خمس رسائل في محراب قوى التغيير: تأسيس دولة التحرر… وسايكولوجية تناقض الهدف مع الوسائل (الرسالة الثانية)

Wait 5 sec.

مجدي إسحقلا تنحصر أزمة قوى التغيير دائماً في فساد الأهداف أو غياب الرغبة في التغيير، فقد تكون الأهداف صحيحة والنوايا صادقة، بينما تتسلل جراثيم الوعي الزائف إلى قراءة الواقع واختيار الوسائل، فتصبح حاجزاً يحول بين قوى التغيير وبين الوصول إلى الأهداف التي تسعى إليها.إننا عندما ننظر لمواقف الشرفاء الذين انحازوا إلى تحالف الدعم السريع تحت مظلة تأسيس، نجد أن هنالك كثير من النقاط التي تحتاج أن يفتح فيها أبواب الحوار حتى نفتح الباب لقراءة موضوعية تعكس نقاط الضعف والقوة، والتي يمكن أن تكون هي جسر يقلل من تخوف قوى التغيير من هذا التحالف. في نفس الوقت قد يساعد الشرفاء من المنحازين إلى تأسيس إلى النظر بموضوعية أكثر إلى مشروعهم واستيعاب لماذا لم يجدوا الدعم الكافي من بقية قوى التغيير وأسباب التحفظ على خطواتهم في دروب هذا التحالف.إننا إذا بحثنا عن الأسباب الموضوعية التي تفسر موقف وتأسيس التي تدعم تحالفها مع قوات الدعم السريع، فإننا نجد بأنها قد طرحت خطورة المشروع الذي تطرحه الحركة الإسلامية على واقع السودان وما تبشر به من سيطرة واستلاب ودمار. من أولويات قوى التغيير التي انحازت لهذا التحالف أنها ترى إن هزيمة هذا المشروع هو الأساس الذي يمكن أن تنطلق منه بناء دولة المؤسسات والديمقراطية.ترى في قراءتها ان الحركة الإسلامية قد سيطرت على الجيش القومي لذا يصبح التحالف مع قوات الدعم السريع هر الخيار المنطقي لمواجهتها وهزيمة مشروعها.هذه القراءة التي تبدو معقولة ومنطقية ظاهريا نجد أنها عند الفحص والتفكيك تظهر بعض النقاط التي تحتاج للوقوف والتي تعكس ان البناء المنطقي الداخلي لهذه القراءة تفتح الباب عن بعض التساؤلات والثغرات التي تطرح نفسها والتي إذا لم تكن لها إجابات موضوعية فانها ستكون ستهدم تماسك هذه القراءة.هذه التساؤلات يمكن ان نقول انها المداخل التي يتسلل منها الوعي الزائف وجراثيمه والتي إذا لم يتم الانتباه إليها فإنها حتمًا ستقود لإصابة هذا التحالف في مقتل.وإذا سيطر الوعي الزائف فإن قوى التغيير بدل أن تكون جزء من تحالفًا يقود إلى صناعة التحول التحرري ستنتهي إلى تحالف ينتج بنية قهر جديد يقدم تبريرًا مدنيًا وغطاء سياسيًا وشرعيةإن الحديث عن جراثيم الوعي الزائف ليس اتهاماً لقوى التغيير بالخيانة أو الفساد أو سوء النوايا، بل محاولة لفهم العوامل النفسية والفكرية التي تضعف قدرتها على القراءة الموضوعية للواقع، وتجعل الموقف السياسي أكثر خضوعاً للمشاعر والهوية والتصورات المسبقة.نجد أن من علامات جراثيم الوعي الزائف التي تظهر في سيادة المشاعر وسيطرة العقل العاطفي، حيث نجد أن مشاعر الغضب التي لها أساس موضوعي، حيث أن الشعب السوداتي وقطاعات كثيرة من عضوية التأسيس تعرضت إلى ممارسات الحركة الإسلامية، أما على مستواها الشخصي أو ما شاهدته على مستوى الوطن بسبب الاستبداد والفساد والتمييز وتخريب المؤسسات، يجعل من شعورً الغضب واقعا يمكن تفسيره وفهم أسبابه، وخاصة عندما اشتدت حدة الدمار بعد الحرب التي قامت والتي لا أحد يشك في أصابع الحركة الإسلامية في تحريك خطوطها. إن الغضب لا أحد ينكر وجوده ولكن تصبح الازمة عندما يصبح عدسة واحدة والنافذة التي يقرأ بها الفرد واقع الحرب، فتقاس كل الأحداث والمواقف بعدسة واحدة، هل تساعد هذه الحركة أو الموقف في رغبة تفريغ الغضب و هزيمة الحركة الإسلامية . هذا قد يقود أن تصبح الأولوية في خلل واضح في مفهوم الحقوق وميزان الاخلاق، حيث تصبح مدخلًا للإعفاء، فتصبح هزيمة الحركة الإسلامية كأنها شيك على بياض يجب ماقبله ويبرر ماعداه حيث يتم التعامل فيه مع انتهاكات الحليف كأنه تفاصيل مؤسفة يمكن تأجيلها أو ثمنًا لا بد منه، أو في بعض الأحيان يتم التغافل عنها ويعتبرها دعاية يسمعها الخصم مادام حققت التوازن النفسي ليس بالوصول للعدالة بل فقط بتفريغ الغضب.نجد في وسط قوى التغيير التي تحاصرها وقع تراجع ميزان القوة سيادة بعض المشاعر التعويضية السالبة المتمثله في سيطرة التفاؤل المدمر، وهي الثقة بحتمية التغيير دون وجود شروط موضوعية لذلك، ونجد ذلك واضحًا في الثقة في تحالف بلا ضمانات، حيث يظهر الخلط بين إمكانية التغيير وحتمية وقوعه، حيث يكون هنالك قناعة داخلية بأن قوات الدعم السريع قد تغيرت فعلًا، وتؤمن بأن ذلك التغيير سيكون تغييرًا مستدامًا. هذه الأمنيات عادة في واقع التفاؤل المدمر تكون بديلاً للأدلة، فبدلًا من وجود سلوك في الواقع في بنية القيادة أو ظهور المحاسبة أو التخلي عن المصالح العسكرية والاقتصادية، نجد أن مجرد التوقيع على الوثائق يعطي ذلك التوهم باحتمال قوة التغيير.حيث يصبح مسكنا لجراح العجز الناتج من ضعف المقدرات. إن التفاؤل المدمر يقود قوى التغيير أن تقع فريسة الوهم بأن السياسة ستسيطرعلى السلاح دون الحاجة لصناعة منظمات مجتمع مدني فاعلة وقوية تستطيع أن تحرك عجلة التغيير وأن تدعم القوات المسلحة، فيكون هاجسها هو التأكيد على الوثيقة بدلًا من المؤسسات، حيث تتوقع أن الاتفاقات السياسية وحدها تصبح واقعًا ولا تحتاج إلى قوة جماهيرية أو مؤسسات رقابية تستطيع تحقيق المحاسبة وآليات التنفيذ، فيتم الاكتفاء بإعلان بالالتزام بالمواثيق دون وضع ضمانات قابلة للقياس. يصاحب ذلك تأجيل الأسئلة الصعبة، حيث يدفع التفاؤل المدمر على الحديث بأن إصلاح المؤسسة العسكرية سيأتي بعد هزيمة الكيزان أو بعد إحلال السلام، لكن دون مراعاة أن القوى التي تزداد سلاحًا أثناء الحرب تصبح أقل استعدادًا للخضوع فيما بعده. إذن فإن الأمل في تغيير القوة المسلحة يصبح يقينًا غير مؤسس، لأنه لا يصاحبه أي عمل في صناعة الواقع الاجتماعي والمؤسسات الاجتماعية التي تضمن حدوثه. هنا يصبح التفاؤل مدمرًا عندما يمنح الثقة قبل بناء المؤسسات ويؤمن بالتغيير دون الترتيب أو تجهيز المجتمع وصناعة الواقع الاجتماعي القادر على فرضه.ان سيادة التفاؤل المدمر يقود المجتمع لمقاعد الانتظار وعدم السعي للتغيير مما يكرس التبعية والاعتماد على الاخر وإعادة انتاج سلطة القهرإن من علامات الوعي الزائف نجد أيضًا سيطرةالعقل الثنائي القلق الذي يبحث عن إجابات سريعة ومبسطة يحصر الخيارات دائمًا في خيارين، حيث يرى في الحرب إما الانحياز للدعم السريع إما الجيش، ويختفي إمكانية رفض المشروعية العسكرية وبناء موقف مدني مستقل. هذا العقل الثنائي المحدود هو الذي يؤسس إلى ثقافة عدو عدوي يصبح حليفًا تحرريًا ويصبح الانتساب إلى المعسكر المضاد للحركة الإسلامية بقدر قادر واقع سحري يجعل من هذا العداء قيمة أخلاقية تتوافق زيفًا مع التحرر ومع حقوق الإنسان. نجد هذا العقل يقسم الضحايا بحسب المعسكر فتصبح ضحايا قوات الدعم السريع مشكوك في حدوثها أو بأنها خسائر متوقعة في الحروب، بينما يتم تضخيم ضحايا الجيش والمعسكر الآخر. إن العقل الثنائي يرفض الاعتراف المتماثل، حيث أنه يعجز عن حمل حقيقتين في أن الحركة الإسلامية مسؤولة عن القهر والحرب وأن القوى التي تتحالف معها هي إفراز لهذا المشروع وأنها قد ترتكب نفس الفظائع بحكم تركيبتها وحكم ثقافتها التي قامت عليها. هذا يقود إلى اعتبار النقد خدمة للخصم فيصبح إما القبول بكل الممارسات أو أي محاولة للتغيير المراجعة أنها خيانة للمشروع، فيصبح الصمت دليلًا على الالتزام وتصبح المساءلة نوعًا من الخيانة.نجد من سمات الوعي الزائف ظهور العقل الاستسلامي الذي يبرر للضعف والقبول بالواقع المستلب. نرى ذلك ذلك في الاستسلام لمقولة أن السلاح لا يهزمه إلا السلاح، حيث يبدأ التفكير بأن الحركة الإسلامية قوتها هي عبر الجيش والأجهزة الأمنية، فيتم القفز إلى استنتاج أن مقاومتها لا يمكن أن تتم إلا من خلال قوة عسكرية مقابلة، وهكذا تتراجع الفكرة في بناء قوة الجماهير والقوة المدنية المنظمة، وتبدأ علامات العقل الاستسلامي الذي يميل إلى عنف السلاح في التغيير الاجتماعي. هي البداية لفقدان الثقة في سلطة الجماهير، ويبدأ الاعتقاد بأن الجماهير غير قادرة على حماية الثورة أو صنع التغيير. إن العقل الاستسلامي بذلك يتحرك من موقع الإيجابي في حركة التغيير من التحالف لبناء حركات التغيير إلى الأمام إلى الاحتماء، حيث يتحول نفسياً إلى حالة اعتماد واحتماء بالقوة العسكرية التي يتحالف بها، لأن المدنيين لا يمتلكون تنظيماً مستقلاً أو قوة ضاغطة موازية، يستطيعون بها السيطرة على حركة التغيير، وتصبح قدرتهم تعتمد على بقاء القوة المسلحة ونفوذها. إن القبول باختلال ميزان القوة، باعتباره ضرورة تجعل من القوة المدنية دون أن تشعر هي شريك الأضعف، وتجعل من القوة العسكرية الشريك الأقوى، إن القبول بهذا الاختلال يتم القبول به بالعقل الاستسلامي ويتم تبريره من خلال التفاؤل المدمر احد جراثيم الوعي المزيف على أساس أنه مؤقت، ويتم التبرير بأن ذلك سيتحول بعد انتهاء الحرب. إن هذا القبول بالاختلال في ميزان القوة يقود إلى التنازل عن شروط التحالف خوفاً من فقدانه، حيث أن الطرف المدني لا يستطيع أن ينقد الميليشيات خوفاً من فقد دعمها، لذا لا نستغرب في تأجيل المساءلة والحديث عن أن ذلك سيحدث بعد الانتصار، حيث يقول العقل الاستسلامي أن الأولوية الآن لهزيمة الكيزان، وأن قضايا الانتهاكات والإصلاح المدني وتفكيك الميليشيات يمكن معالجتها لاحقاً، لكنه لا يستطيع تفسير كيف ستصبح القوة العسكرية ضعيفة بعد أن زادت نفوذاً بانتصارها، وما الذي يجعلها تصبح أكثر استعداداً للخضوع للمدنيين. هذا يقود القوى المدنية للتراجع أخلاقياً ونفسياً، وتبدأ تدريجياً التكيف مع الانتهاكات والقبول بها، ويصبح العجز واقعاً سياسياً ويقبل ما يحدث باعتباره ضرورة، وأنه واقع لا يمكن تجاوزه. إن العقل الاستسلامي يجعل قوة التغيير تعيش على وعد التغيير من الداخل، تطمئن أنفسها بأن ذلك سيحدث، وذلك تبريراً على غياب السلطة الفعلية. إن ذلك سيؤدي حتمًا إلى استبدال القوة الحقيقية للتغيير في الفاعلية المدنية، وذلك بتبني الوكالة العسكرية، وذلك بدلاً أن تكون قوة التغيير تعمل في بناء الكتلة الاجتماعية الحرجة التي تستطيع أن تحرك الجماهير وتنظمها في تنظيمات المزارعين والرعاة والنساء والشباب بوصل فاعل، تصبح القوة المسلحة هي الوسيط الذي يصل عبره المشروع السياسي إلى المجتمع، وهكذا يصبح السلاح هو الذي يمثل المجتمع. إن ذلك يقود أن تصبح القوة المدنية تحت حماية الميليشيات، مما يقود إلى فقدان الاستقلال وعدم مقدرتها في بناء قواعدها وبناء أدواتها النضالية في التغيير. إن الاستمرار في هذا الموضع يقود تدريجيا للاستسلام الكامل لهوية التحالف ويصبح التراجع عن ذلك مؤلماً واعترافا بالخطأ، لذا قد يتم الاستمرار والتمسك والدفاع عن الصورة والواقع السياسي في انتظار تحول الميليشيات بدلاً من بناء أدوات التحول. إن هذا العقل الاستسلامي يجعل قوة التغيير تقبل بأن البديل محصور فقط، أما بين الجيش والكيزان أو الدعم السريع، وهنا يتحد العقل الاستسلامي بالعقل الثنائي، فبعد حصر الواقع في خيارين يستسلم الفرد للخيار الذي يراه أقل سوءاً، ثم يتحول تدريجياً من اختياره اضطراراً إلى الدفاع عنه باعتباره مشروعاً تحررياً.يجب الانتباه أن الوعي الموضوعي لا يرفض فكرة التحالف بين القوى التغيير والوجود العسكري، ولكن هنالك فرق بين عقل استسلامي يقبل الحماية ويكتفي بالنيات والوعود ويعتمد على حماية القوة المسلحة، ولا يستطيع المحاسبة والمراجعة ويتكيف مع اختلالاتها ويمنح السلاح الغطاء السياسي، وبين تسوية واقعية يكون فيها للواقع المدني وجوده، يعترف بمخاطر الحليف، يضع شروطاً معلنة وقابلة للقياس ويحتفظ باستقلاليته، يمتلك بنى تنظيمية وآليات المراجعة التي تستطيع الانسحاب والمتابعة والمراقبة ويضع حقوق الضحايا فوق التحالف وحقوق الإنسان فوق الاتفاق ويعمل على تعديل ميزان القوة، يفرض السلاح من موقع مدني قوي ومتوازن.تظهر جراثيم الوعي الزائف سياسياً عندما يجري الاحتفاء بتحالف غير متوازن بين قوة مدنية ضعيفة وقوة عسكرية تمتلك السلاح والموارد والسيطرة الميدانية، دون وجود مؤسسات وضمانات موضوعية تجعل السلاح خاضعاً للمشروع المدني وليس المشروع المدني تابعاً للسلاح.نجد أن القراءة الموضوعية التي تبحث عن تأثير جراثيم الوعي الزائف ومدى سيطرتها وتغلغلها في بنية التحالف ستستند على مدخلين أحدهما بنيوي ينظر إلى شكل العلاقة وهيكلها وأبعادها بين القوى المدنية التي تمثل قوى التغيير في تأسيس وعلاقتها بالمؤسسة العسكرية المتمثلة في قوات دعم سريع، ومدخل نظري ينظر إلى البنية الموضوعية والفكرية التي يستند عليها هذا التحالفأولاً ناحية النظرة البنيوية نجد أن من أهم النقاط التي نقف عليها إن التحالف السياسي بين قوى التغيير وقوات الدعم السريع تفتح باب التساؤل واسعاً عن إمكانية التبعية واحتمال السيطرة العسكرية على حركة التغيير، هذا التنظيم المتكامل الذي له عقيدته القتالية وثقافته ومشروعه الاقتصادي، جاءت قوى التغيير لتتحالف مع هذا الوجود المسلح صاحب الجذور الاقتصادية والاجتماعية المتناقضة مع مشروع قوى التغيير. حيث الدعم السريع لم يكن يوماً جناحاً عسكرياً لحركة ثورية مدنية تمتلك مشروعاً سياسياً ومؤسسات قادرة على توجيهه، بل لقد كان قوة عسكرية لها تاريخها في عمليات النهب والاستلاب، لها جذورها المرتبطة بقمع حركات التغيير وانحيازها إلى السلطة الغاشمة، له قيادته وتركيبته الهيكلية وشبكات مصالحه. إذن هو تحالف يستند على أن يعيد الدعم السريع أهدافه ومصالحه وعقيدته القتالية. إذا قبلنا جدلا برغبة الدعم السريع في يتخلى عن تاريخه وأن يصبح حركة تحررية فإن عملية التحور والتحول سيعتمد على مدى مصداقية قيادة الدعم السريع ومدى مقدرتها التضحية لهذا المشروع دون انحياز او تراجع إذا حدث تغيير في واقع الموارد المصالح. هذه النقطة تمثل فارقاً أساسياً في قراءة تماسك فكرة التحالف لأن الحركة السياسية التي لا تنشي القوة العسكرية كوادرها لتحقق برنامجها لا تستطيع أن تفرض على قوة عسكرية أن تغير مسارها لو تتخلى عن مصالحاه ، الا اذا كانت تمتلك القوة المجتمعية والمنظمات القادرة على تحجيم سلطة السلاح. إذن فإن هذا التحالف هو عبارة عن شراكة في مشروع للتحرر انحازت اليه القوة العسكرية والتي كانت جزء من بنية القهر.شراكة يقول الواقع انه بين طرفين غير متكافئين و ليس على قدر المساواة في ميزان القوة، حيث الدعم السريع يمتلك السلاح والتمويل والسيطرة الميدانية والقدرة على فرض الواقع، بينما تمتلك القوى المدنية الخطاب والبرنامج والعلاقات السياسية وجزء محدود من حركة الجماهير.في هذه المعادلة يظهر سيطرة الجانب العسكري وتفوقه على القوى المدنية.في هذا الواقع يجب أن نجد إجابة واضحة هل تمتلك تأسيس باعتبارها قوة سياسية مؤسسات سيادية ودستورية تمكنها من السيطرة أو إصدار أوامرها الملزمة للقوة العسكرية، وهل تستطيع مراقبة قراراتها أو تعيين قياداتها وعزلها أو التحقيق في انتهاكاتها أو تحديد انتشارها أو تسليحها؟ فإذا كانت الإجابة بالنفي فإن ذلك يعني أن تأسيس ليس مجرد تابع للمؤسسة العسكرية وليس لها الدور المؤسسي الفاعل بأن تقود المؤسسة العسكرية لتحقيق أهدافها، حيث أن أي تحالف متوازن يحتاج إلى مؤسسات ووسائل للمحاسبة إذا خالف أحد الأطراف التزاماته. وهنا يكون التساؤل الموضوعي إذا ارتكبت القوات العسكرية انتهاكاً أو رفضت قراراً سياسياً فما هي الأدوات التي تمتلكها قوى تأسيس؟ هل تستطيع أن تحرك الشارع وتمتلك من رأس المال الاجتماعي والكتلة الحرجة المنظمة التي تستطيع السيطرة على الوجود العسكري؟ هل تستطيع تجميد قياداتها أو نزع سلاحها أو إحالة أحد أعضائها إلى القضاء؟ هل تستطيع السيطرة على تمويلها؟ حتمًا إن الواقع يقول إن الإجابة بالنفي. إذن فإن هذا التحالف والاتفاق لا يضع السلاح تحت السياسة، بل يمنح السلاح غطاء سياسيًا. في هذا الواقع، عندما تعجز القوى المدنية من السيطرة على السلوك العسكري والممارسة، فإنها تواجه خيارًا صعبًا: أما تقوم بإدانة الحليف والمخاطرة بالتحالف أو البحث عن تفسير يخفف مسؤوليتها. وهنا يبدأ الانتقال من القيادة والمراقبة إلى دور الدفاع والتبرير، فتصبح مهمة القوى المدنية بدلًا أن تكون هي التي تسيطر على حركة التغيير وتقود المؤسسة العسكرية نحو تحقيق التغيير، تصبح مهمتها هي نفي الانتهاكات ووصفها بالفردية مقارنة بجرائم الخصم، بدلًا من محاسبة المؤسسة التي تتعارض في سلوكها مع الأهداف التي أعلنتها.إن تأسيس الذي قد أنشأت تحالفها استنادًا على مفاهيم مشروع السودان الجديد، هو مشروع له أبعاده وجذوره التاريخية المرتبطة بمقاومة التهميش وبناء المواطنة المتساوية. ولكن يصبح التساؤل هل يمكن أن نقول بأن مليشيات الدعم السريع بتركيبتها التاريخية وعقيدتها القتالية وتاريخها في الصراع يمكن أن تكون هي المدافع الحقيقي عن هذا المشروع؟ هنا يحدث الخلط الذي لا يمكن أن يمر بعفوية وبراءة و بدون مراجعة وتمحيص .حيث لايمكن ارتباط التهميش الذي كان جزءًا أساسيًا في مشروع السودان الجديد مع قوات الدعم السريع، حيث أن هذه المؤسسة العسكرية لا تمثل تلقائيًا المزارعين والرعاة وأقاليم الهامش، حيث أنها لم تكن هذه هي الأسباب الاجتماعية التي قادت إلى انتظامهم عسكريًا، بل كان انتظامهم مقابل قمع هذه الفئات وتحمل بين أيديها تاريخًا دمويًا في التصدي للهامش مقابل العائد المادي والاقتصادي وإذا كان قد حدث لها تغيير في الوعي الموضوعي، فهل ظهر هذا التغيير في سلوكها حتى يصبح خطابها مقبولًا ويمنحها صورة تحررية لم تكن موجودة سابقًا؟ وهل هناك مشاريع توعية تتم لتجاوز عقلية المليشيات القبلية لتمتلك وعيا ثوريا تحرريا وتصبح حقيقة مدافعة عن هذا المشروع؟إن هذا الواقع قد يقود أن تصبح شعار السودان الجديد تبريرًا لواقع سلطة الميليشيات بدل أن تكون الميليشيات حقيقة في خدمة هذا المشروع.التحالف الذي نشأ لم يقدم تفسيرا لموارد المؤسسة العسكرية أو سيطرة السلطة المدنية ولا يعني ببساطة أن تنتهي المصالح الاقتصادية للميليشيات المرتبطة بالأرض والموارد والحدود والتجارة والنفوذ. حيث لا يكفي توقيع وثيقة سياسية لإلغاء هذه المصالح أو إخضاعها للمشروع المدني، حتى إذا تم ذلك فإنه يجب أن يكون هنالك من الوضوح بمكان آليات قابلة للتنفيذ لتفكيك اقتصاديات الحرب وإنهاء السيطرة العسكرية على الموارد، مع وجود آليات وسلطة تستطيع تنفيذ مثل هذا الاتفاق. في غياب أي خطوات جادة نحو السيطرة على الاقتصاد العسكري، تصبح القوى المدنية مجردة وجود هزيل في داخل بنية المجتمع، ليست لها السيطرة على الواقع الاقتصادي، وليس أمامها إلا الانحناء أمام سيطرة العسكر حتى تجد قليلًا من الموارد تساعدها في تحقيق برامجها. إن تصور القوى المدنية إن هذا التحالف قد يكون وسيلة لتحقيق هدف تحرري إنما هو فهم قد يقود إلى نتائج عكسية اذا لم تمتلك القوة الاجتماعية الكافية، حيث أن عدم امتلاك السلطة الذي تجعل من التحالف وسيلة و أداة تسير كما تريد القوى المدنية، فإن هذا سيقود لعدم التناغم و بما لديها من استقلالية اطراف التحالف يمكن الجانب العسكري أن يعيد تشكيل الأهداف والقيم، حيث تستطيع أن تعيد تشكيل معايير العدالة وتأجل المساءلة وتعيد تعريف الانتهاكات، وليصبح المشروع السياسي متكيفًا مع احتياجات القوة العسكرية المسيطرة، عندها لا تصبح ولا تتغير المليشيات لتتناسب مع مشروع السودان الجديد، بل سيتغير معنى السودان الجديد حتى يتناسب مع واقع المليشياتآن القضاء على مشروع استبدادي بواسطة مشروع مسلح لا يمتلك الوعي الثوري ولا الأفق الديمقراطي، قد يغير بنية القهر وقد يسقط أصحاب سلطة القهر دون أن يغير بنيتها، بل قد يقود لاستبدال سلطة بسلطة. إن معاداة الحركة الإسلامية حتمًا لا يمكن أن تكفي لإثبات التزام الدعم السريع بالديمقراطية أو السودان الجديد، حيث أن الاتفاق على عدو واحد لا يعني الاتفاق على الاختلافات الجذرية حول مفهوم الدولة والمواطنة والقانون وحقوق الإنسان. إن تعظيم هذا التحالف باعتباره تحالفًا استراتيجيًا لا يمكن أن يكون طرحًا مقبولًا دون تقديم الأدلة والممارسات التي تثبت أن هنالك تغييرًا واضحًا في السلوك والبنية التنظيمية ومراجعة لحساب المصالح والتوازنات في داخل المجموعة العسكرية. إن ما يحدث يصب في خاطئة الاعتماد على النوايا المعلنة بدلًا على الممارسة، حيث أن تبني خطاب السودان الجديد لا يعني شيئًا ولا يثبت حدوث تحول حقيقي في ممارسات أو ثقافة أو مصالح الدعم السريع. إن التحول السياسي لا يقاس بالمواثيق ولا بالتوقيع على الوثائق، ولكن تكون هنالك مؤشرات في أرض الواقع تؤكد هذا الاتفاق، يظهر فيها احترام حقوق الإنسان، قبول القيادات المدنية، وقف الانتهاكات ضد المواطنين، نبذ التعالي والتعبئة القبلية والتخلي عن اقتصاد الحرب والسيطرة على الموارد والاعتراف بحقوق الضحايا وجبر الضرر. إن في عدم ظهور مثل هذه المؤشرات تصبح كل الدعاوي مجرد حبر على ورق.إن علم النفس السياسي التحرري يطالب بالحذر دائماً أمام التوهم والتفاؤل المدمر بأن الأشياء تتغير دون أن تتحقق الظروف والشروط الموضوعية لها، حيث أن الأفراد والكيانات لا تتغير لأننا نريد ذلك، ولا يكفي الإعلان عن التغيير لإثبات مصداقية الآخرين، حيث أن التغيير يحتاج إلى مراجعة معلنة للماضي وتحمل المسؤولية وإصلاح المؤسسة التي قد أدت لنشوء مثل هذه التجاوزات وضمان عدم التكرار. إن التجربة السابقة مهمة لأنها تقدر وتساعد في فهم احتمالات السلوك المستقبلي، خاصة عندما تبقى القيادة والسلاح والمصالح والبنية القبليةإن آثار الوعي الزائف لا تتوقف عند ضعف قراءة التحالف، بل تمتد إلى خلل في رؤية الإنسان نفسه؛ فحين تصبح حماية التحالف والهوية السياسية أولوية، قد تفقد قوى التغيير قدرتها على رؤية الضحايا وسماع المختلفين عنها من قوى التغيير باعتبارهم أصحاب تجارب ومواقف مستقلة. تقود لأن تفقد قوى التغيير حساسيتها ومبدئيتها في التعامل مع حقوق الإنسان، فيصبح صوت الضحية ليس لبعده الإنساني قيمة في ذاته إنما يحدد قيمته موقعه من الصراع. فإن قوى التغيير تصبح عالية الصوت عندما ترى ضحايا الجيش أو الحركة الإسلامية، ولكن تجعل من انتهاكات الدعم السريع موضع شك، وهكذا لا تصبح الإنسانية قيمة في ذاتها ولا تعتبر الضحية مصدرًا للحقيقة، بل تقبل شهادتها وترفض بحسب فائدتها للواقع السياسي والقبول النفسي المسبق. هذا يقود إلى التوحش و تراجع قيم الإنسانية منافسة العنف والضحايا بدل الاعتراف بهم، حيث بدلًا من رفض الجرائم يجري الرد دائمًا بأن الآخرين قد فعلوا أسوأ من ذلك وأن الجيش قد فعل ذلك أيضًا، وهي مقارنة لا تنصف الضحايا، بل تستخدم المعاناة لمجموعة من المعايير لإسكات معاناة الطرف الآخر. إن الخوف من الاعتراف بجرائم الحليف في بعض الأحيان قد يكون سببًا يستند على الخوف من هز شرعية التحالف، لذا تظهر عوامل نفسية من إنكار وتغليل وتبرير، فيما يقود إلى الاهتمام بحماية المشروع أكثر من حماية الإنسان أو ضمان العدالة. وهنا تنتقل القوة المدنية من موقع الرقابة الأخلاقية إلى موقع الدفاع عن الممارسات والقوات المسلحة، فتكون النتيجة لا يصبح الغضب طاقة لمقاومة أشكال القهر، بل يتحول إلى غضب انتقائي يرى في قهر الخصم مكسبًا ويعجز عن رؤية القهر الصادر عن الحليف. إن علم النفس التحرري يرى الغضب يجب أن يكون قوة ضد الظلم أيًا كان مرتكبه، أما الغضب الذي ينتقي ضحاياه فهو أصبح جزءًا من بنية القهر التي يسيطر عليها الوعي الزائف.هنا يصبح الوعي الزائف مساهما في تطبيع العنف و يشوه القيم السامية ليكرس مفهوم العدالة الانتقامية والتوحش.حيث تصبح ضحايا قوات الدعم السريع مشكوك في حدوثها أو بأنها خسائر متوقعة في الحروب، بينما يتم تضخيم ضحايا الجيش والمعسكر الآخر. إن العقل الثنائي يرفض الاعتراف المتماثل، حيث أنه يعجز عن حمل حقيقتين في أن الحركة الإسلامية مسؤولة عن القهر والحرب وأن القوى التي تتحالف معها هي إفراز لهذا المشروع وأنها قد ترتكب نفس الفظائع بحكم تركيبتها وحكم ثقافتها التي قامت عليها. هذا يقود إلى اعتبار النقد خدمة للخصم فيصبح إما القبول بكل الممارسات أو أي محاولة للتغيير المراجعة أنها خيانة للمشروع، فيصبح الصمت دليلًا على الالتزام وتصبح المساءلة نوعًا من الخيانة.إن جرثومة الوعي الزائف الذي يشكل الهوية السياسية لقوى التغيير بعد التحالف يجعل من هذا التحالف هوية، حيث ينتقل التأييد والتأسيس من كونه اختيارًا سياسيًا قابلًا للمراجعة إلى هوية شخصية واجتماعية، فيصبح كأن نقد للتحالف تهديدًا للذات لا مجرد سؤال عن جدواه. هذا يقود إلى اندماج المشروع الأخلاقي بالسلوك العسكري، فيرى الدعم السريع والشرائح الاجتماعية فرسانا تدافع عن السودان الجديد والمهمشين، لذا قد يجد صعوبة أن يرى أن القوى التي متحالفة معه تمارس أفعالًا تتناقص مع هذه القيم، حيث تكون الهوية تدعي بأننا نحمل مشروعًا تحرريًا ولكنها لا تستطيع أن تتحمل أنها نمارس سلوكًا قد يتجاوز الفهم التحرر لحقوق الإنسان، لذا يكون الدفاع حماية لهذه الهوية ولهذا الانتماء حماية ودفاعًا عن نقاء الانتماء للمهمشين، حيث أن الاعتراض بالانتهاكات كأنه يسيء للشريحة التي ينتمي إليها وكأنه يعطي شرعية للطرف الآخر، لذا يصبح الدفاع عن الحليف دفاعًا عن صورته الذاتية وعن هويته التي اختارها بعد توقيعه على الاتفاق . هذا يقود إلى إسقاط الشر كله على الآخر، فيتم تحميل الجيش والحركة الإسلامية كل الفظائع، حتى عندما يثبت تورط قوات الدعم السريع يكون دائمًا التفسير بأنها تفلتات فردية أو نتيجة لاستفزاز أو اختراق قد نفذه الخصم حتى يسيء إلى قوات الدعم السريع.ان الخطورة النهائية للتحالف غير المتكافئ في أنه قد لا يقود إلى إخضاع القوة العسكرية لمشروع التحرر، بل إلى النتيجة المعاكسة: أن تعيد القوة العسكرية تشكيل المشروع المدني وقيمه وأولوياته بما يتناسب مع استمرار سلطتها ومصالحها.هذا التحالف في واقع ضعف توازن القوة يجعل القوى المدنية ضعيفة التأثير في المجتمع، حيث يصعب أن ترى لها حرية الحركة في تكوين مؤسساتها من أحزاب وتعاونيات ولجان مستقلة، حيث أن الرقابة العسكرية تكون هي الصوت الأعلى، مما يجعل من منظمات المجتمع المدني التي تنشأ في داخل هذه المجتمعات هي شكل مشوه لحركة التغيير، ويصبح النشاط السياسي مجرد تعبئة داخل مناطق السيطرة العسكرية بدلًا من أن يكون عملًا مدنيًا لتنظيم قوى التغيير وبناء سيطرة الجماهير. هنا يصبح تنظيم الجماهير ليس لتصبح قوة تقود التغيير بنفسها وتسيطر على السلاح والمؤسسة العسكرية تحت أمرتها، بل تنظم حتى تكون داعية وداعمة للسلاح وخاضعة لقوانينه.هذا يعكس هزيمة حقيقية لمشروع التغيير ويقود الى إعادة انتاج بنية القهر تحت شعار التحررإن التحالف الذي نشأ لم يقدم تفسيرا لموارد المؤسسة العسكرية أو سيطرة السلطة المدنية ولا يعني ببساطة أن تنتهي المصالح الاقتصادية للميليشيات المرتبطة بالأرض والموارد والحدود والتجارة والنفوذ. حيث لا يكفي توقيع وثيقة سياسية لإلغاء هذه المصالح أو إخضاعها للمشروع المدني، حتى إذا تم ذلك فإنه يجب أن يكون هنالك من الوضوح بمكان آليات قابلة للتنفيذ لتفكيك اقتصاديات الحرب وإنهاء السيطرة العسكرية على الموارد، مع وجود آليات وسلطة تستطيع تنفيذ مثل هذا الاتفاق. في غياب أي خطوات جادة نحو السيطرة على الاقتصاد العسكري، تصبح القوى المدنية مجردة وجود هزيل في داخل بنية المجتمع، ليست لها السيطرة على الواقع الاقتصادي، وليس أمامها إلا الانحناء أمام سيطرة العسكر حتى تجد قليلًا من الموارد تساعدها في تحقيق برامجها. إن تصور القوى المدنية إن هذا التحالف قد يكون وسيلة لتحقيق هدف تحرري إنما هو فهم قد يقود إلى نتائج عكسية اذا لم تمتلك القوة الاجتماعية الكافية، حيث أن عدم امتلاك السلطة الذي تجعل من التحالف وسيلة و أداة تسير كما تريد القوى المدنية، فإن هذا سيقود لعدم التناغم و بما لديها من استقلالية اطراف التحالف يمكن الجانب العسكري أن يعيد تشكيل الأهداف والقيم، حيث تستطيع أن تعيد تشكيل معايير العدالة وتأجل المساءلة وتعيد تعريف.الانتهاكات، وليصبح المشروع السياسي متكيفًا مع احتياجات القوة العسكرية المسيطرة، عندها لا تصبح ولا تتغير المليشيات لتتناسب مع مشروع السودان الجديد، بل سيتغير معنى السودان الجديد حتى يتناسب مع واقع المليشياتإن هذا الواقع البنيوي يعكس بأن المشكلة التي تفتح الباب للوعي الزائف ليست في أن تأسيس قد تحالفت مع قوة عسكرية حتى تحقق أهداف سامية، وهي رفض بنية القهر ومحاربة سلطة الإنقاذ وتيار الإسلام السياسي، لكن أزمتها في أنها تحالفت مع قوة عسكرية مكتملة البنية الاجتماعية والفكرية والمصالح قامت قبل وجود التحالف السياسي. وإن هذه القوة العسكرية لم تكن هي زرعًا نتج من بيئة فكرية وبنية ثورية تعبر عن مصالح القوى المدنية، بل كان جسمًا نشازًا حاولت القوى المدنية الارتباط به وتغيير مساره حتى يتوافق مع أهدافها، رغم أن جذوره التاريخية وتركيبته المعرفية والفكرية ومصالحه الاقتصادية تتناقض تناقضًا أساسيًا مع كل الدعاوى السامية والأهداف النبيلة التي تدعو لها قوى التغيير. لذلك يبرز التساؤل والخطر من أن تصبح القوى المدنية ذرعًا مدنيًا للميليشيا تمنحها اللغة والشرعية تبرر الممارسات، بدلًا من أن تصبح الميليشيا أداة خاضعة لمشروع مدني تحرري.إن على مستوى البنية الفكرية التي تستند عليها تأسيس نجد أن هنالك تساؤلات تطرح نفسها، تبحث عن إجابات، حيث أن الموقف المطروح يمتلك قوة واضحة في تشخيص الداء و دور الحركة الإسلامية ومشروعها الاستبدادي، ولكنه ينتقل من صحة التشخيص إلى ضرورة التحالف مع القوات العسكرية دون بناء الحجة المنطقية اللازمة لهذا الانتقال، حيث أن صحة التشخيص لا يعني بالضرورة الاتفاق على الوسيلة التي تستعمل لمعالجة هذا الخطأ، حيث أن الاتفاق على خطر الحركة الإسلامية لا يعني تلقائيًا الالتزام والدفاع عن كل قوة تقاتلها، ولا يعني هذا بأنها سوف تصبح حليفًا مشروعًا، ولا يمكن أن يجعل منها وقودًا للثورة ولا تمنحها البراءة الأخلاقية والسياسية. وهنا يطرح السؤال نفسه من الذي يجعل ميليشيات قبلية قامت على تركيبة القهر والقتال من أجل مصالح اقتصادية ضد قوى الهامش وقوى التغيير، من الذي يجعلها تلبس لباسًا ثوريًا لتصارع البنية التي أفرزتها، وما هي الضمانات أن لا تصبح هي نفسها قوة لإعادة إنتاج بنية القهر التي تتناسب مع تشكيلتها والوعي الذي تحتمله ؟ ثانيا إن وضع كل أزمات السودان في الحركة الإسلامية وحدها هو إختزال غير علمي يتجاهل العوامل الأخرى من تاريخ سلطة القهر وتجلياتها منذ الاستعمار وما أفرزته من مجتمع يسود فيه التناقض والتنازع والفقر والتخلف مع تجاهل المصالح الدولية التي لا يشك أحد في تأثير بصماتها في الصراع.في هذا الواقع فإن التركيز الخطر الآحادي المتمثل الحركة الإسلامية باعتبارها أس الداء لا يغني عن تجاهل الحديث عن أخطار أخرى تراها الجماهير من أهمها الخوف وعدم الامن التأثير الكارثي على المواطنين من هجمات قوات الدعم السريع من انتهاكات تهجير وترويع واستلاب للموارد، حيث لا يمكن بناء مشروع تحرري يتجاوز أصوات الضحايا أو مطالبهم بالعدالة والتجاهل للممارسات التي تثبت أن المستقبل قد يكون أسوأ مما هو حادث الآن. إن القوى المدنية التي تغض البصر عن هذه التجاوزات تعلنها صراحة بأنها لا تضع رؤية الجماهير ومخاوفها الحقيقية ولا كرامة الإنسان وحقوقه في معيار يجعلها تدافع عنه أمام سعيها للحفاظ على التحالف من أجل هزيمة خصم سياسي حتى ولو كان حساب خسارة موقف أخلاقي مبدئي.هذا التجاهل لآلام الجماهير خلق حاجزا نفسيا عميقا بين قوى تأسيس والجماهير التي تدعو انها خرجت من أجلها .وخلقت شرخا في المصداقية حين لم تستطع الإجابة عن صمتها امام معاناة الجماهير من توحش الدعم السريع ولم تقدم تفسيرا عن كيف تدعو لمحاربة بنية القهر وتصمت عن ممارسات القهر.إن هذا الجرح النفسي والشرخ في الثقة والمصداقية كانت خصما على مشروع السودان الجديد وجعلت منه دعاوي نخبوية لا تجد من الجماهير سوى السخرية والاستغراب.إن هذا الصمت يطرح خطورة ان يكون تجاهل معاناة الجماهير ليس خطأ سياسي غير مقصود بل هو نتاج واقعا يتم محاولة تجاهله وانكاره .واقع حتمي ومتوقع قد أفرزه التناقض مع التركيبة الفكرية التي تسعى قوى التغيير في تأسيس لتحقيقها، التي تحلم بقيام سودان جديد يقوم على المواطنة والمساواة وتفكيك أنواع التهميش والقهر، بينما نجد في تحالفها أنها تتحالف مع مؤسسة عسكرية تقوم على القبلية بنيتها تعتمد على السلاح والولاء الشخصي والقرابة والقيادة غير المنتخبة والسيطرة على الموارد الاقتصادية، فإذا كانت الوسيلة تعمق القبلية والإفلات من العقاب فمن الصعوبة أن تبني دولة مدنية ديمقراطية، حيث لا يمكن أن تكون الغاية تحررية بينما الوسائل تحمل بنية القهر في داخلها. لذا يمكن ان نقول ان هذه الممارسات لم تكن مفاجأة أو غير متوقعة ومستغربة. إن التساؤل الذي يطرح نفسه هل تستطيع تأسيس محاصرة السلوك العسكري والسيطرة على العقلية القبلية لقوة الدعم السريع؟ وكيف ستقبل هذه القوة التي تمتلك السلاح والمال والنفوذ الخضوع لحليف مدني سياسي أضعف منها مادياً واجتماعياً وجماهيرياً؟ أم أن الصمت والانكار هو حالة دفاع نفسي تعكس حالة الضعف وعدم المقدرة في مواجهة هذا الاختلال.حين يصبح الانكار حالة نفسية لقوى التغيير فانها تبدأ تعديل وتغيير مفاهيمها لتتناسب مع هذا الواقع وتنمو جرثومة الوعي المزيف تزرع التفاؤل المدمر بأن الوضع سيتغير قريبا وان هذه حالات فرديةإن هذا التحالف الذي ما زالت خطواته توضح أن المؤسسة العسكرية التي هي لديها اليد العليا في التعيين والقرارات والإدارة، نجد في تفاصيل هذا التحالف غياب شروط التحالف وخطوطه الحمراء، حيث لا توجد إجابات واضحة عن كيف تستطيع قوى التغيير محاسبة، مراقبة ومراجعة ومراقبة شريكها في التحالف. حيث نجد في الجانب الآخر أن السلطة العسكرية متمثلة في الدعم السريع لها القوة التي تسمح لها بالقتل والتحقيق والاعتقال والفصل من العمل إذا أرادت ذلك دون وازع ودون مانع. في الجانب الآخر نجد أن القوى المدنية لا تمتلك من أدوات التغيير والمحاسبة سوى إصدار البيانات الخجولة والإعلان عن المواقف بكل حياء وعدم قدرة على المواجهة. إن هذا التحالف الذي قام من اجل الجماهير يعكس تساؤلاً لماذا لم تكن الأولوية لتنظيم الجماهير وبناء حركة مدنية واسعة لها صوتها فتجمع العمال والرعاة والمزارعين والمهنيين في منظمات لها وجودها وسيطرتها ودورها في حركة المجتمع.إن ضعف الحركة المدنية حتمًا لا يبرر تجاوزها، بل يفرض الاستثمار فيها إذا كنا نسعى لتحقيق مجتمع تحرري. إن الاعتماد على القوة العسكرية باعتبارها جاهزة ومسلحة يزيد من ضعف المجتمع المدني على المستوى الطويل ويجعل من البندقية هي الطريق إلى الاعتراف السياسي ويتم فيه سيادة الثقافة أن التنظيم المدني أقل قيمة من قوة السلاح. إن هذا السلوك سيؤسس إلى منطق البندقية التي تواجه البندقية، حيث انتقاد موقف الحركة الإسلامية التي استلبت الجيش وجعلت منه سلاحًا للحركة الإسلامية، فإن صناعة بندقية الطرف الآخر باعتباره المدخل الأساسي للمواجهة، فإنه يكرس المنطق نفسه، حيث يؤكد بذلك أن من يملك السلاح يحدد السياسة، بينما الحديث عن السودان الجديد لا يُبنى بمجرد نقل التفوق العسكري من قوة إلى أخرى، بل بكسر احتكار السلاح للعمل السياسي. إذن فإن استعمال السلاح لهزيمة مشروع عسكري دون خطة واضحة لبناء بديل مدني ديمقراطي لن يفعل شيئًا سوى إعادة نفس العقلية التي نرفضها وتوسيع دائرة الحرب وازدياد مناهي دولة القهر.إن علم النفس السياسي التحرري يرفض الفكرة التي تستند على تغيير الفئة الحاكمة دون التفكير عن كيفية تغيير علاقات القوة نفسها، لأن المواطن الذي يعيش خاضعًا للبندقية لا يراقبها ولا ينتقدها ولا يسيطر عليها، فإن ثقافة بنية القهر تكون مستمرة وإن تغيرت شعاراتها حتى وإن رفعت قوى التغيير دعاوى الحرية والتغيير، حيث أن التحرر الحقيقي يفضي بانتقال المجتمعات من ان تكون موقع الوقود البشري إلى الحرب إلى الموقع الفاعل السياسي المنظم والمستقل الذي يسيطر على أدوات الدمار.إن كل هذه المعطيات تقود للشك في أن التحالف مع الميليشيا.هو تحالف يقدم للميليشيات مشروع سياسي يبرر به مواقفها، ولا نجد مؤشرات تعكس تغييرًا في مواقف قوات الدعم السريع نحو حركات التحرر. إن المنحى السياسي التحرري يطرح تساؤلًا يعتبر ضروريًا دومًا إلى قوى التغيير في تحالفها مع العسكر، عن أين هو مصدر القوة للقوى المدنية؟ هل هنالك نضوج لحركة الجماهير والتنظيمات تمثل كتلة من الوعي وكتلة حرجة يمكن أن تحرك خطوات المجتمع لتواجه بطش السلطة التنفيذية؟ وهل توجد قنوات ومؤسسات لها المقدرة على المحاسبة والمراجعة والمراقبة والسيطرة والعقاب على المؤسسة العسكرية؟ فيكون السؤال أكثر عمقًا و هل تستخدم القوى المدنية القوات المسلحة لخدمة مشروعها المدني؟ أم أن القوى المسلحة تستخدم الوجود المدني لإضفاء شرعية على مشروعها؟ وتكون خلاصة هذه التساؤلات ما الذي يضمن استمرارية هذا التحالف، وإذا تجاوز أحد الأطراف بعض النقاط المنصوصة عليها، ما هي الضمانات المؤسسية التي يمكن أن تحاسب وتعاقب وتعيد طرفي التحالف إلى بنود الاتفاق؟ إذا لم تكن هنالك إجابة، فإن قوى التغيير في تأسيس مطالبة بالوقف ومراجعة مواقفها، فإنه مهما كانت صدق نواياها وعلو قامة أحلامها وسمو المشاعر والأهداف التي تسعى إليها، فإن كثيرًا من النوايا والأهداف قد تقود إلى نهايات سالبة، ويصدق فيها ما قاله صامويل جونسون بإن الطريق للجحيم مرصوف بحسن النواياأعزائيإن القضية في ختام رسالتنا ليست إصدار حكم أخلاقي على قوى التغيير ولا التشكيك في صدق نواياها أو عدالة كثير من أهدافها، وإنما السؤال عن قدرتها على امتلاك الوعي الذي يسمح لها بأن تراجع نفسها وحلفاءها ووسائلها بنفس الصرامة التي تراجع بها خصومها.الوعي الموضوعي الذي يجعلها تحافظ على توازنها الداخلها وتماسكها الأخلاقي حتي تبني جسور الثقة مع جماهيرها وقى التغيير الاخر.تساؤلات تعكس ظهور جراثيم الوعي الزائف فلا يمكن تجاهلها بل مواجهتها قبل تبتلع كل مشروع التغيير.إن أخطر ما تفعله جراثيم الوعي الزائف أنها تحجب الرؤية فلا نرى اختلال ميزان القوة لأننا نحتاج إلى الحليف، ولا نرى الضحية لأنها تربك روايتنا، ولا نرى أخطاء الحليف لأنها تهدد هويتنا، ولا نرى الآخر من قوى التغيير لأنه يختلف معنا. وعندما يحدث ذلك يصبح الوعي أداة لحماية الاختيار بدلاً من أن يكون أداة لمراجعته.لذا كانت رسالتنا اليوم تحمل تساؤلات العقل المنطقي الذي يعري التناقضات فهي ترياق ضد الوعي الزائف ويبدأ من هل تستطيع القوى المدنية إلزام الدعم السريع بقرار لا تريده؟ هل توجد مؤسسة تحقق في ممارسات المؤسسة العسكرية؟ هل هنالك سلطة تستطيع فرض العقوبات ومحاسبة ومراجعة السلطة العسكرية؟ هل تستطيع القوى المدنية السيطرة على الواقع الاقتصادي والمصالح الاجتماعية التي تتحقق من السلطة العسكرية؟ منذ أن تم التغيير هل تغيرت بنية الميليشيات ومصالحها؟ هل تغيرت اللغة السياسية المستخدمة؟ هل يستطيع القوى المدنية إدانة تحالفه بنفس الوضوح الذي يدين به خصمه؟ وأين ينتهي التنسيق التكتيكي وأين تبدأ التبعية السياسية؟ والحقيقة يقود المدنيون السلاح أم يمنحون السلاح غطاء مدنيآننا لانزعم اننا نمتلك الإجابة على هذه التساؤلات، لكننا نؤكد أهميتها لفتح أبواب الحوار الذي يساعدنا في الانتقال إلى الوعي الفعّال حيث يبدأ باستعادة القدرة على الرؤية رؤية الواقع كما هو لا كما نتمناه، ورؤية الضحية بصرف النظر عن هوية من اعتدى عليها، ورؤية الحليف باعتباره قابلاً للمحاسبة والمراجعة، ورؤية المختلف باعتباره جزءاً من قوى التغيير لا عدواً لها. والأهم استعادة الثقة في بناء القوة المدنية المستقلة والكتلة الاجتماعية الحرجة والمؤسسات القادرة على جعل السلاح خاضعاً للمجتمع، حتى لا تنتهي رحلة البحث عن التحرر ليس فقط بضياع مشروعه الإنساني بل بالعكس يقوم بإعادة إنتاج بنية القهر التي خرجت قوى التغيير أصلاً لتفكيكها وهدم مؤسساتها.The post خمس رسائل في محراب قوى التغيير: تأسيس دولة التحرر… وسايكولوجية تناقض الهدف مع الوسائل (الرسالة الثانية) appeared first on صحيفة مداميك.