حوار : يوسف النعمة تتسع الكارثة الإنسانية في السودان وتبلغ كل شيء؛ من الغذاء والعلاج والماء، إلى مصير آلاف المفقودين وحق عائلاتهم في معرفة مصائرهم. أكثر من 11 مليون شخص نزحوا، ونحو 33 مليوناً يحتاجون إلى المساعدات الإنسانية، بينما تدير اللجنة الدولية للصليب الأحمر أكثر من 11 ألف حالة لمفقودين، وتُقدّر أن 70% إلى 80% من المرافق الصحية في مناطق النزاع لم تعد تعمل.في هذا الحوار، يكشف الأستاذ فريد الحميد، المتحدث باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر في السودان، حجم المأساة، وما تواجهه اللجنة في الوصول إلى المدنيين، ومتابعة المفقودين والمحتجزين، وإعادة الروابط بين الأسر، ودعم الصحة والمياه وسبل كسب العيش. بداية أستاذ فريد، تُقدّر اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن الأزمة الإنسانية في السودان تتفاقم. ما هي أحدث الأرقام المتعلقة بعدد المفقودين، والمحتاجين إلى المساعدات الإنسانية، والنازحين داخلياً، وعدد المرافق الصحية التي خرجت عن الخدمة؟ مع دخول النزاع المسلح في السودان عامه الرابع، لا يزال البلد يواجه أكبر أزمة نزوح في العالم، ويُعدّ واحدة من أشد الأزمات الإنسانية على مستوى العالم. ووفقاً للتقديرات، يحتاج نحو 33 مليون شخص — أي أكثر من ثلثي السكان — إلى مساعدات إنسانية، كما نزح أكثر من 11 مليون شخص، بينهم 4 ملايين فروا من البلاد بحثاً عن الأمان.وفيما يتعلق بالمفقودين، تدير اللجنة الدولية للصليب الأحمر وجمعية الهلال الأحمر السوداني حالياً أكثر من 11,000 حالة نشطة لأشخاص مفقودين، منها أكثر من 9,000 حالة تم تسجيلها منذ بداية النزاع الحالي في أبريل 2023. غير أن هذا الرقم يمثل الحالات المسجلة لدى اللجنة الدولية للصليب الأحمر فحسب؛ ونظراً لأن العديد من الأسر غير قادرة على الإبلاغ أو تختار عدم القيام بذلك بسبب الظروف الأمنية أو الاجتماعية، فإن هذه الحالات المسجلة لا تعكس إلا جزءاً بسيطاً من الواقع الصعب. وبالتالي، يُرجح أن يكون العدد الفعلي للمفقودين في السودان أعلى بكثير.كما أن انهيار الخدمات الأساسية كارثي بنفس القدر؛ حيث يُقدّر أن ما بين 70% و80% من المرافق الصحية في المناطق المتأثرة بالنزاع لم تعد تعمل، مما يحرم ثلثي المدنيين من الحصول على الرعاية الصحية. مع تعقّد النزاع وتعدد أطرافه، ما أبرز التحديات التي تواجه اللجنة في الوصول إلى المدنيين وتأمين ممرات إنسانية آمنة؟ وما هي الجهود التي تبذلونها في تطبيق ما يُعرف بـ “الدبلوماسية الإنسانية” لضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها؟ تتمثل التحديات الرئيسية في حدة القتال، وانعدام الأمن على نطاق واسع، والأضرار الجسيمة التي لحقت بالبنية التحتية المدنية الأساسية، مما يؤدي إلى سلسلة من الآثار الثانوية المتتالية. وتثير انقطاعات الاتصالات المطوّلة قلقاً خاصاً؛ لأنها تعزل المجتمعات، وتحد من الوصول إلى المعلومات الحيوية، وتقيد بشكل كبير قدرتنا على تنسيق العمليات.تواصل اللجنة الدولية للصليب الأحمر إجراء حوار ثنائي وغير علني مع جميع الجهات المنخرطة في الأعمال العدائية لتذكيرها بالتزاماتها بموجب القانون الدولي الإنساني. ففي النصف الأول من عام 2026 وحده، درّبنا المئات من حاملي السلاح والضباط على قواعد الحرب. ورغم أن السلطات قد قطعت التزامات مهمة، مثل إعلان جدة في مايو 2023، إلا أن الواقع على الأرض لا يزال مقلقاً للغاية، حيث تواصل المجتمعات تحمل العواقب المدمرة للنزاع. ولا يزال نداؤنا الدائم هو أن تحترم جميع أطراف النزاع القانون الدولي الإنساني، وتحمي البنية التحتية المدنية، وتضمن وصولاً إنسانياً آمناً وغير مقيد ومستدام.احترام القانون الدولي الإنساني ليس مجرد التزام قانوني فحسب، بل هو أمر جوهري للحفاظ على النسيج الاجتماعي في السودان ومنع معاناة إضافية قد يصعب التعافي من تداعياتها. تواصل اللجنة جهودها في زيارة المحتجزين ولمّ شمل الأسر التي فرقتها الحرب. إلى أين وصلت هذه الجهود، وما أبرز التحديات التي تعترض جهودكم في ظل استمرار النزاع؟ ننفذ استجابة شاملة في مجال إعادة الروابط العائلية. ففي النصف الأول من عام 2026 وحده، ساعدنا 38,512 عائلة على إعادة التواصل أو الحفاظ عليه من خلال مكالمات هاتفية مجانية، إلى جانب توفير خدمات الإنترنت اللاسلكي (واي فاي) وشحن بطاريات الهواتف المحمولة. علاوة على ذلك، ومن خلال عملنا المتواصل على قضايا المفقودين، تم بنجاح توضيح مصير ومكان وجود 613 شخصاً مسجلاً لدى اللجنة الدولية.أما فيما يتعلق بالاحتجاز، فلا يزال الوصول إلى أماكن الاحتجاز مقيداً بشدة، مما يخلق تحديات كبيرة لمراقبة الظروف، والحفاظ على الروابط العائلية، وضمان حماية المحتجزين. ولحماية المحتجزين وضمان استمرار وصولنا، تظل التفاصيل المحددة لهذه الزيارات سرية تماماً، تماشياً مع إجراءاتنا التشغيلية القياسية في جميع أنحاء العالم. يرتبط عمل اللجنة الدولية للصليب الأحمر بشراكة ميدانية وثيقة مع جمعية الهلال الأحمر السوداني. كيف تقيمون هذه الشراكة؟ وما حجم إسهامها في إيصال المساعدات الإنسانية إلى الفئات الأكثر تضرراً في مختلف ولايات السودان؟ هذه الشراكة حيوية للغاية. تقود جمعية الهلال الأحمر السوداني جهود الاستجابة في الخطوط الأمامية، حيث يتواجد أكثر من 9,000 متطوع في 18 ولاية، مما يجعلها في موقع فريد للوصول إلى الفئات الأكثر ضعفاً. في النصف الأول من عام 2026 وحده، شملت استجابتنا المشتركة ما يلي:تقديم مساعدات غذائية لـ 42,000 نازح في الأبيض، ومساعدات نقدية لأكثر من 57,000 نازح داخلياً في ولايات متعددة.توزيع مواد إغاثية أساسية على ما يقرب من 8,800 نازح في مخيم كوستي.استعادة الوصول إلى المياه المأمونة والصرف الصحي لما يقرب من 150,000 شخص، إلى جانب حملات تعزيز النظافة لمكافحة تفشي الأمراض.دعم المرافق الصحية الأولية والمستشفيات لعلاج عشرات الآلاف من المرضى، بما في ذلك الاستجابة لتفشي الكوليرا والملاريا. ولا يمكن تحقيق أي من هذا على هذا النطاق دون جهود جمعية الهلال الأحمر السوداني. في ظل الانهيار الذي يشهده قطاع الطب الشرعي، قدمت اللجنة دعماً لعدد من المستشفيات والهلال الأحمر السوداني في مجالات إدارة رفات الموتى والدفن الآمن. ما تقديراتكم لعدد الضحايا، وما الذي يكفي لصون كرامتهم الإنسانية ومنع تحولهم إلى مفقودين؟ تشكل إدارة وتحديد هوية الموتى تحدياً إنسانياً مقلقاً للغاية. ففي الخرطوم وحدها، تشير التقارير إلى أنه تم انتشال ودفن أكثر من 20,000 جثة، وفي كثير من الحالات دون توثيق أو سجلات كافية. وهذا يجعل عملية تحديد الهويات صعبة للغاية في المستقبل، مما يترك العائلات في حالة من عدم اليقين لفترات طويلة بشأن مصير أحبائها.تعمل اللجنة الدولية وجمعية الهلال الأحمر السوداني على دعم السلطات والجهات المعنية لضمان أن تكون ممارسات الدفن آمنة وكريمة. ففي النصف الأول من عام 2026، وزعنا أكثر من 6,400 كيس جثث ودربنا المستجيبين الأوائل على ممارسات الدفن الآمن، وهو أمر بالغ الأهمية لتحديد هويات الموتى مستقبلاً. يُعدّ تعزيز أنظمة التعامل مع جثث الموتى وتوثيقهم وتحديد هوياتهم بطريقة كريمة أمراً جوهرياً للحفاظ على الكرامة الإنسانية وتزويد العائلات بإجابات، وحيثما أمكن، وضع حد لحالة عدم اليقين التي يعانون منها. شهدت الخرطوم مؤخراً تنظيم ورش تدريبية لحاملي السلاح حول التطبيقات العملية للقانون الدولي الإنساني. إلى أي مدى تلمسون أثر هذه البرامج على سلوك أطراف النزاع، وما هي رسالتكم الأساسية لهم بشأن حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية؟ نحن نعقد ورش عمل لحاملي السلاح من جميع الجهات المنخرطة في الأعمال العدائية في السودان حول التطبيق العملي للقانون الدولي الإنساني. تهدف هذه الجلسات إلى تعزيز احترام القانون الدولي الإنساني ودمج قواعد الحرب في الإجراءات العملياتية. ففي النصف الأول من عام 2026 وحده، دعمت اللجنة الدولية للصليب الأحمر علاج ما يقرب من 5,000 شخص أصيبوا بجروح بسبب الأسلحة في 18 مستشفى، مما يسلط الضوء على العواقب الإنسانية الهائلة للعنف المستمر.بموجب القانون الدولي الإنساني، تمتد الحماية ليس فقط إلى أولئك الذين لا يشاركون في الأعمال العدائية — مثل المدنيين — وأولئك الذين لم يعودوا يشاركون فيها — مثل الجرحى والمرضى والمحتجزين — بل تمتد أيضاً إلى المرافق الطبية، ومنشآت المياه، والبنية التحتية المدنية الأساسية الأخرى التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين. يُعد احترام هذه الحماية، وضمان عدم مهاجمة هذه البنية التحتية أو الإضرار بها أو استخدامها لأغراض تتعارض مع وضعها المحمي، أمراً جوهرياً لحماية حياة المدنيين والحفاظ على الوصول إلى الخدمات التي تعتمد عليها المجتمعات. نفذت اللجنة بالتعاون مع وزارة الصحة حملة لمكافحة نواقل الأمراض في مخيمات النازحين والعائدين بإقليم النيل الأزرق، استفاد منها نحو 140,000 شخص. ما أهمية هذا النوع من التدخلات الوقائية في ظل تدهور الأوضاع الصحية واقتراب موسم الأمطار؟ أدى انهيار البنية التحتية للمياه والصرف الصحي إلى تفشي الأمراض، وقد فاقم موسم الأمطار هذا الوضع بشكل كبير، مما عرّض النازحين الذين يعيشون في مخيمات النزوح والتجمعات المكتظة لخطر الإصابة بالأمراض المنقولة بالمياه مثل الكوليرا، فضلاً عن الأمراض المنقولة بالنواقل مثل حمى الضنك والملاريا.بدلاً من مجرد الاستجابة لتفشي الأمراض، تهدف حملات مكافحة النواقل وتعزيز النظافة التي تدعمها اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى منع حدوثها من الأساس. وتمثل حماية الناس من هذه الأمراض جزءاً أساسياً من الحفاظ على الحياة والحد من العواقب طويلة الأمد للنزاع عندما يكون النظام الصحي الرسمي مثقلاً بالأعباء. إلى جانب الاستجابة الطارئة، تدعم اللجنة آلاف الأسر الزراعية عبر توفير البذور والمدخلات الزراعية. كيف تنظرون إلى دور هذه البرامج في تعزيز الأمن الغذائي، والانتقال من الإغاثة العاجلة إلى بناء قدرة المجتمعات على الصمود؟ الإغاثة الطارئة تنقذ الأرواح اليوم، لكن دعم سبل كسب العيش يضمن البقاء غداً. فقد أدى القتال إلى تعطيل الوصول إلى الأراضي وإجبار المزارعين على تفويت مواسم الزراعة، مما أدى إلى انعدام الأمن الغذائي. ولمواجهة ذلك، دعمت اللجنة الدولية مؤخراً 61,200 شخص، بما في ذلك النازحون وأفراد المجتمع المضيف، في ولايات وسط دارفور وشرق دارفور وكسلا وغرب دارفور بمساعدات سبل كسب العيش لمساعدتهم على استئناف الزراعة.تعتبر هذه البرامج حيوية لتعزيز الأمن الغذائي، والحفاظ على الاكتفاء الذاتي، وتسهيل الانتقال من الاعتماد الصرف على المساعدات الطارئة إلى بناء قدرة المجتمعات على الصمود على الممد الطويل. فهي تتيح للعائلات البقاء على أراضيها، والحفاظ على كرامتها، ووضع الأسس للتعافي في نهاية المطاف. ختاماً، كيف تقيمون واقع المجتمعات السودانية الأكثر حاجة للدعم حالياً في ظل استمرار النزاع، وما العواقب التي قد تترتب على ذلك في حال استمر الوضع الراهن؟ الواقع الحالي هو أزمة كارثية ومتصاعدة. فالمجتمعات محرومة من الخدمات الأساسية، مع توقف ما يُقدّر بنحو 70% إلى 80% من المرافق الصحية في مناطق النزاع عن العمل، وتصاعد انعدام الأمن الغذائي بسبب تعطل مواسم الزراعة. وراء هذا الانهيار العام، هناك ملايين الأفراد الذين يكافحون يومياً من أجل البقاء.بدون تحول حاسم نحو احترام القانون الدولي الإنساني، سيزداد ثمن التقاعس بشكل مضطرد. فكلما استمر تدمير البنية التحتية الأساسية وتجاهل القانون الدولي الإنساني، أصبح من الأصعب والأكثر تكلفة استعادة الرعاية الصحية وأنظمة المياه وسبل كسب العيش. علاوة على ذلك، فإن قضايا المفقودين غير المحلولة والتعرض المستمر للعنف يهددان بتعميق الانقسامات المجتمعية وتعقيد أي جهود مستقبلية نحو المصالحة. إن التمسك بمبادئ الإنسانية، وحماية الحياة والكرامة الإنسانية، والحفاظ على النسيج الاجتماعي في السودان، هي مسؤوليات مشتركة تتطلب التزاماً مستمراً من جميع من هم في موقع يسمح لهم بإحداث فرق.The post المتحدث باسم الصليب الأحمر في السودان لـ”مداميك”: أكثر من 11 مليون نازح، و11 ألف مفقود، ونحو 33 مليوناً يحتاجون للمساعدات الإنسانية. appeared first on صحيفة مداميك.