هل يجوز للولايات المتحدة منع الانقلابي المزمن من دخول أراضيها؟

Wait 5 sec.

د. أحمد عثمان عمرأثار رفض الولايات المتحدة الأمريكية منح تأشيرة دخول للانقلابي المزمن جدلاً واسعاً في أوساط عدة، كان طابعه سياسياً اكثر منه قانونياً، انبنى على التأييد أو الرفض لهذا القرار، من مواقع تأييد المذكور ودعم سياساته من قبل الحركة الإسلامية المجرمة وانصارها وحلفائها و المغيبين من المواطنين بشعارات حرب الكرامة وداعمي الحرب من مواقع الخوف من المليشيا الإرهابية، ومن مواقع معارضة المذكور القائمة على رفض الحرب والدعوة للسلام والوقوف ضد التمكين والحفاظ على شعارات ثورة ديسمبر المجيدة ورفض السلطة غير الشرعية. وهذه المواقف السياسية غطت على الأسس القانونية للقرار ، وصادرت النقاش الموضوعي حوله إلى حد كبير، في حين حاولت إلى حد ما توظيف بعض الاراء القانونية وتجييرها لمصلحتها. والملاحظ بصفة عامة ان أنصار الانقلابي المزمن ، ركزوا على اتفاقية المقر بين الولايات المتحدة الأمريكية والأمم المتحدة في نوفمبر من العام 1947م ، بعد عزلها عزلا تاما عن القانون الوطني الأمريكي الذي صادق عليها. والمعلوم ان الاتفاقيات الدولية لا تصبح جزءا من القوانين الوطنية، إلا بعد المصادقة عليها من الجهاز التشريعي للدولة المعنية بموجب قانون. وتجاهل القانون الوطني الأمريكي لم يكن مصادفة، بل محاولة لاعمال نصوص الاتفاقية وإلزام الولايات المتحدة الأمريكية بها ومطالبتها بالوفاء بالالتزامات الواردة بها، لأنها في حال العزل تخدم الزعم بأن الولايات المتحدة الأمريكية قد أخلت بإلتزاماتها ، وهو رأي يتبناه بعض القانونيين المختصين بالقانون الدولي حتى في الولايات المتحدة الأمريكية نفسها. فالاتفاقية في المادة (11) منها تنص على الا تعيق السلطات الفيدرالية او المحلية المرور من والى منطقة مقر الأمم المتحدة، ويشمل ذلك اي شخص مدعو إلى المقر، وتنص المادة (12) على ان نص المادة (11) يطبق بغض النظر عن علاقات حكومة الأشخاص المعنيين بالولايات المتحدة الأمريكية، كذلك تنص المادة (١٣) على ان قوانين الدخول والإقامة سارية المفعول في الولايات المتحدة الأمريكية لا يجب ان تطبق بطريقة تعيق الامتيازات الواردة بالمادة (11).لكن مواد هذه الاتفاقية والالتزامات الواردة بها ، لا تصبح ملزمة للولايات المتحدة الأمريكية، إلا بعد التصديق عليها بموجب قانون يصدره الكونغرس. وبموجب القانون العام 80-357 ، صادق الكونغرس على الاتفاقية ، ونص في المادة (6) منه حرفياً على ما يلي:” لا يجوز تفسير اي شيء وارد بهذه الاتفاقية على أنه يقلل بأي شكل من الأشكال من حق الولايات المتحدة في حماية أمنها والتحكم الكامل في دخول الأجانب إلى اي اقليم تابع لها بإستثناء منطقة المقر والمناطق المجاورة لها مباشرة”. وهذا النص عرف بالاستثناء الأمني، وكان دائماً مثار جدل بين الولايات المتحدة الأمريكية والأمم المتحدة، منذ المذكرات المتبادلة حول التصديق على اتفاقية المقر في العام 1947م.إذ أن الأمم المتحدة تصر على ان اتفاقية المقر واضحة وصريحة، ويجب ان تفسر وفقا لذلك استنادا للمادة (31-1) من اتفاقية فينا بشأن قانون الاتفاقيات الدولية، التي تنص على ان الاتفاقية الدولية تفسر بحسن نية وفقا للمعاني العادية لمصطلحاتها في سياقها في ضوء الغرض من الاتفاقية. وعليه اي قيود توضع على الحقوق والامتيازات الواردة بإتفاقية المقر ولا توجد ضمن نصوصها ، تعتبر خرقا للاتفاقية وإخلالاً بالالتزامات.لكن هذا بالطبع ليس موقف الولايات المتحدة الأمريكية، التي تتمسك بأن قانونها الوطني هو الذي يعطي الاتفاقية إلزاميتها ويحيلها إلى جزء من القوانين الوطنية ويوجب تنفيذها، وهو يمثل جزءا أصيلا من سيادتها على أراضيها التي لم تتنازل للأمم المتحدة عنها خارج منطقة المقر. وهذا النزاع تكرر عدة مرات في السابق، بما فيها منع بعض الاستشاريين من الدخول للأراضي الأمريكية ومنع ياسر عرفات كذلك في العام 1988م. وحتى محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري لم تفض الاشتباك حول المسألة، بل أوضحت ان النزاع حولها يجب ان يحال للتحكيم .والواضح هو ان الولايات المتحدة الأمريكية حين ترفض منح تأشيرة دخول إلى أراضيها لشخص مدعو من الأمم المتحدة ، تستخدم قانونها الوطني الذي صادقت عبره على اتفاقية المقر والذي اشتمل على استثناءا امنيا واضحا. والاختلاف الذي يثور بين من يمنحونها حق ممارسة هذا الاستثناء كجزء من سيادة لم تتنازل عنها للأمم المتحدة خارج منطقة المقر، هو حول تفسير هذا الاستثناء وهل يصح ان يكون تفسيرا واسعا أم ضيقا. والإدارات الأمريكية المتعاقبة ، تحبذ التفسير الواسع الذي يعطيها الحق في رفض إعطاء تأشيرة لكل من تعتبره خطرا على امنها القومي الذي يشمل أمور واسعة لا حصر لها، في حين ان معظم الفقهاء يحبذون التفسير الضيق الذي يجعل الاستثناء ينطبق على الشخص المعين الثابت انه يشكل خطرا فعليا على أمن الولايات المتحدة الأمريكية.وللإجابة على سؤال هل يجوز للولايات المتحدة الأمريكية منع الانقلابي المزمن من دخول أراضيها ورفض منحه تأشيرة دخول برغم أنه مدعو من الأمم المتحدة لحضور جمعيتها العامة، سنأخذ بالتفسير الضيق ، حتى نرى ان كانت الولايات المتحدة الأمريكية محقة في رفضها أم لا. والوقائع تشير إلى ما يلي:١- قامت الإدارة الأمريكية بتصنيف الحركة الإسلامية كمنظمة ارهابية، والانقلابي المزمن هو احد الجنرالات الذين عملوا معها في حزب المؤتمر الوطني، وعينته مفتشا عاما للجيش الذي اختطفته، ورئيسا للجنة نظامها الأمنية التي نفذت انقلاب القصر، وقائدا للمجلس العسكري الذي سلمته السلطة . وهو نفذ لها الانقلاب الثاني على حكومة شبه المدنية، وقاد حربها ضد الجنجويد، واستمر في تنفيذ اجندتها الرافضة لوقف الحرب. وهذا يضعه في احسن الاحوال حليفا لمنظمة ارهابية، ويجعله خطرا على الأمن القومي الأمريكي ، ويوقعه في دائرة التفسير الضيق نفسه، ويخول الإدارة الأمريكية الحق في رفض منحه تأشيرة دخول للأراضي الأمريكية.٢- الإدارة الأمريكية تتهم علنا الانقلابي المزمن وسلطته غير الشرعية، بإستخدام الأسلحة الكيميائية المحرمة دوليا في حربهم ضد مليشيا الجنجويد الإرهابية. وهذا الاتهام – بغض النظر عن صحته من عدمها- يكفي لتصنيفه خطرا على الأمن القومي الأمريكي، ويخول الإدارة الأمريكية الحق في رفض منحه تأشيرة دخول إلى الأراضي الأمريكية.٣- الانقلابي المزمن يخوض حربا اهلية ضروس، تهدد السلم الإقليمي والعالمي، وتتسبب في معاناة غير مسبوقة للمواطنين، وحالة من الكوارث لم يشهدها العالم من قبل ، وهو يرفض وقفها او التوصل لهدنة بشأنها، وسلوكه يؤكد أنه من الممكن ان يكون خطرا على الأمن الأمريكي لأنه لم يتورع عن ان يكون خطرا على أمن مواطنيه ناهيك عن امن دول اجنبية.ومفاد ما تقدم، هو أن القرار السياسي بمنع الانقلابي المزمن من دخول الأراضي الأمريكية ورفض منحه تأشيرة دخول، ليس عاريا من الأسس القانونية كما يحاول تصويره أنصاره ، فهو يتأسس على قانون صادر عن هيئة تشريعية مختصة في وقت مصادقتها على اتفاقية المقر، وبموجب قانون بدونه لا يمكن ان تصبح اتفاقية المقر ملزمة وسارية المفعول في الأراضي الأمريكية. وحتى يحال النزاع حول الأمر بين الولايات المتحدة الأمريكية والأمم المتحدة إلى التحكيم ويصدر بشأنه حكم يحسم الجدل، يكون للولايات المتحدة الأمريكية الحق في الاستناد لقانونها الوطني الذي صادقت بموجبه على اتفاقية المقر ، ومنع مدعوي الأمم المتحدة من دخول أراضيها لدواع أمنية.والسؤال المحير هو: لماذا يستميت الانقلابي المزمن من اجل دخول الأراضي الأمريكية، ولماذا لم يكتف بتكليف وزير خارجيته الموجود هناك او ممثل سلطته غير الشرعية في الأمم المتحدة بتمثيل هذه السلطة؟؟والإجابة هي في البحث عن شرعية لسلطة غير شرعية، لن تعطيها له الأمم المتحدة لأن الشرعية يعطيها الشعب. والشعب السوداني قال كلمته حين هتف “الثورة ثورة شعب والسلطة سلطة شعب والعسكر للثكنات والجنجويد ينحل”.وقوموا إلى ثورتكم يرحمكم الله!!!The post هل يجوز للولايات المتحدة منع الانقلابي المزمن من دخول أراضيها؟ appeared first on صحيفة مداميك.