عبد المجيد قرشيبعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب في السودان، يبرز سؤال جوهري لا يتعلق فقط بالمكاسب والخسائر العسكرية، وإنما بجوهر الحرب نفسها: هل ما زالت هذه الحرب تحمل أي معنى أخلاقي أو معنوي، أم أنها تحولت إلى صراع مفتوح يدفع ثمنه المواطن السوداني وحده؟في التاريخ الإنساني، كانت الحروب تُبرر – وإن اختلف الناس حول مشروعيتها – بالدفاع عن الأرض، أو حماية الدولة، أو مواجهة العدوان، أو استعادة الحقوق. وكانت هناك دائمًا قيم أخلاقية تحكم استخدام القوة، وتضع حدودًا لما يجوز وما لا يجوز أثناء النزاعات المسلحة. غير أن استمرار الحرب لفترات طويلة، واتساع دائرة الدمار، وتحول المدنيين إلى الضحية الأولى، يجعل من الضروري إعادة النظر في أهدافها ونتائجها.لقد دفعت الحرب السودانية البلاد إلى واحدة من أسوأ الأزمات في تاريخها الحديث. دُمِّرت المدن، وتوقفت عجلة التنمية، وانهارت مؤسسات الدولة في مناطق واسعة، وتشرد ملايين المواطنين داخل السودان وخارجه، وأصبح الحصول على الغذاء والدواء والأمن حلمًا يوميًا لملايين الأسر. في المقابل، لم يعد المواطن يرى أفقًا واضحًا لنهاية الحرب، ولا مشروعًا وطنيًا جامعًا يبرر استمرارها.إن أخطر ما في الحروب الطويلة أنها تُفقد المجتمع حساسيته تجاه الألم الإنساني. يصبح خبر مقتل العشرات أمرًا عاديًا، ويتحول النزوح إلى أرقام، وتختفي معاناة الإنسان خلف البيانات العسكرية والانتصارات الإعلامية. وعندما يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، تكون الحرب قد فقدت جانبًا كبيرًا من معناها الأخلاقي، لأن الإنسان لم يعد هو محور الاهتمام، بل أصبحت الحرب غاية في حد ذاتها.كما أن البعد المعنوي للحرب يتراجع عندما تتداخل المصالح الإقليمية والدولية، وتتحول البلاد إلى ساحة صراع بالوكالة. وعندما تصبح القرارات المصيرية مرتبطة بحسابات خارجية أكثر من ارتباطها بالإرادة الوطنية، فإن الحرب تفقد جزءًا من استقلالها السياسي والأخلاقي، ويصبح الوطن هو الخاسر الأكبر.وفي مثل هذه الظروف، تصبح المسؤولية الأخلاقية والتاريخية ملقاة على عاتق القيادات السياسية والعسكرية في جميع الأطراف المتحاربة. فالقائد الحقيقي لا يُقاس فقط بقدرته على إدارة المعارك، وإنما أيضًا بقدرته على إنهائها عندما يدرك أن استمرارها لم يعد يحقق مصلحة الوطن.غير أن العبء الأكبر يقع على قيادة القوات المسلحة السودانية، باعتبارها المؤسسة الوطنية التي تستمد شرعيتها من الدولة والدستور، وتُناط بها مسؤولية حماية سيادة السودان ووحدة أراضيه والحفاظ على أمن مواطنيه. وهذه الشرعية لا تمنحها فقط حق استخدام القوة، بل تفرض عليها واجبًا أخلاقيًا وسياسيًا أكبر في البحث عن مخرج يوقف نزيف الدم ويحافظ على بقاء الدولة.إن التاريخ لا يحاسب القادة على عدد المعارك التي خاضوها، بل يحاسبهم على حجم الأوطان التي حافظوا عليها. لذلك فإن امتلاك الشجاعة لتقديم التنازلات الوطنية عندما تستدعيها مصلحة البلاد ليس ضعفًا، بل هو أعلى درجات المسؤولية. فالتنازل من أجل الوطن يختلف تمامًا عن التنازل عن الوطن؛ الأول ينقذ الدولة، أما الثاني فيهدمها.وهذا الحديث لا يعفي بقية الأطراف من مسؤولياتها، فكل من يحمل السلاح أو يشارك في صناعة القرار يتحمل نصيبًا من المسؤولية عن استمرار الحرب وآثارها. إن أي مشروع سياسي أو عسكري يفقد قيمته عندما تصبح حياة المواطنين وكرامتهم أقل أهمية من استمرار الصراع أو تحقيق مكاسب آنية.لقد أثبتت تجارب العالم أن معظم الحروب تنتهي في نهاية المطاف إلى طاولة المفاوضات، ولكن بعد أن تكون قد خلفت آلاف الضحايا ودمارًا يصعب تعويضه. والسؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل قائد على نفسه اليوم ليس: كيف أحقق نصرًا عسكريًا؟ بل: ماذا سيبقى من السودان إذا استمرت هذه الحرب سنوات أخرى؟إن الوطن أكبر من الحكومات، وأكبر من الجيوش، وأكبر من الأحزاب، وأكبر من الأشخاص. وإذا ضاع الوطن، فلن يكون هناك منتصر حقيقي. فالانتصار الذي يأتي على أنقاض المدن، ودماء الأبرياء، وتمزيق المجتمع، هو انتصار لا يحمل قيمة أخلاقية أو إنسانية.واليوم، يحتاج السودان إلى قيادة تمتلك شجاعة السلام كما تمتلك شجاعة القتال، وإلى رؤية تضع الإنسان السوداني في مقدمة الأولويات، وتعيد الاعتبار لقيمة الدولة ومؤسساتها، وتفتح الطريق أمام مصالحة وطنية شاملة وعدالة انتقالية تحفظ الحقوق وتمنع تكرار المأساة.لقد آن الأوان لأن تنتصر الحكمة على السلاح، وأن تنتصر المسؤولية الوطنية على الحسابات الضيقة، وأن يدرك الجميع أن بناء السلام أصعب من إشعال الحرب، لكنه الطريق الوحيد الذي يمنح السودان فرصة حقيقية لاستعادة وحدته واستقراره ومستقبله.إن أعظم انتصار يمكن أن يسجله قادة السودان في هذه المرحلة ليس تحقيق تقدم عسكري هنا أو هناك، وإنما اتخاذ القرار التاريخي الذي يوقف الحرب، ويحفظ ما تبقى من الوطن، ويمنح الأجيال القادمة فرصة للعيش في دولة يسودها السلام والعدالة وسيادة القانون. فالأوطان تُبنى بالتضحيات من أجل السلام، لا بإطالة أمد الحروب.The post هل فقدت الحرب معناها الأخلاقي والمعنوي؟ appeared first on صحيفة مداميك.