أ.د. عاصم التجاني شمعون في كل منظمة موظفون يعرفون أشياء كثيرة. يعرفون أين تتعطل الإجراءات، وأين يضيع الوقت، وأين تتكرر الأخطاء، وأحيانًا يعرفون ما الذي يمكن أن يجعل العمل أفضل وأسهل. لكن بعض هؤلاء الموظفين لا يتكلمون. ليس لأنهم لا يرون المشكلة، ولا لأنهم لا يملكون فكرة، وإنما لأنهم قد يكونون تعلموا أن الكلام لا يغير شيئًا، أو أن النقد قد يسبب لهم مشكلة، أو أن أحداً لا يريد أن يسمع.وهنا تبدأ خسارة المنظمة؛ فبعض أخطر الخسائر لا تظهر في الميزانيات والتقارير. قد تكون الخسارة في فكرة لم يقلها أحد، ومشكلة لم يحذر منها أحد، وخطأ رآه أحد الموظفين لكنه فضل الصمت.لماذا يصمت الموظف؟قد يصمت الموظف لأنه يخاف من رد فعل المدير.وقد يصمت لأنه قال رأيه من قبل ولم يجد اهتمامًا.وقد يصمت لأنه رأى زميلًا تحدث بصراحة ثم دفع ثمن ذلك.وقد يصمت ببساطة لأنه لم يعد يؤمن بأن الكلام يمكن أن يغير شيئًا.لذلك لا يمكن أن نقول دائمًا إن الموظف الصامت راضٍ؛ أحيانًا يكون الصمت خوفًا، وأحيانًا يكون تعبًا، وأحيانًا يكون لامبالاة، وأحيانًا يكون فقدانًا للثقة. وهنا يجب على المنظمة أن تسأل نفسها سؤالًا بسيطًا: هل موظفونا صامتون لأن كل شيء يسير جيدًا، أم لأنهم لا يشعرون بالأمان عندما يتكلمون؟الموظف يرى ما لا تراه الإدارة:الإدارة تنظر عادة إلى المنظمة من الأعلى، أما الموظف فيعيش تفاصيل العمل كل يوم. هو الذي يتعامل مع العميل، ويتابع المعاملة، ويستخدم النظام، وينتظر الموافقة، ويواجه المشكلة عندما تحدث. ولهذا قد يرى الموظف المشكلة قبل أن تصل إلى مكتب المدير.وهذه ليست مشكلة في حد ذاتها، بل يمكن أن تكون فرصة كبيرة للمنظمة. المشكلة تبدأ عندما ترى الإدارة الصمت على أنه رضا، بينما يكون الصمت في الحقيقة رسالة لم تصل.ماذا تخسر المنظمات عندما يخاف الناس من الكلام؟تخسر المنظمة الأفكار الجديدة، وتخسر التحذير المبكر من المشكلات، وتخسر معرفة الموظفين وخبرتهم. وقد تستمر مشكلة صغيرة لأشهر أو سنوات لأنها لم تجد من يملك الشجاعة ليتحدث عنها. وفي بعض الأحيان لا تكون المشكلة في غياب الحل، بل في أن الشخص الذي يعرف الحل لا يجد المساحة المناسبة ليقوله.وهنا تظهر مسؤولية المدير؛ فالمدير الجيد ليس هو الذي يسمع الأخبار الجميلة فقط، وإنما الذي يستطيع أن يسمع الخبر الذي لا يعجبه أيضًا. وليس المطلوب أن يوافق المدير على كل رأي، ولا أن يقبل كل نقد؛ المطلوب فقط أن يجعل الموظف يشعر أن قول الحقيقة لن يحوله إلى مشكلة.المنظمة التي تسمع مبكراً تصلح مبكراً:قد يكون النقد مزعجًا، لكنه في كثير من الأحيان أكثر فائدة من المجاملة. عندما يخبرك الموظف عن مشكلة صغيرة اليوم، لديك فرصة لمعالجتها قبل أن تصبح مشكلة كبيرة غدًا. وعندما يقول الموظف إن هناك إجراءً يضيّع وقت الناس، يمكنك أن تراجعه. وعندما يقول إن العملاء غير راضين، يمكنك أن تبحث عن السبب. وعندما يقدم فكرة جديدة، يمكنك اختبارها. أما عندما يصمت الجميع، فقد يبدو كل شيء هادئًا، بينما تكون المشكلات تكبر في الداخل.لذلك لا ينبغي للمنظمة أن تخاف من سماع أخبارها السيئة؛ فالخبر السيئ الذي يصل مبكرًا قد يكون أفضل خبر يمكن أن تسمعه الإدارة.الصمت يمكن أن يصبح ثقافة:المشكلة الأكبر أن الصمت لا يبقى دائمًا سلوكًا فرديًا. إذا تعود الموظفون على أن الكلام لا يُسمع، أو أن النقد يُعاقَب عليه، يبدأ الناس في تعليم بعضهم بعضًا الصمت. يقول الموظف الجديد لزميله: «لا تتحدث، لن يتغير شيء»، ومع الوقت تصبح هذه الجملة جزءًا من ثقافة المنظمة. وهنا لا يعود الصمت مشكلة موظف واحد، بل يصبح مشكلة منظمة كاملة.لذلك فإن بناء بيئة عمل جيدة لا يعني فقط أن ندفع الرواتب ونقيم الأداء ونضع اللوائح، بل يعني أيضًا أن يشعر الإنسان بأنه يستطيع أن يقول: “هناك مشكلة”، وأن يستطيع أن يقول: “لدي فكرة”، وأن يستطيع حتى أن يقول: “أعتقد أن القرار الحالي غير صحيح”، ثم يجد من يسمعه ويحترم كلامه، حتى لو لم يأخذ برأيه.الكلمة الأخيرة:المنظمة الناجحة ليست المنظمة التي لا توجد فيها أخطاء، فهذا غير ممكن. المنظمة الناجحة هي التي تعرف أخطاءها مبكرًا، وتسمح لمن يراها أن يتحدث عنها. فالموظف ليس مجرد شخص ينفذ التعليمات؛ إنه عين ترى، وعقل يفكر، وخبرة تتراكم كل يوم. وليست المشكلة أن موظفيك لا يملكون أفكارًا، ربما المشكلة أنهم لا يشعرون بالأمان الكافي ليقولوها. وأحيانًا يكون أول طريق إصلاح المنظمة هو أن يتعلم المديرون كيف يسمعون.The post الموظف الذي لا يتكلم: ماذا تخسر المنظمة من الصمت؟ appeared first on صحيفة مداميك.