تقرير – عيسي دفعتواجه مناطق واسعة في إقليم دارفور تراجعاً في معدلات هطول الأمطار وانقطاعاً متكرراً خلال الموسم الزراعي الحالي، ما أدى إلى تلف محاصيل وتهديد مصادر رزق المزارعين، وسط تحذيرات من تداعيات إنسانية وغذائية محتملة، في ظل استمرار الحرب وتدهور الأوضاع المعيشية.وقالت مريم إسحاق، البالغة من العمر 63 عاماً، وهي مزارعة بمحلية قريضة في ولاية جنوب دارفور، لصحيفة (مداميك) إن خريف هذا العام فشل نتيجة شح الأمطار، رغم زراعة المحاصيل منذ أكثر من شهرين، عقب بداية هطول الأمطار في يونيو الماضي.وأضافت أن انقطاع الأمطار خلال شهري يوليو وأغسطس أدى إلى تلف معظم المحاصيل الزراعية، مشيرة إلى أن المزارعين في محلية قريضة يعتمدون على زراعة الفول السوداني والدخن والذرة واللوبيا والكركدي والبامية، إلى جانب محاصيل أخرى.ورسمت مريم صورة قاتمة لأوضاع المزارعين في المنطقة، في ظل تضرر الموسم الزراعي، قائلة إن عناية الله وحدها هي الكفيلة بتجاوز هذه الظروف الصعبة.وفي ظل شح الأمطار، أدى مئات المصلين صلاة الاستسقاء بمدينة قريضة، تضرعاً إلى الله طلباً لهطول الأمطار وإنقاذ الموسم الزراعي.وفي السياق ذاته، اشتكى مزارعون في ولايتي غرب ووسط دارفور من انخفاض معدلات هطول الأمطار، محذرين من تداعيات محتملة على الموسم الزراعي والأمن الغذائي، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تفاقم الجوع في المناطق المتضررة.تحذيرات من تعثر الموسم الزراعيوحذر مكتب الزراعة والغابات والثروة الحيوانية بدائرة طويلة، التابع لحركة جيش تحرير السودان قيادة عبد الواحد نور، من تأثير تأخر الخريف وتذبذب هطول الأمطار على العمليات الزراعية ونمو المحاصيل خلال الموسم الزراعي لعام 2026.ودعا المكتب المزارعين إلى مواصلة جهودهم الزراعية والاستفادة من مياه الأمطار المتاحة، واتباع الإرشادات الفنية، والبحث عن بدائل للزراعة المروية، تحسباً لاستمرار التقلبات المناخية.من جهتها، حذرت غرف طوارئ وحدة مهاجرية الإدارية بولاية شرق دارفور من مخاوف فشل الموسم الزراعي الحالي، جراء الانخفاض الملحوظ في معدلات هطول الأمطار وانقطاعها لفترات طويلة، ما أدى إلى تأخر نمو المحاصيل وتراجع الغطاء النباتي في عدد من مناطق الوحدة الإدارية.وقالت غرف الطوارئ، في بيان صدر الثلاثاء 15 سبتمبر 2026، إن متطوعيها رصدوا خلال جولات ميدانية في لبدو وسنيط وكلاجو وعجال بكو وأبو حديد وبويرة ورهد تابة، إلى جانب مدينة مهاجرية والقرى المجاورة، تأخرًا كبيرًا في نمو المحاصيل وضعفاً في الغطاء النباتي مقارنة بالمواسم الزراعية السابقة.وأشارت إلى أن المؤشرات الميدانية تثير مخاوف من تعثر الموسم الزراعي، محذرة من تداعيات محتملة على الأمن الغذائي وسبل كسب العيش للمجتمعات المحلية.ودعت غرف الطوارئ المزارعين والجهات ذات الصلة إلى متابعة تطورات الوضع، كما ناشدت المنظمات الإنسانية والجهات المختصة الاستعداد لاحتمالات نقص الغذاء، ووضع خطط بديلة لدعم المجتمعات المتضررة.وأكدت استمرار متابعتها الميدانية ورصد تطورات الموسم الزراعي ونقل المعلومات من المناطق المتأثرة.تفاقم أزمة المياه والغذاءمن جهتها، قالت الباحثة البيئية مقام كسار لصحيفة (مداميك) إن اعتماد غالبية مجتمعات دارفور على حصاد مياه الأمطار وتخزينها في آبار تقليدية، إلى جانب الاعتماد على الوديان والمجاري المائية الموسمية، يزيد من هشاشة المجتمعات أمام التقلبات المناخية وشح الأمطار.وأضافت أن ارتفاع درجات الحرارة ومعدلات التبخر قد يؤديان إلى نفاد الموارد المائية السطحية قبل انتهاء موسم الجفاف، ما يهدد الزراعة المطرية ويؤدي إلى تلف المحاصيل، ويزيد من مخاطر انعدام الأمن الغذائي.وأشارت كسار إلى أن الآبار المكشوفة ومياه الوديان غير المحمية قد تتعرض للتلوث نتيجة الاستخدام المشترك من قبل الإنسان والماشية، محذرة من مخاطر الأمراض المنقولة بالمياه، ولا سيما الإسهالات الحادة، وما قد تسببه من مضاعفات صحية، خصوصًا لدى الأطفال وكبار السن، وزيادة مخاطر سوء التغذية.وقالت إن تقارير وتقييمات دولية صادرة عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO)، وشبكة الإنذار المبكر بالمجاعة (FEWS NET)، والتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)، تشير إلى أهمية تدهور مصادر المياه والإنتاج الزراعي بوصفهما من العوامل المرتبطة بتفاقم انعدام الأمن الغذائي.وحذرت كسار من أن استمرار الأزمة دون تدخل عاجل لإعادة تشغيل محطات المياه، وحفر آبار جوفية، وتوفير المساعدات الإنسانية، قد يؤدي إلى تفاقم الأوضاع المعيشية لملايين السكان في الإقليم.التغير المناخي والحرببدورها، قالت مريم عبد الله تبن، من منظمة التنمية والبيئة النسائية، لصحيفة (مداميك) إن القطاع الزراعي والأمن الغذائي في السودان يواجهان أزمة إنسانية وبيئية متفاقمة، نتيجة تداخل التغيرات المناخية مع تداعيات الحرب والعنف البيئي.وأضافت أن انحباس الأمطار المفاجئ عقب زراعة المحاصيل في دارفور ومناطق مطرية أخرى أدى، بحسب إفادتها، إلى تلف المحاصيل والشتول، ما يهدد الموسم الزراعي ويزيد من معاناة المجتمعات التي تعتمد على الزراعة المطرية.وأشارت تبن إلى أن ظاهرة النينيو والتغيرات المناخية العالمية قد تؤثران في أنماط هطول الأمطار، مؤكدة ضرورة دراسة تأثير هذه الظواهر على السودان في ضوء البيانات المناخية والتقييمات العلمية المتاحة.وقالت إن انقطاع الأمطار خلال منتصف الموسم الزراعي، بعد هطولها في بدايته، أدى إلى تعرض محاصيل وشتول للجفاف قبل اكتمال نموها، ما يهدد إنتاج الغذاء ومصادر دخل الأسر الزراعية.الحرب وتدمير البنية الزراعيةوأشارت تبن إلى أن بنك الجينات النباتية في مدينة ود مدني، الذي يحتفظ بآلاف العينات من الموارد الوراثية للمحاصيل السودانية، تعرض لمخاطر جسيمة منذ انتقال الحرب إلى ولاية الجزيرة، شملت أضرارا مادية ونهباً وتعطل الكهرباء ومعدات الحفظ.وبحسب تقرير أعدته منظمة التنمية والبيئة النسائية في عام 2024، فإن ما بين 20 و30 في المئة من العينات كانت معرضة للخطر، فيما اتُّخذت خطوات احترازية لنقل نسخ من الموارد الوراثية إلى مواقع أكثر أماناً، وإلى قبو سفالبارد العالمي للبذور.وأضافت أن المعارك أدت إلى هجر مساحات واسعة من الأراضي الزراعية أو جعلتها غير صالحة للإنتاج، ما انعكس سلباً على النشاط الزراعي والأمن الغذائي.قطع الأشجاروقالت تبن إن انقطاع إمدادات غاز الطهي وارتفاع أسعاره دفعا الأهالي والنازحين إلى الاعتماد بصورة أكبر على الفحم والحطب، الأمر الذي أسهم، وفقاً لإفادتها، في زيادة الضغط على الغابات والغطاء النباتي.وأوضحت أن قطع الأشجار يضعف قدرة البيئة على الحد من التصحر، ويسهم في تدهور التربة وفقدان رطوبتها، ما يزيد من هشاشة المناطق المتأثرة بالجفاف والتقلبات المناخية.وأضافت أن سنوات الحرب المتتالية تسببت في تدهور الغطاء النباتي في أجزاء من دارفور، مشيرة إلى أن فقدان النباتات المحلية يضعف قدرة التربة على الاحتفاظ بالمياه والرطوبة، ويزيد من مخاطر التعرية والتصحر.العوامل المناخية والنزاعاتوفي استعراضها للتاريخ الغذائي في السودان، قالت تبن إن المجاعات وتعثر المواسم الزراعية ارتبطا تاريخياً بتداخل عوامل الجفاف والنزاعات المسلحة والسياسات البيئية.وأشارت إلى عدد من الأزمات الغذائية التي شهدها السودان، من بينها مجاعة أواخر القرن التاسع عشر خلال عهد المهدية، ومجاعة عامي 1913 و1914، ومجاعة 1983–1985، والأزمة الغذائية في دارفور خلال الفترة 2003–2005، وصولا إلى الأزمة الحالية التي تفاقمت منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.وأضافت أن الأزمة الراهنة تتداخل فيها آثار الحرب وتدهور البيئة وشح الأمطار، ما يزيد من صعوبة استعادة الإنتاج الزراعي وتحقيق الأمن الغذائي.مؤشرات الأمن الغذائيواستناداً إلى الأرقام التي أوردتها منظمة التنمية والبيئة النسائية، أشارت تبن إلى أن نحو 11 مليون شخص بحاجة إلى مساعدات غذائية عاجلة.ونحو 20 مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، إلى جانب تراجع إنتاج الحبوب بنسب تتراوح بين 30 و50 في المئة في بعض المناطق المتأثرة.وحذرت من أن استمرار تدهور الموسم الزراعي وشح المياه قد يؤديان إلى زيادة الاحتياجات الإنسانية، وتفاقم انعدام الأمن الغذائي، خصوصًا في المناطق المتضررة من الحرب.دعوات إلى تدخل عاجلودعت تبن إلى دمج البعد البيئي في الاستجابة الإنسانية، بحيث لا تقتصر التدخلات على توزيع الغذاء، بل تشمل توفير حلول للطاقة البديلة، مثل الطاقة الشمسية، للحد من الاعتماد على الحطب والفحم وتقليل الضغط على الغابات.كما أوصت بإنشاء مراكز بحثية زراعية تدعم حفظ البذور المحلية والأصيلة المتكيفة مع الجفاف، وتعزيز الوعي البيئي، وتوفير تمويل دولي لمشروعات التكيف المناخي في السودان.وشددت على أهمية فتح المسارات أمام نقل المدخلات الزراعية وتقنيات حصاد المياه، ووقف الحرب، وإدراج القضايا البيئية ضمن مسارات التفاوض وبناء السلام.وأكدت أن حماية الموارد الطبيعية وتعزيز قدرة المجتمعات على التكيف مع التغيرات المناخية يمثلان عنصرين أساسيين في الحد من تدهور الأمن الغذائي واستعادة سبل العيش في السودان.The post شح الأمطار يهدد الموسم الزراعي في دارفور وينذر بتفاقم أزمة الأمن الغذائي appeared first on صحيفة مداميك.