بقلم: مجدي عبد القيوم (كنب) المتابع للمشهد السياسي يلحظ تحولاً في الموقف الأمريكي من الأزمة السودانية يرتكز على مسارين؛ أولهما أن أمريكا قررت أن تتعاطى مباشرة مع الملف السوداني بدلاً عن الوكلاء، والمسار الثاني يتصل بمنهج العصا والجزرة، المنهج المفضل للسياسة الخارجية الأمريكية، فقد سحبت أمريكا الجزرة وكشرت عن أنيابها ومدت العصا الغليظة.ما هي تلك المؤشرات التي تدلل على صحة هذه الفرضية؟في تقديري أن هذه المؤشرات يأتي في مقدمتها الاتهام أو فرية استخدام الأسلحة الكيميائية، وهي بحسب تجاربها في المنطقة ذروة سنام بلطجتها، وهذا الاتهام نفسه يقودنا إلى ثاني المؤشرات وهو مقترح توسيع حظر السلاح وفقاً للقرار الأممي 1591 المتعلق بدارفور ليشمل كل السودان، وجاء مقترح الهدنة لمدة ٩٠ يوماً ليمثل مؤشراً آخر، والذي أتى بعد أن فشلت الحملة الإعلامية التي روجت لها حول سقوط مدينة الأبيض، والتي يبدو أنه كان يراد لها أن تكون النقطة الحدودية الفاصلة في خريطة النفوذ على الأرض وحدوداً لمشروع التجزئة على غرار النموذج الليبي، وفي تقديري أن فشل المليشيا في اقتحام المدينة أو حتى الاقتراب منها برياً شكل بداية النهاية لمنهج أمريكا الذي اتبعته طوال الحرب، وإيذاناً بعهد جديد يعتمد على العصا فقط كما أسلفنا دون الجزرة.آخر المؤشرات هو رفض منح التأشيرة لرئيس مجلس السيادة لحضور فعاليات الجمعية العامة للأمم المتحدة.هذا المؤشر الأبرز على صحة زعمنا؛ إذ في ثناياه منهج جديد في سياسة التعاطي مع الفريق البرهان باستهدافه على المستوى الشخصي، وهذا يعني وضع متاريس في قنوات الحوار معه، لذا رأينا أن منع التأشيرة تزامن مع تصريحات منسوبة لمسعد بولس بأن السبب هو رفض البرهان لمقترح الهدنة، وكذلك حركت أمريكا الدمى في رقعة الشطرنج لتنبش في مسيرة الرجل في الجيش وما لازمها من انتهاكات كما يدعون، والنقطة الأبرز هي ربطه بفرية الأسلحة الكيميائية بشكل مباشر، وعززت ذلك برفض منحه التأشيرة بحجة خطورته على الأمن القومي الأمريكي، أي أن السبب (أمني) وكأنها اكتشفت ذلك فجأة بعد سنوات من التواصل المباشر، ولعمري أن ذلك لا ينتقص من قيمة الرجل ومكانته إنما يعززها ويدخله في زمرة القادة الذين يرفضون بيع مواقفهم.هذا الاستهداف الشخصي للفريق البرهان بلغ مرحلة ممارسة الضغط حتى على الحكومة برمتها عبر الحرب الاقتصادية التي جعلت العملة السودانية تفقد قيمتها بمتوالية يومية، ومع أن أسباب هذا الانهيار متعددة ولا يمكن إنكارها، إلا أن هذا الانهيار المتسارع ينبئ بأن ثمة أصابع تعبث بالاقتصاد، وهو سلاح فعال لإثارة غضب الشعوب ودفعها لاتخاذ مواقف رافضة تماماً للسلطة الحاكمة أياً كانت؛ إذ أن المسألة تدخل في “اللحم الحي”، وقطعاً في هكذا أحوال من ضنك العيش تظل رؤوس السلطة هدف غضبة الجماهير الرئيسي، وفي السياق نال رئيس الوزراء نصيبه من القدح والتشكيك في مقدراته، وحظي وزير المالية بذم تجاوز هجاء الفرزدق لجرير.السؤال: ما الذي جعل أمريكا ترمي بكل ثقلها وتلعب بالمكشوف بعد أن ظلت طوال زمن الحرب تعتمر العقال وترتدي قناع الإمارات؟ ومن ناحية أخرى تغير منهجها؟في التقدير أن هذا التحول أتى بعد أن توصلت لقناعة مفادها فشل الوكلاء الإقليميين والمحليين عسكريين ومدنيين في تنفيذ مشروعها في السودان لعدة أسباب يعنينا منها:المقاومة الشرسة التي شارك فيها بكافة السبل، بما في ذلك المقاومة المسلحة، السواد الأعظم من الشعب السوداني رغم دعوات المخذلين من حداة المشروع الاستعماري الذين ظلوا يتغنون باسم المجتمع الدولي ويلهجون بالثناء لماما أمريكا التي ستخلصهم من دولة الإسلاميين المزعومة التي يتوسلون لها بحكم العسكر.المجد والخلود لكل من ارتقى شهيداً دفاعاً عن وطنه.فشل المليشيا في السيطرة على البلاد بعد أن استطاع الجيش السوداني بكافة تشكيلاته مسنوداً بالتفاف شعبي تدمير الآلة العسكرية لها وإلحاق الهزيمة الساحقة بها حتى بات التاكتيك المفضل لفلول مرتزقتها (العريد) في ماراثون طويل المضمار يمتد حتى أقاصي كردفان الكبرى.فشل وعزلة القوى المدنية التي تظاهر المليشيا وتسبح بحمد الاستعمار وتبشر بمشروعه، وإصابتها بالأنيميا الجماهيرية التي لا يصلح معها نقل الدم رغم الادعاءات الجوفاء ومحاولات سرقة اسم القوى المدنية والتحدث حصرياً باسمها، وفات على هؤلاء أن ذات الأجهزة التي وظفتهم تدرك تماماً وزنهم الحقيقي وافتقارهم للثقل الجماهيري، وأنها سترمي بهم في سلة المهملات كما فعلت مع أسلافهم في المحيط وعلى امتداد العالم، ولا عزاء “للجلبي” ولا “كرزاي” ولا بواكي عليهم في أوساط شعب رضع من ثدي الوطنية وتغنى عرباً ورطانة بمآثر “مقنع الكاشفات”، وغنت نساؤه:تغني ليك أم هانيءيشهدوا أهل المعانينضيفاً خاتي ريحة الشانيولم يغنين لمن تفوح منه رائحة انعدام النخوة وهو يتواطأ في سبي وبيع فتيات بلاده في سوق الرقيق الأبيض، فقد ظلت ماركة السوداني المسجلة في هذا الضرب من المواقف:“أفو أنا أخوك يا فاطنة”ولم يقل لنا تاريخه أنه لهج بالثناء على من “فز” عند احتدام الوغى بحثاً عن الخلاص الشخصي، بل شدا شاديه ما “بنفز يمين إن متنا فد مرة”والخواف دا ما حر منو نتبرأفهو شعب يرى أن الموت في الركاب سنة، وقديماً قالت إحدى شاعراته:“لا بخاف لا بترقدام العينيهم خدر”وقطعاً لن يرمي الاستعمار قفازه وكذلك لن يرضخ الشعب السوداني، بل “حا يقيف ألف أحمر” منشداً:نحن رفاق الشهداءThe post كبسولة اليوم.. لماذا كشرت أمريكا عن أنيابها appeared first on صحيفة مداميك.