الجوع والنزوح.. حربٌ أخرى تُوقد النار في بطون السودانيين

Wait 5 sec.

ارتفاع الأسعار يعمق أزمة التكايا والمطابخ الخيرية مداميك: حواء رحمة الصورة قد لا تكون واضحة لمن لا يعايشها على أرض الواقع، إذ يكتفي المسؤولون برؤية الناس يمشون في الطرقات والأسواق، ولكن عن ماذا يبحثون؟ هذا سؤال لا يهمهم كثيراً فيما يبدو، فهم ينظرون إلى صمود المواطنين وعودتهم بأنه انتصار وشجاعة وليس احتياجاً وحيرة وعدم حيلة.هذه النظرة هي أسُّ الأزمة، فالقائمون على الأمر لا ينظرون إلى ارتفاع الأسعار الجنوني بأنه أحد أشكال الحرب على البسطاء، وهو ليس أقل فتكاً من السلاح؛ فالجوع يقتل، ومرض الجوع صعب علاجه إن وُجد علاج. من هذه الزاوية يجب أن ينظروا إلى حال الناس الذين يعتمدون على التكايا يومياً بسبب قلة الدخل وتحدي الأسعار. العبارات أعلاه هي آراء لمواطنين ظلوا يكافحون آثار الحرب بكل أشكالها، ويتذمرون من لا مبالاة المسؤولين.ما أن ينقشع الصباح وتبدأ ملامح اليوم، لا همَّ يشغل بال السيدة أم فاطمة عيسى غير الحصول على القليل من البليلة لتسد بها الرمق وأسرتها المكونة من 6 أفراد تقطعت بهم السبل بعد أن نزحوا إلى مناطق أكثر أماناً، من فيافي دارفور إلى مخيمات النزوح في الشمال، إذ أصبح أغلى ما يحصلون عليه في اليوم هو القليل من البليلة بعد أن تركوا نعيم منازلهم ونجوا بأرواحهم.التكايا منقذ لحياة الآلافالتكايا لم تكن مجرد مشروع تطوع لشباب وشابات اختاروا المجازفة في أحلك الظروف ليوفروا للعالقين والنازحين لقمة عيش بعد أن تخلت الدولة عن واجبها تجاه المواطن طوال سنوات الحرب.هي مبادرات قادتها غرف الطوارئ والمتطوعون والخيرون لإنقاذ المواطنين في ظل الحرب، في العاصمة الخرطوم تركزت تجمعاتها في منطقة جنوب الحزام، والجريف شرق، والحاج يوسف، ومناطق من محلية شرق النيل وأم درمان.وبحسب تقديرات إحصاءات رسمية لوزارة الرعاية الاجتماعية بالولاية، هناك حوالي 314 تكية خيرية بجانب عدد 7 تكايا نموذجية، وتقول غرفة الطوارئ إنه تم تفعيل حوالي 419 الى 800 مطبخ كلها عملت في ظل الحرب، ولم تنحصر على ولاية الخرطوم فقط، بل شملت الجزيرة وسنار والفاشر ومناطق بجنوب كردفان.انحسار التكاياتراجعت التكايا في بعض مناطق العاصمة والولايات بسبب ارتفاع الأسعار وشكاوى المتطوعين من كفاية التمويل في ظل زيادة زوار التكايا بعد ارتفاع الأسعار بصورة جنونية مؤخراً.عرفة أحمد، مؤسسة مبادرة “تكل بارونا” بوحدة السلام الإدارية بمنطقة الحاج يوسف شرق النيل، تحدثت عن دور “تكية تكل بارونا المركزية” التي تعتبر نموذجاً حقيقياً للتكافل الاجتماعي والوقوف بجانب الأسر المتعففة والمتأثرة بالأوضاع الحالية قائلة: “إن الموجة الأخيرة من الارتفاع الخيالي والجنوني في أسعار السلع والمواد الغذائية الأساسية وضعت عمل التكية أمام تحديات غير مسبوقة”، مشيرة إلى أنها أثرت بشكل مباشر على قدرتها في الاستمرار بتوفير الوجبات اليومية للضعفاء والمحتاجين.وحول أزمة ارتفاع الأسعار قالت إنها أثرت تأثيراً مباشراً انعكس على الميزانية المخصصة للوجبات، ويمكن توضيح ذلك من خلال مقارنة أسعار السلع الرئيسية؛ إذ ارتفع سعر جوال العدس من 105 آلاف إلى 180 ألف جنيه، وجوال الفول ارتفع من 500 ألف إلى مليون و200 ألف جنيه.مشيرة إلى أن هذا التصاعد الحاد في الغلاء لم يقتصر على المكونات الأساسية فحسب، بل طال كافة السلع والمستلزمات اليومية، مما ضاعف أعباء المعيشة على المواطنين وأدى إلى اتساع دائرة الحوجة.وفيما يتصل بهذه التطورات الاقتصادية فقد تزايدت أعداد المستفيدين وتناقصت أيام التغطية، إذ ارتفع عدد العائلات والأفراد المعتمدين على التكية مقارنة بما قبل موجة الغلاء؛ فقد كان يبلغ عدد المستفيدين 300 مستفيد، وكانت الميزانية التشغيلية تكفي لتغطية الإطعام لمدة تتراوح بين 10 إلى 15 يوماً. وأردفت: “بعد موجة الغلاء ارتفع عدد المستفيدين إلى 350 مستفيداً، في حين أن المبالغ والدعم المتاح حالياً أصبح لا يكفي لإنتاج وجبات لسوى 5 أيام فقط”. مؤكدة أن الوضع الحالي يشهد توقفاً تاماً للمنظمات ونفاداً كاملاً للمخزون بعد توقف دعم بعض المنظمات.وأشارت عرفة إلى أنه في الوقت الراهن، تعتمد التكية كلياً على المبادرات الفردية والمساعدات المحدودة التي يجود بها فاعلو الخير، وعلى الرغم من أهميتها والتقدير العالي لها، إلا أنها باتت غير كافية إطلاقاً لمواجهة حجم الحوجة الفعلي والاستجابة للأعداد المتزايدة يومياً. وناشدت عرفة المنظمات الدولية والمحلية لتقديم الدعم للتكايا باعتبارها المنفذ الوحيد الذي يوفر الوجبات للمحتاجين.تهاني النميري، ناشطة في العمل الإنساني، وصفت الأوضاع بالكارثية في ظل ارتفاع الأسعار، مشيرة إلى أن التكية بمنطقة الوادي الأخضر متوقفة تماماً عن العمل بسبب نفاذ المواد، بالرغم من اعتماد كثير من الأسر على وجبتي الفطور والغداء من ذات التكية، وقالت: “الأمر يحتاج إلى دعم ثابت ومواد عينية، ولكن في ظل الظروف الحالية في أحيان كثيرة نحاول أن نخفض عدد الحلل وتقليل حصة الفرد، فهناك أسر تتكون من 10 أفراد لا تكفي لهم (كمشتين بليلة).أزمة حقيقيةعثمان أتيم قال: “إن عدد التكايا في شرق النيل قلَّ بكثير، تكاد تكون هناك تكية واحدة فقط تعمل وبصورة متقطعة، وفيما يتصل بالإغاثة أوضح أن هذا ملف شائك جداً فيه كثير من الملاحظات، الأمر الذي يتعذر على المواطنين الحصول على الإغاثة خاصة بعد تمليك كل ولاية ملف الإغاثة، فيما توزع النازحون في مناطق عدة، الأمر الذي أثر في حصولها على الحصص الغذائية من الإغاثة.شكاوى ونفور بعض المتطوعينتتزايد الشكاوى والملاحظات من متطوعين بالتكايا والخدمات بالعاصمة، إذ شكا عدد من المتطوعين فضلوا حجب أسمائهم من أن هناك عقبات تواجه المتطوعين بدعوى تنظيم العمل الطوعي وكثير من الإجراءات التي تقيد عمل الشباب، مما نفر عدداً منهم، بجانب تكاليف الترحيل والتحرك إلى مناطق بعيدة في ظل نقص الدعم المنظم من المنظمات وغيرها، إضافة إلى ذلك الارتفاع الجنوني للسلع الأمر الذي قلل من فرص حصول الأسر على الحصص الغذائية.هل يظل الناس تحت رحمة التكايا؟يرى المهتمون بالشأن الإنساني والناشطون أن الحرب ما دامت مستمرة فلا استقرار، بل تفاقم لأزمة الجوع وزيادة عدد الوفيات وسوء التغذية في ظل غياب الحكومة عن مشهد الكارثة الإنسانية الحقيقية، وهي تحشد إلى مزيد من العودة غير المخطط لها، مع نقص الخدمات وعدم ضبط السوق. وقد ارتفعت -وبحسب الإحصاءات الأممية الأخيرة الصادرة عن برنامج الأغذية العالمي ومنظمة الفاو واليونيسف- أعداد المتأثرين بالجوع من المرحلة الثالثة لتتراوح بين 19.5 إلى 20 مليون شخص يعانون من نقص حاد في الغذاء. كما يواجه نحو 5 ملايين شخص مستويات طارئة من الجوع، ويواجه أكثر من 135,000 شخص ظروفاً كارثية تهدد بالمجاعة.ويلفت المراقبون إلى أن هذه الأعداد الهائلة من المهددين بالموت جوعاً تمثل تحدياً أمام منظمات الإغاثة، إذ يوجد عالقون لا يمكن الوصول إليهم في ظل استمرار إطلاق النار في السودان، مؤكدين ضرورة وجود ممرات آمنة لتوصيل الغذاء والدواء للمتضررين. The post الجوع والنزوح.. حربٌ أخرى تُوقد النار في بطون السودانيين appeared first on صحيفة مداميك.