كانت سامية يوسف عمر تركض ليلاً في مقديشو، متخفيةً عن أعين المتشددين، فيما كانت تحلم بأن تصبح عداءةً أولمبية. وصلت، في السابعة عشرة، إلى أولمبياد بكين 2008، ثم واصلت مطاردة حلمها نحو لندن. وحين ضاقت بها سبل البقاء في الصومال، غادرت في رحلةً طويلةً عبر إثيوبيا والسودان والصحراء الليبية، قبل أن تواصل طريقها بحراً نحو إيطاليا عام 2012. بعد ذلك أعاد الكاتب الإيطالي جوزيبي كاتوتسيلا بناء قصتها في رواية “لا تقولي إنك خائفة”، التي استندت إلى حياتها الحقيقية وأعادت صياغتها روائياً، لتحمل سيرة العداءة الصومالية إلى قارئٍ لم يعرفها من قبل.اليوم السبت، يشارك كاتوتسيلا في دبلن في الدورة الرابعة من مهرجان الأدب الإيطالي والأيرلندي “FIILI”، الذي اختار “الأدب بوصفه مقاومة” عنواناً له. ويجمعه اللقاء الختامي بالروائية الأيرلندية ويندي إرسكين في جلسة “السرد فعل من أفعال المقاومة السياسية”، فيما يضع المهرجان تجارب روائية وشعريةٍ وترجميةٍ مختلفة أمام سؤال واحد عن علاقة الكتابة بالواقع ومقدار ما تستطيع الاحتفاظ به من أصوات وتجارب مهددة بالنسيان.وتأخذ تجربة كاتوتسيلا معنى إضافياً مع روايته “زهرة الأوهام”، التي فازت بجائزة إيلّيو فيتوريني لعام 2025. يتابع العمل فرانشيسكو، القادم من جنوب إيطاليا إلى شمالها، لتصير الكتابة وسيلةً لفهم التحول الاجتماعي والمسافة بين المكان الذي جاء منه والمكان الذي يعيش فيه. ووصفت لجنة الجائزة الرواية بأنها عملٌ في التكوين يتناول انتقال الفرد من جنوبٍ فقيرٍ إلى شمالٍ أكثر ثراءً، وما يتركه هذا الانتقال من أثر في الذاكرة والقيم والعلاقات. كما صدرت الرواية بالفرنسية في 2026.أما الكاتبة الأيرلندية إرسكين، فتحضر بروايتها الأولى “المحسنون”، التي أدرجتها جائزة “المرأة للرواية” ضمن قائمتها الطويلة لعام 2026 تدور الرواية حول ثلاث أمهات في بلفاست، وتتشابك فيها الطبقة والمال والعائلة والأمومة، على نحوٍ يجعل الحياة الخاصة مساحةً لقراءة التفاوتات الاجتماعية وتحولات المجتمع الإيرلندي.وتتخذ أسئلة الانتماء والاقتلاع شكلاً آخر في تجربة نادياشا أوينغودا، الكاتبة الإيطالية المولودة في سريلانكا، صاحبة “Acqua sporca”، الفائز بجائزة كامبيلو للعمل الروائي الأول لعام 2026. تنطلق الرواية من عودة نيلة إلى سريلانكا بعد ثلاثين عاماً في إيطاليا، وتتحرك داخل عائلةٍ موزعة بين بلدين، حيث تصبح الهجرة جزءاً من تكوين الذاكرة والهوية والعلاقات.وتتسع فكرة المقاومة في المهرجان إلى الشعر، مع الشاعرتَين الإيطالية لورا بونيو والإيرلندية أيلبه ني غاربويغ وغوستاف باركر هيبيت، وإلى التاريخ والديستوبيا والخيال الاستشرافي مع مارتينا ديفلن وتوماسو بينتشيو. كما تحضر “قوة الشخصي” في مواجهة الضجيج المعاصر، في محورٍ يجمع داريا بيناردي ومارتن دويل. هذه الموضوعات تمنح مفهوم المقاومة امتداداً أدبياً يتجاوز المواجهة السياسية المباشرة، ليصل إلى الذاكرة والهوية واللغة وتجربة الفرد داخل المجتمع.وتحتل الترجمة موقعاً أساسياً في هذا التصور، من خلال المترجمة صوفي هيوز، التي تقدم ورشة للترجمة الأدبية وتشارك بينتشيو في جلسة “الترجمة بوصفها مقاومة”، فالانتقال بين اللغات يغير مجال وصول النص، كما يفتح أمام التجارب المحلية قراء من خارج بيئاتها الأصلية. ولهذا تبدو الترجمة في المهرجان جزءاً من السؤال نفسه الذي يطرحه عنوانه: كيف يمكن للأدب أن يجعل التجربة قابلةً للعبور وأن يمنحها حياة تتجاوز حدود المكان الذي ولدت فيه؟The post في مهرجان “FIILI” بدبلن… الكتابة فعلٌ من أفعال المقاومة appeared first on صحيفة مداميك.