خالد عمر يوسفعرفنا د. حيدر عن بُعد، ونحن يفعٌ شاءت الأقدار أن يعيشوا أكثر عقود السودان ظلامية عقب انقلاب الجبهة الإسلامية في العام 1989. كنا وقتها نواجه أقصى أشكال العسف من قبل نظام فاشي لا كوابح أخلاقية تحدُّ إجرامه. كنا في أولى عتبات الدراسة الجامعية، محض شباب غاضبين من كل ما نمر به، فوقعت في أيدينا كتابات د. حيدر إبراهيم: «أزمة الإسلام السياسي – الجبهة الإسلامية القومية نموذجاً»، و«التيارات الإسلامية وقضية الديمقراطية»، و«لاهوت التحرير»… كانت هذه الكتب منارات منحتنا فهماً أوسع لما يجري من حولنا، وذخيرة فكرية نحصن بها أنفسنا من ثقل وطأة التجربة التي كنا نمر بها.كان د. حيدر وقتها يقود جبهة المقاومة الفكرية لنظام الإنقاذ من منفاه في القاهرة التي أحبها وألفها. أدار منها مركز الدراسات السودانية، الذي كان شعلة ثقافية متقدة .. يطبع الكتب، ويعقد المؤتمرات، ويصدر الدوريات. كانت هذه الإصدارات وقتها محظورة داخل السودان، فكنا نتلقفها خلسة كمن يتداول الممنوعات. فقد كانت حيازة كتاب للدكتور حيدر إبراهيم حينها جرماً قد يلقي بك في غياهب معتقلات نظام الجبهة الإسلامية الفاشي لردح من الزمان.عقب اتفاق مشاكوس في العام 2002 وما تلاه من انفتاح نسبي محدود، اختار د. حيدر أن يعود إلى بلاده التي افتقدها وافتقدته، وافتتح مركز الدراسات السودانية بالخرطوم، وحوّل مقره الصغير إلى شعلة متقدة للمعرفة والاستنارة. كان المقر عامراً بالمنتديات والفعاليات الثقافية والفكرية، وافتتح به مكتبة للقراءة العامة المجانية. كنا نزورها وننهل منها، ونحن غير مصدقين ما أتاحه لنا هذا العَلَم من معارف غزيرة دون مقابل.في العام 2003، وحين انتصرت قائمة المعارضة على طلاب المؤتمر الوطني في انتخابات جامعة الخرطوم، ذهبنا إليه ضمن وفد من عضوية الاتحاد نطلب منه أن يساعدنا في إنهاء حالة الظلام المعرفي التي أطبقت على الجامعة منذ انقلاب الجبهة الإسلامية في العام 1989. فما كان منه إلا أن رفع هاتفه وأجرى اتصالات بنخبة من المفكرين العرب، مثل علي حرب وطيب تيزيني، مشجعاً إياهم على الحضور إلى الخرطوم لإقامة ندوات في الجامعة. كانت عيناه تشعان فرحاً بهذه المساحة التي أتيحت لنشر المعرفة، وقال إنه متكفل بغالب المتطلبات. وأذكر وقتها أن متبقي تكلفة ذلك المحفل تكفّل بتغطيتها أ. محمد لطيف عبر مؤسسته الرائدة «طيبة برس».منذ ذلك الوقت عرفت د. حيدر كفاحاً، وصارت لي معه حوارات مطولة، في الخرطوم وخارجها. كلما التقيته كنت كالمتبتل في محراب علمه. فقد كان حيدر شعلة معرفية لا تهدأ، مهموماً برفاه وطنه وشعبه، لا يتوقف عن التفكير وابتدار الجديد المفيد في أحلك الأوقات وأفضلها. لم أره يوماً محبطاً أو فاتر الهمة، بل كان دوماً مبتسماً ومتطلعاً إلى غد أفضل.عرفته في سنوات مقاومة الإنقاذ، فكان نموذجاً للمناضل الصلب المستقيم. عملنا عن قرب خلال الفترة الانتقالية، وكان منارة تكشف تحديات الحاضر وفرص المستقبل. والتقينا في محطات عديدة عقب الحرب، ورغم تمكّن المرض من جسده، فإن عقله وفكره ظلا كما هما، خلية تشتعل حيوية دون كلل أو ملل.وفي آخر لقاءاتنا، في القاهرة بمنزله في المعادي، خشيت بحق أن تكون تلك هي المرة الأخيرة. حرصت أن أجلس بقربه وأستمع إليه، وأشكر الله أن قيّض لنا أن نعيش زماناً عاش فيه د. حيدر إبراهيم.اللهم تقبّل عبدك د. حيدر إبراهيم القبول الحسن، وألهم زوجته ورفيقة دربه وأبناءه وبناته الصبر والسلوان في هذا المصاب الجلل، وأسكنه فسيح جناتك، وتلطّف ببلادنا التي تفقد في كل يوم أحد قاماتها، في وقت تعاظمت فيه عليها المصائب والأزمات.في أمان الله يا د. حيدر… ظلّلك الله برحمته الواسعة بقدر ما أعطيت لبلادك وشعبك… ولا حول ولا قوة إلا بالله، وإنا لله وإنا إليه راجعون.The post برحيل د. حيدر إبراهيم، انهد ركن ركين من أوتاد البلاد في وقت تحيط بها الزعازع appeared first on صحيفة مداميك.