محمد بدوي مصطفىحديث الفن، حديث خالد يُؤثرُ الرُّوح، فكلما تغنيت ودندنت به أثملني، فثمة، يا سادتي، أعمال أدبية لا تنتهي عند حوائط الكلم، بل تظل تبحث عن زفرة أخرى في الرسم والموسيقى والمسرح والسينما. و”ماكبث” للأديب وليم شكسبير، لعمري واحد من تلك الأعمال التي تجاوزت خشبة المسرح لتسكن ذاكرة الفن الأوروبي قروناً طوالاً. فقصة الملك الاسكتلندي الذي قاده الطموح إلى الجريمة، ثم قادته الجريمة إلى الخوف والجنون والسقوط في هاوية التاريخ، لم تكن في جوهرها أيّ حكاية عن ملك وساحرات فحسب، بل عن صفحة مظلمة من النفس البشرية، وقد ينفتح الطموح عن أبواب لا يستطيع ابن آدم بعد ذلك أن يوصدها.لقد بدأت قصة هذه المسرحية في مطلع القرن 17، متكئة إلى حكاية تاريخية عن ملك اسكتلندي عاش في القرن 11. لكنه لم يكتف بالتاريخ، بل ألبس الحكاية ثوباً من الخيال والسحر والنبوءات. وكانت الساحرات الثلاث جزءاً أساسياً من هذا العالم الغامض، في زمن كان فيه السحر والشعوذة والخوف من المجهول حاضراً بقوة في المخيلة الأوروبية. حتى الملك جيمس الأول، الذي كان شديد الاهتمام بمطاردة الساحرات، كان قد تناول هذا الموضوع في كتاب له. وهكذا وجد شكسبير في الخرافة مادة خصبة للمسرح، وحوّل الساحرات إلى أصوات غامضة تفتح أمام ماكبث باب المستقبل، ثم تدفعه، من حيث لا يدري، إلى هاوية ذلك المستقبل.بعد مضي أكثر من قرن ونصف القرن على ولادة “ماكبث”، جاء الرسام السويسري البريطاني جون هنري فوزيلي ليعيد اكتشاف عالمها الساحر بإحساس جيّاش خاص به. كان فوزيلي من أبرز وجوه الحركة الرومانسية، لكنه لم يكن تشكيلياً فحسب؛ كان يكتب وينقد ويترجم ويهتم بالمسرح، شخصية موسوعية تذكرنا بالجاحظ وغيره من أعلام الثقافة العربية القديمة، حين كان الأديب والفنان لا يعيش داخل حدود فن واحد. قرأ “ماكبث” بشغف في زيوريخ، تلك المدينة التي ترقد على بحيرتها كالهمزة على سطرها، فترجمها إلى لغته الأم، ثم حمله افتتانه بها إلى إنكلترا، حيث شاهدها على خشبة أحد مسارح لندن. هناك، بين السحر والمسرح، وجد فوزيلي في شكسبير عالماً يوافق ذلك الجانب الغامض والمخيف الذي ظل يسكن مخيلته، عالم الجنّ والملائكة!ولم يكن فوزيلي وحده ممن أطلقوا العنان لخيالهم أمام ساحرات “ماكبث”. فقد استلهم فنانون آخرون هذه الشخصيات ورسموا مشاهد من المسرحية، غير أن فوزيلي منحها حياة تتجاوز الزمان والمكان. حملها، بتؤدة الفنان، من عالم شكسبير إلى دهاليز النفس الأمارة، ومن خشبة المسرح إلى فضاء الحلم والخيال. ولعل هذا ما جعل أعماله تبدو غريبة في زمانها، بل أثارت سخرية بعض معاصريه؛ فالفن الذي يذهب بعيداً في الخيال لا يجد دائماً من يفهم لغته منذ الوهلة الأولى. لكن الزمن كان أغلب الظنّ أكثر إنصافاً، إذ بقيت لوحاته حية وازدادت قيمتها ومكانتها مع مرور السنين. ومن بين أعماله المستوحاة من “ماكبث” نسخ من “الساحرات الثلاث” توزعت بين مجموعات فنية ومتاحف في زيوريخ ولندن، فيما اقتنت مجموعة هنتنغتون إحدى هذه النسخ، لتظل الساحرات، بعد قرون من خروجهن من ظلال شكسبير، يواصلن همسهن في ذاكرة الفن.فكيف وصل فوزيلي إلى هذه المرحلة الخارقة للعادة، وأين تشكل ذلك الخيال الذي جعله يرى في الحلم ما لا يراه الآخرون؟ كان الرجل ابن مدن أوروبية عدة؛ تنقل بين زيوريخ وميونخ وروما، ودرس الرسم، ثم أمضى سنوات في روما، حيث انفتح على الفن الكلاسيكي وروح عصر النهضة، قبل أن يحمل حصيلته كلها إلى إنكلترا، ليستقر فيها ويصبح واحداً من الأسماء اللافتة في حياتها الفنية. ولم يحبس نفسه داخل مرسمه؛ فقد كان ناقداً ومحاضراً في الأكاديمية الملكية منذ عام 1790، واقترب من أجيال من الفنانين الذين صار بعضهم لاحقاً من كبار أسماء الفن الإنكليزي. لكن ما جعله مختلفاً حقاً كان ولعه بالعالم الذي لا تراه العين: الأحلام والكوابيس والسحر والمجهول، وما يختبئ في أعماق النفس البشرية. هناك، في المنطقة الفاصلة بين اليقظة والحلم، وجد فوزيلي عالمه الخاص، ومنها خرجت تلك الصور الغريبة التي بدت في زمانها عصية على الفهم، ثم تحولت مع الزمن إلى واحدة من أكثر التجارب الفنية إثارة للدهشة.لعل أجمل ما في تجربة فوزيلي أنه لم ير في شكسبير سفراً مغلقاً، بل عالماً مفتوحاً للخيال والخيلاء المتزنة. فكما استلهم شكسبير حكايات الساحرات من الفولكلور والأساطير القديمة وأعاد خلقها أدبياً، جاء فوزيلي ليعيد خلقها مرة أخرى، ولكن بلغة اللون والضوء والظل.لقد تغيرت أوروبا منذ ذلك الحين. تراجع الإيمان الشعبي بالساحرات والأشباح والمخلوقات الخرافية، وانحسرت المخاوف التي كانت تسكن الحكايات الريفية والدينية. بيد أن بني البشر لم يتخلوا عن حاجتهم إلى الخيال الفيّاض. قد تختفي الساحرة من القرية، لكنها تعود في الرواية والسينما والأسطورة الحديثة؛ ومن “هاري بوتر” إلى “سيد الخواتم”، ظل السحر والفانتازيا يجدان طريقهما إلى مخيلة الإنسان.وربما لهذا السبب لا تزال “ماكبث” حاضرة إلى اليوم. فالساحرات فيها لسن وحدهن مصدر الرعب؛ الرعب الأعمق يكمن في بني آدم نفسه، حين يسمع صوتاً خفياً يعده بالمجد، فيصدقه، ثم يكتشف أن الطريق إلى القمة قد يكون هو الطريق نفسه إلى السقوط.وهنا يلتقي شكسبير بفوزيلي: الأول جعل الخوف لغة للمسرح، والثاني حوّله إلى تشكيل، وبين الكلمة واللوحة بقي شيء من ذلك السحر حياً، يتغير شكله من عصر إلى آخر، وربما لهذا لا تزال ساحرات “ماكبث” يخرجن من الظلام في كل لمحة ونفس كلما وجد الإنسان نفسه واقفاً أمام المجهول يصغي إلى صوت لا يعرف تماماً من أين يأتي.The post “ماكبث”.. وريشة فوزيلي appeared first on صحيفة مداميك.