم يؤدون واجبهم:لن يكون عطاؤكم منسياً.أما إلى السودانيين في المهاجر، فهذه ليست دعوة إلى التبرع فحسب، وإنما دعوة إلى الوفاء.أرسلوا ما تستطيعون إلى أهل التكايا، وساعدوا القائمين عليها على مواصلة العطاء.فربما لا نستطيع جميعاً أن نوقف الحرب الآن، ولكننا نستطيع أن نمنع الجوع من قتل أهلنا.وربما لا نستطيع أن نعيد لكل بيت ما فقده، ولكننا نستطيع أن نقول لمن بقي فيه:لسنا بعيدين عنكم… ولن نترككم وحدكم.إن جائزة بالزان كرّمت غرف الطوارئ السودانية أمام العالم.والآن جاء دور السودانيين لكي يكرّموا غرف الطوارئ بالوفاء.The post حين يكرّم العالم شباب السودان الذين حملوا عبء الوطن appeared first on صحيفة مداميك.