مدني عباس مدنيواحدة من الظواهر التي اشتدت في مرحلة الحرب، وساهمت في إضعاف الدور المدني في التصدي لها، هي وجود فئة مؤثرة اختطت لنفسها طريقاً واضحاً، بوعي أو بغير وعي، وهو العمل على نزع شرعية القوى السياسية المدنية الديمقراطية.وهنا أنا أفرّق بين موقفين: موقف نقدي يعمل على تصويب أخطاء النادي السياسي، ويدرك أهمية وجوده، ويتعامل بشكل أكثر جدية مع التصدي لظاهرة العسكرة وتنامي الإثنية السياسية؛ وبين مجموعات أو أفراد ، لأسباب ذاتية أو لخلل في التصور، جعلوا حربهم الرئيسية هي ما يظنوه فضحاً للقوى السياسية المدنية ووصمها بالعمالة والارتزاق، واستخدام مفردات التجريم السياسي التي لم تفارق السودان منذ الاستقلال.إبعاد أو تقليل تأثير القوى السياسية لن يلغي السياسة، بل سيجعلها اي السياسة متضخمة في غير مواعينها: في العسكرة وانتشار التمثيل القبلي السياسي.وحتى لا يقترب أحد من هذا الحديث ليفهمه كرفض للعمل على تصويب الأداء السياسي، الذي يصاحبه خلل بنيوي وممارساتي لا يمكن غض الطرف عنه، فإني أظن أنه من الخير، حتى للنادي السياسي، أن يتحول أصحاب القلم الأحمر ودعاة الحكمة والوطنية هؤلاء إلى أصحاب موقف سياسي وتمثيل سياسي جديد؛ فذلك أفيد من تعريف نفسك بموقفك الرافض لما هو موجود فقط. هذه مهنة سهلة لا تحتاج إلى فطنة أو نبل.لا يمكن أن يكون كل ما تكتبه أو تنطق به مصوباً ضد القوى المدنية والسياسية، بينما تغض النظر بالكامل عن تحول البلاد إلى سيطرة أمراء الحرب اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً. لا يمكن أن يكون ذلك كل كسبك في النقاش العام، وترى أنك تنطلق من دوافع سليمة.قد يبرر البعض ذلك بأنه ينقد القوى السياسية والمدنية لأنها هي التي يجب أن تنتج الحل، ولكن هل يجعلك ذلك تغض النظر عن الأطراف الأكثر فاعلية الآن في المجال العام: العسكر والقبيلة؟إن الحفاظ على الدولة والحفاظ على تماسك المجتمع يرتبطان بشكل عضوي بإبعاد العسكرة والقبيلة عن المجال السياسي، لا بإبعاد القوى السياسية.أتمنى أن يراجع هؤلاء موقفهم؛ فهم ليسوا محل كراهيتنا، بل نرى أن طاقاتهم المهدرة أولى بها البناء لا نزع مداميك الدولة، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاًThe post الحفاظ على الدولة وتماسك المجتمع يرتبط بإبعاد العسكرة والقبيلة عن المجال السياسي appeared first on صحيفة مداميك.