القضارف.. احتقان معيشي يواجه بالحملات الأمنية وسخط شعبي متصاعد ضد الحرب

Wait 5 sec.

مداميك: إدريس عبدالله  تخيم حالة من الاحتقان الاجتماعي والاقتصادي المتصاعد على ولاية القضارف شرقي السودان، إثر موجة احتجاجات شعبية واسعة شهدتها أرجاء مختلفة من المدينة. واجهت السلطات الأمنية هذه الاحتجاجات بموجة اعتقالات وملاحقات طالت العشرات من المتظاهرين والناشطين المدنيين، وسط تحذيرات سياسية وميدانية من انزلاق المنطقة نحو شلل كلي وشبح مجاعة محقق بسبب التداعيات الكارثية لنزاع 15 أبريل 2023.وقد خرج المواطنون في عدد من الأحياء الرئيسية تنديداً بالتدهور الشديد في مستوى المعيشة والنقص الحاد في الخدمات الأساسية، بالتوازي مع استمرار الحلول الأمنية في التعامل مع المطالب السلمية.اتساع رقعة الحراك والمطالبة بتنحي سلطة الأمر الواقعأفاد عضو لجان المقاومة بالقضارف، أيمن حريري، في تصريح خاص لـ «مداميك»، بأن الاحتجاجات اندلعت في العشرين من سبتمبر الجاري، وامتدت سريعًا لتشمل أحياء رئيسية مثل (التضامن، والجنينة، وأبكر جبريل، وامتدادات أكتوبر)، وهي مناطق حيوية ومكتظة بالسكان محاذية لصومعة الغلال ولأسواق المحاصيل الرئيسية التي تُعد المورد المالي والتجاري الأساسي بالمدينة. وأوضح حريري أن المحرك الأساسي للشارع هو التدهور الاقتصادي الحاد، المتمثل في الغلاء الفاحش، ونقص الوقود، والارتفاع المتواصل في أسعار كافة السلع الاستهلاكية اليومية. وأشار إلى أن لجان مقاومة القضارف سبق أن ناشدت سلطة الأمر الواقع بالتدخل العاجل وإيجاد حلول جادة للوضع المنهار، والتوقف عن إهدار أموال الولاية في مشروعات لا تعود على المواطنين بأي نفع، بل تخدم مصالح ضيقة متحالفة مع السلطة القائمة على حساب معيشة المواطنين.وشدد حريري على أن هذه الموارد هي حق للمواطنين، جُمِعت منهم عبر الضرائب والرسوم المحلية ودعم المقاومة الشعبية في مختلف القطاعات الإنتاجية بالقرى والأحياء، لا سيما الزراعة والرعي والتجارة المحلية.وأكد أن لجان المقاومة وصلت إلى قناعة بأن السلطة الحالية غير شرعية، ولا يمكن في ظلها تحقيق أي استقرار اقتصادي أو أمني. وكشف عن ترتيبات جارية لتوسيع نطاق الحراك والتظاهر السلمي ليغطي كافة أرجاء الولاية، للضغط على سلطة الأمر الواقع حتى تتنحى وتُعيد السلطة للشعب، كونها لا تملك أي سند قانوني أو شرعي.مواجهات واقتحامات أمنية واعتقالات في صفوف القيادات المدنيةوعلى الصعيد الميداني، كشف حريري عن وقوع مواجهات إثر تصدي الأجهزة الأمنية للمظاهرات السلمية، مما أسفر عن اعتقال الخلية الأمنية لأكثر من 30 شخصًا من المتظاهرين في حصيلة أولية.وأضاف أن الخلية الأمنية نفذت حملات مداهمة واسعة في سوق المحصول، اعتقلت خلالها عددًا من المواطنين والتجار واقتادتهم إلى مقرها بالسوق الشعبي المتاخم لسوق المواشي. وأكد استمرار الملاحقات الأمنية بحق أعضاء لجان المقاومة والناشطين، وكل مواطن يعبر عن موقف واضح ضد استمرار الحرب، مشيرًا إلى أن من بين المعتقلين قياديين بارزين من قادة العمل الثوري والمدني بالولاية.تصدع الحاضنة وانفجار الأزمة المعيشيةمن جانبه، أشار الناشط السياسي أحمد عثمان، في حديثه لـ «مداميك»، إلى أن التطورات الأخيرة في القضارف تحمل دلالات مهمة، إذ لا يمكن فصل هذه الاحتجاجات عن السياق العام لحرب 15 أبريل؛ بل تشكل نقطة تحول تعكس انفجار الأزمة المعيشية والمجتمعية تحت وطأة خيار “استمرار الحرب”.وأوضح عثمان أن القضارف تمثل أهمية كبيرة جدًا؛ فهي المركز الاقتصادي والغذائي للمناطق التي يسيطر عليها الجيش، وتعتبر المصدر الأساسي للزراعة المطرية وتوفير الطعام في السودان. وشرح أبعاد هذا الحراك موضحًا أن القطاع الزراعي بات يواجه خطر الانهيار وشبح المجاعة، بسبب انقطاع التمويل والإمدادات، والارتفاع الكبير في أسعار مستلزمات الزراعة، ونقص الوقود، إلى جانب الضرائب والرسوم العالية التي تُفرض على المزارعين والتجار باسم “دعم المجهود الحربي”، مما أدى إلى فشل الموسم الزراعي وتراجع المساحات المزروعة بشكل غير مسبوق، وانعكس ذلك مباشرة على ارتفاع أسعار الغذاء ليشكل خطرًا على الولاية والسودان كله.وأضاف أن هذه الأوضاع تسببت في غضب شعبي ونفاد صبر المواطنين؛ فبعد أن كانت القضارف مكانًا آمنًا يستقبل آلاف النازحين ومنطقة استقرار نسبي، جاء خروج السكان في الأحياء والأسواق ليعبر عن رفضهم لتحمل أعباء سلطة تصرف الأموال والموارد القليلة على الحرب ومصالحها الخاصة بدلاً من توفير الطعام ودعم معيشة الناس.واختتم تحليله بالإشارة إلى أن هذه الاحتجاجات أظهرت قدرة الشارع والقوى المدنية على تنظيم نفسها وتجاوز حالة الاستقطاب، مشيرًا إلى أن ربط المظاهرات بالدعوة إلى وقف الحرب زاد من قناعة الناس بأن إيقاف القتال هو الحل الأول والوحيد لإصلاح الوضع الاقتصادي، وإعادة الاستقرار والكرامة للمواطنين.النهج الأمني ومآلات الأزمةوحذر أحمد عثمان من عواقب الاعتماد على الحلول الأمنية، مؤكدًا أن اللجوء للقمع عبر “الخلية الأمنية” والاعتقالات العشوائية للمواطنين والناشطين لن يحل أزمة عميقة ناتجة في الأساس عن استمرار الحرب والغلاء المتزايد.وشدد على أن ما يحدث اليوم في القضارف ليس مجرد المطالبة بتحسين المعيشة أو الاحتجاج على أسعار السلع فحسب، بل هو مؤشر على تحول في المزاج العام للمواطنين، وقد يكون هذا الحراك بداية لتمدد الاحتجاجات السلمية لتشمل بقية الولايات الخاضعة لسيطرة السلطة القائمة.The post  القضارف.. احتقان معيشي يواجه بالحملات الأمنية وسخط شعبي متصاعد ضد الحرب appeared first on صحيفة مداميك.