عبد المجيد قرشيأعاد بيان وزارة الخارجية الأمريكية بشأن السودان سؤال الشرعية إلى واجهة النقاش السياسي. فقد قالت واشنطن إن القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، وكذلك قادتهما، لا يمثلون حكمًا شرعيًا دستوريًا للبلاد، وإنهم يحكمون بقوة السلاح. جاء التصريح في وقت تستمر فيه الحرب، وتتعمق فيه الأزمة الإنسانية، بينما لا يزال مستقبل السلطة معلقًا بين حسابات الميدان ومحاولات التفاوض.يحمل البيان رسالة سياسية واضحة: الانتصار العسكري، إن تحقق لأي طرف، لا يكفي وحده لتأسيس حكم مشروع. لكن هذه الرسالة تثير أيضًا نقاشًا سودانيًا مشروعًا حول الفرق بين القوات المسلحة، بوصفها مؤسسة من مؤسسات الدولة، وبين القيادة السياسية والعسكرية التي تتخذ القرارات باسمها. كما أن رفض الحكم القائم على السلاح يجب ألا يطمس اختلاف أدوار طرفي الحرب ومسؤوليتهما عن الانتهاكات. فالعدالة تتطلب النظر في أفعال كل طرف على حدة، ومحاسبة المسؤولين عنها بالأدلة، لا الاكتفاء بصياغة سياسية عامة.تعود أزمة الشرعية الحالية إلى ما قبل اندلاع الحرب. فقد قامت الفترة الانتقالية بعد سقوط نظام البشير على وعد بنقل السلطة إلى المدنيين وتهيئة البلاد لاختيار حكامها. لكن إجراءات أكتوبر 2021 أنهت الشراكة التي استند إليها ذلك المسار، ثم دفعت حرب أبريل 2023 السودان إلى واقع تتحكم فيه القوة المسلحة بمصير السياسة والاقتصاد وحياة المواطنين. ومنذ ذلك الحين، اتسعت المسافة بين من يمارسون السلطة ومن يملكون الحق في منحها. وقد وصفت الأمم المتحدة أحداث أكتوبر 2021 بأنها انقلاب عسكري.مع ذلك، لا يستطيع بيان تصدره دولة أجنبية أن يمنح السودان حكومة شرعية أو أن يسلب شعبه حق تحديدها. يمكن للولايات المتحدة أن تعلن موقفها، وأن تمارس ضغطًا دبلوماسيًا للمساعدة في وقف الحرب، لكن مصدر الشرعية السياسية في النهاية هو السودانيون أنفسهم. وإذا انتهى المسار التفاوضي إلى اتفاق بين قادة السلاح وحدهم، مع ترك القوى المدنية والمجتمعات المتضررة خارج القرار، فستبقى المشكلة التي فجرت الأزمات السابقة قائمة، حتى لو صمتت المدافع مؤقتًا.تحتاج البلاد، أولًا، إلى وقف القتال وتأمين وصول المساعدات وحماية المدنيين. ثم تحتاج إلى عملية سياسية واسعة لا تُختزل في أسماء بعض القادة أو التحالفات. فالنازحون واللاجئون، والنساء، والشباب، والنقابات، والمجتمعات المحلية،جميعهم معنيون بتحديد شكل الحكم الذي سيأتي بعد الحرب. ومشاركتهم تتطلب ضمانات فعلية وحرية في التنظيم والتعبير، لا مجرد حضور رمزي في قاعة التفاوض.وتتطلب استعادة الشرعية كذلك فصل مستقبل المؤسسات الوطنية عن مستقبل الأشخاص الذين يقودونها اليوم. فالسودان يحتاج إلى جيش وطني مهني يخضع لسلطة مدنية دستورية، وإلى إنهاء تعدد مراكز القوة المسلحة. ويحتاج في الوقت نفسه إلى مؤسسات قضائية وإدارية تستطيع العمل لصالح المواطنين، وإلى محاسبة عادلة عن الانتهاكات أياً كان مرتكبوها. لا يتحقق ذلك بإقصاء المجتمع من القرار، ولا بمنح أي قائد حصانة سياسية مقابل توقيعه اتفاقًا.قد يزيد البيان الأمريكي الضغط على طرفي الحرب، وقد يفتح مساحة أكبر للمطالبة بحكم مدني. لكن أثره سيُقاس بما يحدث على الأرض: هل يقترب السودانيون من وقف دائم للحرب؟ هل تصل المساعدات إلى المحتاجين؟ وهل يبدأ مسار يتيح لهم اختيار سلطة مسؤولة أمامهم؟ إن بقي التصريح منفصلًا عن هذه النتائج، فسوف يضاف إلى قائمة طويلة من المواقف الدولية التي وصفت الأزمة دون أن تساعد بما يكفي على حلها.الشرعية التي يحتاجها السودان لا تُصنع في ساحات القتال، ولا تُمنح في بيان صادر من الخارج. إنها تُبنى حين تتوقف الحرب، ويُسمع صوت المواطنين، وتخضع القوات المسلحة للسلطة المدنية، وتصبح الحكومة قابلة للمحاسبة والتغيير بإرادة الشعب. ذلك هو الامتحان الذي ينبغي أن تُقاس به مواقف جميع الأطراف السودانية والدولية.The post البيان الأمريكي وسؤال الشرعية في السودان appeared first on صحيفة مداميك.