عبد المجيد قرشيتشهد الساحة السياسية السودانية، في ظل الحرب والأزمة الوطنية الممتدة، ظهور العديد من التكوينات والتحالفات السياسية التي تسعى إلى لعب دور في رسم مستقبل البلاد وإدارة المرحلة الانتقالية أو حتى التنافس على السلطة مستقبلاً. غير أن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: هل تمتلك هذه التكوينات القدر الكافي من النضج السياسي والمؤسسي الذي يؤهلها للقيام بهذا الدور التاريخي؟إن المتابع لمسار بعض هذه التكوينات يلاحظ وجود إشكاليات بنيوية عميقة، تتعلق بطبيعة تكوينها، وأسس التحالفات داخلها، ومدى امتلاكها لرؤية سياسية واضحة ومشروع وطني متكامل. ففي كثير من الأحيان، تبدو هذه التكوينات أقرب إلى تجمعات ظرفية فرضتها ظروف الحرب والصراع، أكثر من كونها مشاريع سياسية ناضجة تمتلك برنامجًا متفقًا عليه لإدارة الدولة والمجتمع.لقد ظهرت مؤشرات عديدة على وجود خلافات داخلية وتباينات في الرؤى السياسية داخل بعض هذه التكوينات. وجاءت استقالة بعض الشخصيات السياسية البارزة، مثل فارس النور، لتفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول طبيعة الخلافات الداخلية، ومدى قدرة هذه الكيانات على استيعاب التباينات وإدارة النقاشات السياسية بصورة مؤسسية. ويبدو أن هناك محاولات لإعادة صياغة المواقف والسياسات أو تعديل الاتجاهات العامة، إلا أن هذه الجهود لم تنجح حتى الآن في بناء توافق سياسي مستقر داخل هذه التكوينات.وتبرز إشكالية أخرى تتمثل في وجود تيارات فكرية وسياسية متناقضة داخل الكيان الواحد. فبينما تتبنى بعض المجموعات خطابًا وطنيًا يدعو إلى وحدة السودان وإعادة بناء الدولة، تظهر في المقابل أصوات أو اتجاهات ذات نزعات جهوية أو انفصالية، الأمر الذي يجعل عملية بناء مشروع سياسي جامع أكثر تعقيدًا وصعوبة. فالتعايش بين مشاريع سياسية متعارضة داخل إطار تنظيمي واحد قد يكون ممكنًا لفترة محدودة، لكنه يصبح مصدرًا للصراع والانقسام عندما تقترب لحظة اتخاذ القرار أو ممارسة السلطة.إن الأزمة الحقيقية لا تكمن في التنوع السياسي أو الفكري، فالتنوع يمثل أحد عناصر القوة في المجتمعات الديمقراطية، وإنما تكمن في غياب المؤسسات والبرامج والآليات التي تنظم هذا التنوع وتديره بصورة عقلانية. فالتجارب السياسية الناجحة لم تقم على التوافقات المؤقتة أو التحالفات الظرفية، بل قامت على برامج سياسية واضحة، ومؤسسات قوية، وقواعد متفق عليها لإدارة الخلافات.ومن المفيد هنا النظر إلى التجارب التاريخية السودانية باعتبارها مصدرًا للدروس والعبر، دون الوقوع في فخ المقارنات الحرفية. فعلى سبيل المثال، يرى بعض الباحثين أن الدولة المهدية واجهت في مراحلها الأخيرة تحديات كبيرة في إدارة التوازنات السياسية والاجتماعية داخل السودان. وقد ارتبطت فترة حكم الخليفة عبد الله التعايشي بصراعات سياسية واجتماعية معقدة، شملت خلافات بين مراكز النفوذ المختلفة داخل الدولة، إضافة إلى تحديات عسكرية واقتصادية وخارجية. ويرى بعض المؤرخين أن ضعف إدارة هذه التناقضات الداخلية كان أحد العوامل التي ساهمت في إضعاف الدولة وانهيار مشروعها السياسي.ولا يعني استحضار هذه التجربة التاريخية أن الظروف الحالية مطابقة لما حدث في نهاية القرن التاسع عشر، وإنما الهدف هو التأكيد على أن أي مشروع سياسي يتجاهل إدارة التوازنات الاجتماعية والسياسية، أو يعتمد على الولاءات الضيقة بدلًا من بناء المؤسسات، يواجه مخاطر كبيرة تهدد استمراره.إن السودان اليوم يمر بمرحلة تاريخية بالغة التعقيد، تتطلب من القوى السياسية والمدنية الارتقاء إلى مستوى المسؤولية الوطنية. فالرهان لا ينبغي أن يكون على بناء تحالفات هشة أو تحقيق مكاسب سياسية مؤقتة، وإنما على تأسيس مشروع وطني جامع يقوم على المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والعدالة، وإدارة التنوع بصورة سلمية ومؤسسية.كما أن الحرب الدائرة قد كشفت عن هشاشة كثير من البنى السياسية التقليدية والحديثة على حد سواء، وأظهرت الحاجة إلى مراجعات فكرية وسياسية عميقة. فالمطلوب ليس فقط وقف الحرب وإنهاء الصراع، وإنما أيضًا إعادة التفكير في طبيعة الدولة السودانية، وفي شكل التمثيل السياسي، وفي كيفية بناء مؤسسات قادرة على إدارة الخلافات دون أن تتحول إلى صراعات وجودية تهدد وحدة البلاد ومستقبلها.وفي النهاية، فإن نجاح أي مشروع سياسي لا يقاس بعدد المشاركين فيه، ولا بحجم الدعم الخارجي الذي يحظى به، بل بقدرته على إنتاج رؤية وطنية جامعة، وإدارة التنوع والخلافات بصورة مؤسسية، وبناء الثقة مع المجتمع. وبدون ذلك، فإن أي مشروع سياسي، مهما كانت شعاراته أو طموحاته، سيظل معرضًا للانقسام والتفكك، وربما يعيد إنتاج أزمات الماضي بأشكال جديدة.The post هل تعاني التكوينات السياسية الناشئة من أزمة نضج سياسي؟ قراءة في التناقضات الداخلية والدروس التاريخية appeared first on صحيفة مداميك.