مشاركة الفنان مامون سوار الدهب في مهرجان الإذاعة والتلفزيون العربي أثارت قدراً كبيراً من النقد والجدل، خصوصاً بعد أن اختار أن يقدم لوناً غنائياً معروفاً في السودان، يرتبط بأغاني السيرة والحماس وباللهجة السودانية المحلية، أمام جمهور عربي واسع قد لا يكون معتاداً على هذا النوع من الإيقاعات والمفردات.وقبل أن أتحدث عن مشاركته، أود أن أهنئ مامون سوار على هذه الخطوة الجريئة والشجاعة.وبكل صراحة، أنا لست من المتابعين الدائمين لمامون سوار الدهب، ولا أعرف له عدداً كبيراً من الأعمال الخاصة، وكانت معرفتي به في الأساس من خلال ظهوره في بعض البرامج الرمضانية وترديده لأغانٍ معروفة لفنانين آخرين. لكن مشاركته في هذا المهرجان جعلتني أتوقف عند ما قدمه، وأعيد النظر في قيمة التجربة بعيداً عن الحكم السريع عليها.في تقديري، مامون لم يذهب إلى المهرجان ليكرر ما اعتاد الجمهور العربي سماعه، بل ذهب ليقدم صوتاً سودانياً مختلفاً.وهنا تكمن أهمية التجربة.الأذن العربية اعتادت إلى حد كبير على أنماط موسيقية ومقامات وإيقاعات مألوفة، بينما جاءت مشاركة مامون بلون سوداني يحمل خصوصيته الإيقاعية واللحنية والمفردات المحلية. وربما كانت بعض كلمات الأغنية غير مفهومة حتى لعدد من السودانيين، فما بالك بالمتلقي العربي الذي يسمع اللهجة السودانية لأول مرة بهذا الشكل؟لكن هذا تحديداً هو ما يجعل التجربة جديرة بالتوقف عندها.في أغنية «مامون بريد تومي»، شعرت بحماس واضح من العازفين وهم يتعاملون مع الإيقاع، ولاحظت حرص الكورس على نطق الكلمات السودانية بصورة دقيقة، وكأن الجميع كان مدركاً أن الأمر لا يتعلق بمجرد أداء أغنية، وإنما بتقديم هوية موسيقية ولهجة وثقافة كاملة أمام جمهور عربي.ولهذا أختلف مع كثير ممن وجهوا النقد للمشاركة.ليس لأن كل ما قدمه مامون يجب أن يكون بمنأى عن النقد، بل لأنني أرى أن التجربة نفسها تستحق أن تُقرأ من زاوية مختلفة. فقد يكون مامون سوار، بقصد أو بغير قصد، قد طبق مقولة «خالف تُذكر».ففي الوقت الذي كان يمكن أن يختار فيه أغنية عربية مألوفة تضمن له سهولة الوصول إلى أذن الجمهور، اختار أن يخوض منطقة أكثر صعوبة، وأن يقول للجمهور العربي: هذه أيضاً هي الموسيقى السودانية، وهذه هي لهجتنا، وهذا جزء من وجداننا الشعبي.وهنا تأتي نقطة أخرى مهمة جداً.بعد الحرب والنزوح الذي طال الشعب السوداني، وانتشار السودانيين في عدد كبير من الدول العربية وغيرها، حدث أمر ثقافي لافت، ربما لم ننتبه إليه بما يكفي.لقد بدأت اللهجة السودانية نفسها في الانتشار بصورة أكبر.الأسر السودانية النازحة تفاعلت مع المجتمعات التي استقبلتها، ونتجت عن ذلك علاقات اجتماعية وصداقات وجيرة وتواصل يومي مع شعوب عربية مختلفة. وكثير من الإخوة العرب كانوا يقولون لنا في السابق: «كلامكم سريع وما بنفهمه».لكن مع مرور الوقت، ومع هذا الاحتكاك الاجتماعي الكبير، أصبحت مفردات سودانية كثيرة مألوفة ومفهومة لدى عدد متزايد من العرب.ومن هنا، أعتقد أن مشاركة مامون سوار جاءت في لحظة لها دلالة خاصة.فهو لم يقدم مجرد أغنية سودانية، وإنما قدم شكلاً من أشكال الحضور الثقافي السوداني في مساحة عربية واسعة.والفن في النهاية ليس مطلوباً منه دائماً أن يقدم ما هو مألوف ومضمون. أحياناً تكون قيمة الفنان في قدرته على أن يضع أمام الجمهور شيئاً جديداً، حتى لو أثار الدهشة أو الاختلاف أو الجدل.ربما لم يتفق الجميع مع اختيار مامون، وربما كان هناك من يرى أن الأغنية أو اللهجة لم تكن الخيار الأنسب لمثل هذا المحفل، وهذا حق مشروع في النقد.لكن في المقابل، علينا ألا نغفل الجانب الآخر من الصورة:مامون سوار الدهب امتلك الجرأة ليقدم سودانياً خالصاً في مهرجان عربي.وهذه في حد ذاتها خطوة تستحق الاحترام والتأمل.فقد تعودنا أحياناً أن نحاول تبسيط فننا ولهجتنا حتى يصبحا مقبولين للآخر، بينما المطلوب أحياناً هو العكس تماماً: أن نقدم أنفسنا كما نحن، بتنوعنا، بإيقاعاتنا، بمفرداتنا، وبلهجتنا التي تحمل تاريخاً وذاكرة ووجداناً.وفي النهاية، قد يختلف الناس حول أداء مامون سوار، وقد يختلفون حول اختياره الفني، وهذا طبيعي.لكن لا أعتقد أننا يجب أن نختصر التجربة في سؤال: هل أعجبتنا الأغنية أم لا؟السؤال الأهم هو:هل استطاع مامون أن يلفت الانتباه إلى لون سوداني مختلف؟وفي تقديري، نعم، لقد فعل ذلك.وربما تكون قيمة مشاركته الحقيقية ليست في أنها أرضت الجميع، وإنما في أنها دفعت الناس للحديث عن الأغنية السودانية ولهجتها وإيقاعها وثقافتها.وهنا تحديداً تصبح المشاركة أكثر من مجرد ظهور فنان في مهرجان.تصبح حضوراً للهوية السودانية في المشهد العربي