تحت ظلال السلاح .. النساء في شرق السودان بين مطرقة الانتهاكات وسندان الصمت المجتمعي والغياب القانوني

Wait 5 sec.

مداميك – إدريس عبد اللهمع تطاول أمد الحرب في السودان وتمدد مظاهر عسكرة الفضاء العام، يواجه المجتمع السوداني تحولات سلوكية وقيمية عميقة زلزلت أركان استقراره. وفي شرق السودان، الذي ظل بعيداً نسبياً عن المواجهات المباشرة، برز الوجود المكثف والمتعدد للحركات المسلحة كعبء اجتماعي وأمني ثقيل يدفع ثمنه المدنيون، وتحديداً النساء والفتيات اللواتي يجدن أنفسهن في مواجهة يومية مع تقييد الحريات، والتحرش، وغياب آليات الحماية والمحاسبة الفعالة في آن واحد.تشير الناشطة السياسية، فاطمة عثمان من ولاية البحر الأحمر (اسم مستعار)، إلى أن هذا التمدد المسلح في الفضاء العام بات يشكل عبئاً اجتماعياً ونفسياً ثقيلاً وغير مريح للمواطنين، وانعكس سلباً وبشكل مباشر على أمن الشارع العام من خلال زيادة ملحوظة في معدلات التحرش اللفظي والجسدي بالنساء والفتيات، دون تمييز بين ناشطة مدنية أو امرأة عادية تمارس حياتها اليومية. وتنبه فاطمة إلى ظاهرة بالغة الخطورة برزت تحت وطأة الحرب والأزمة الاقتصادية الراهنة، وتمثلت في سعي بعض الفتيات للارتباط بعناصر تنتمي للحركات المسلحة كوسيلة لتحقيق الحماية والنفوذ، أو لتأمين وضع مادي مريح، مما جعل المجتمع ينظر إلى هذا الارتباط كمصدر للمكانة الاجتماعية العالية، وهو تحول قيمي خاطئ بدأ ينتشر بشكل واسع ومؤسف جراء غياب البدائل المستقرة على حد قولها. وتشير فاطمة إلى أن الحديث عن هذه المضايقات يظل حبيس الروايات الشفهية والقصص المتواترة دون أن يُترجم إلى خطوات قانونية فعلية، إذ لم تسجل المنطقة أي حالة لامرأة تقدمت بشكل رسمي لفتح بلاغ جنائي، وذلك بسبب غياب المحاسبة القانونية والخوف من الوصمة المجتمعية، فضلاً عن استغلال بعض الفتيات للنفوذ المالي والاجتماعي لهؤلاء الشباب المسلحين لصالحّهن.وفي ذات السياق، تؤكد الناشطة الحقوقية من ولاية كسلا، هناء عمر (اسم مستعار)، في مقابلة خاصة مع “مداميك”، أن قضية الوجود المكثف للحركات المسلحة في شرق السودان أصبحت تثير تساؤلات وهواجس عديدة، لا سيما بعد التعدد والانتشار الكبيرين لهذه الفصائل، مؤكدة أن هذا الوضع بات يشكل تهديداً مباشراً لحرية حركة النساء ويؤثر سلباً على تفاصيل حياتهن اليومية. وأوضحت أن حدة هذه التوترات تصاعدت بشكل لافت في أعقاب الاستنفار والتحركات العسكرية الأخيرة المرتبطة بحركات شرق السودان، مما أدى إلى انتشار واسع وشديد للقوات المسلحة والحركات في مختلف نقاط الارتكاز والتفتيش، وهو ما فرض قيوداً صارمة على أوقات خروج النساء للعمل. وتضيف هناء أن الفئات الأكثر تضرراً هن النساء العاملات في القطاع غير المنظم، وتحديداً بائعات الشاي والأطعمة، إذ أصبحن يتجنبن التواجد في الشوارع والأسواق بعد صلاتي المغرب والعشاء، وهي الفترات التي يزداد فيها انتشار عناصر الحركات، مما أجبرهن على تغيير مناطق عملهن ونقل أماكن كسب عيشهن بعيداً عن مناطق تمركز هذه الحركات بحثاً عن مساحات أكثر أماناً.وتسترسل هناء مبينة أن المضايقات في نقاط التفتيش والارتكازات الكثيفة، لا سيما في المناطق الحيوية مثل المقاهي القريبة من كورنيش القاش، باتت تمثل عائقاً كبيراً أمام ممارستهن لأعمالهن بحرية، حيث يتعرضن لإجراءات تعسفية تشمل ترحيلهن قسراً من أماكن عملهن وإجبارهن على إغلاق محالهن بعد مغيب الشمس، ورغم عدم رصدها لحالات تحرش موثقة بشكل مباشر، إلا أن القصص المتواترة تؤكد استمرار عمليات الطرد والتوقيف التعسفي. وتعرب هناء عن أسفها البالغ إزاء غياب أي محاسبة حقيقية، موضحة أن أغلب الحالات واجهت وعوداً شفهية فضفاضة من قيادات تلك القوات تفيد بأنه سيتم التحدث مع الأفراد ومحاسبتهم، بيد أن هذه الوعود تظل حبراً على ورق دون أي تطبيق، وينتهي الأمر غالباً بالإفراج عن المتورطين بسبب النفوذ الواسع والسلطة التي تتمتع بها هذه الحركات.من جانبها، ترسم الناشطة الحقوقية من القضارف، مروة محمد في حديثها لـ”مداميك”، خارطة تحليليّة متباينة للواقع العسكري والاجتماعي في شرق السودان، مشيرة إلى أن المشهد الحقوقي والأمني يختلف بوضوح بين ولاية وأخرى تبعاً للطبيعة الديموغرافية والتركيبة السكانية لكل منطقة. وأوضحت مروة أن مدينتي بورتسودان وكسلا تشهدان انتشاراً كثيفاً وملحوظاً للحركات المسلحة ذات الطابع الإثني، نظراً لتركز إثنيات محددة وصراعها في هاتين المدينتين، بينما تتمايز ولاية القضارف عن جاراتها بتنوع وتعدد إثني واسع جداً، وهو ما جعلها بمنأى عن ظاهرة الانتشار العسكري العشوائي أو الكثيف للحركات؛ إذ تفتقر الولاية تاريخياً لهذا النمط، ولم تظهر فيها حتى بعد اندلاع الحرب الراهنة سوى حركة رسمية واحدة جديدة تُعرف بـ “حركة شباب التغيير”، وتتمركز في نطاق جغرافي ضيق يشمل بضعة أحياء يقطنها أبناء هذه الإثنية المكوّنون للحركة، دون أن تمتد إلى بقية أنحاء المدينة.وتأسيساً على هذه المعطيات، تذكر مروة محمد أن مظاهر التمركز العسكري للحركات المسلحة داخل الأحياء السكنية، وما يترتب عليها عادة من مضايقات للمدنيين والنساء، لا تُعد ظاهرة تفشت في القضارف، بل ظلت محدودة للغاية مقارنة بالوضع في كسلا وبورتسودان، حيث انحصرت نقاط الارتكاز والوجود المسلح في بداية الحرب إبان فترة الاستنفار الشعبي الكبير في منطقة السوق الرئيسية فحسب، وظلت الأحياء السكنية هادئة. ومع تطورات الحرب اللاحقة وهجوم قوات الدعم السريع على ولايتي الجزيرة وسنار، عادت نقاط الارتكاز العسكري للظهور مجدداً في القضارف بعد أن خفتت حدتها قليلاً، لكنها حافظت على ذات طبيعتها السابقة وظلت متمحورة حول منطقة السوق دون التغلغل بين منازل المواطنين.ورغم هذه المحدودية، لم تنفِ الحقوقية السودانية تأثر النساء في الفترات التي شهدت تمركزاً عسكرياً في بعض الأحياء المحدودة؛ إذ حدَّ وجود المسلحين وسط المدنيين من حرية حركة النساء والفتيات داخل تلك الأحياء، وصار تنقلهن لقضاء احتياجاتهن الأساسية محفوفاً بالصعوبة والتردد خشية التعرض للمشاحنات أو المضايقات العابرة، بيد أن هذا التأثر لم يُترجم إلى مسارات قانونية أو قضايا رسمية، حيث تؤكد مروة أنها لم تشهد حالة واحدة لامرأة تقدمت بشكوى رسمية وتابعت قضيتها في دهاليز المحاكم حتى النهاية، مبينة أن أغلب ما تداولته وسائل الإعلام من مشكلات لم يكن متعلقاً بمضايقات تعرضت لها نساء، بل كان ناتجاً عن احتكاكات مسلحة بين القوات النظامية وحركات أخرى، مثل حركة تمبور أو القوة المشتركة مؤخراً، داخل بعض أقسام الشرطة والمقرات الرسمية بالمدينة.وعزت مروة محمد غياب البلاغات الرسمية وإحجام النساء عن سلوك التقاضي القانوني إلى سببين جوهريين؛ أولهما طبيعة العلاقات الاجتماعية في الأحياء البسيطة التي شهدت تلك المضايقات المحدودة، حيث تنظر النساء هناك إلى المسلحين المتواجدين باعتبارهم أبناءهن أو أقاربهن، ويميل المجتمع في هذه الحالة إلى احتواء المشكلات وحلها ودياً وأهلياً دون اللجوء للشرطة، أما السبب الثاني والأعمق، فيكمن في العُرف المجتمعي السائد في القضارف، والذي يفرض سياجاً من التحفظ الشديد على استدعاء النساء أو تدوين بلاغات ضدهن، وهو عُرف ممتد حتى قبل فترة الحراك الثوري في عامي 2019 و2020، حيث كانت الاعتقالات والاستدعاءات الأمنية تطال الشباب ولجان المقاومة بشكل رئيسي، بينما كان يندر جداً التعرض للناشطات الحقوقيات تجنباً لإحراج الأسر، إذ تُعد ملاحقة امرأة أو جرّها إلى الأقسام أمراً معيباً ومرفوضاً في العرف المحلي؛ وهي ذات النظرة المجتمعية التي تدفع النساء أنفسهن اليوم إلى تحاشي الإجراءات القانونية والمحاكم، تفادياً للمشقة والقيل والقال في مجتمع محافظ ومترابط.ومن الناحية القانونية والحقوقية، تفكّك المحامية والمدافعة عن حقوق الإنسان، وهاج كمال، الأبعاد القانونية لانتهاكات الحركات المسلحة ضد النساء في شرق السودان، مشددة في مستهل حديثها لـ:”مداميك” على ضرورة التمييز بين المسؤولية القانونية الصارمة والقدرة العملية للأجهزة التنفيذية على إنفاذ القانون. وأوضحت كمال أن ضعف الأجهزة الشرطية في بعض السياقات أسهم في ضبابية تتبع المسؤولية الجنائية لمرتكبي الجرائم، مستدركة بأن الأصل القانوني ثابت؛ فإذا كان مرتكب الانتهاك ينتمي إلى جماعة مسلحة منظمة أو جهاز نظامي، فإن المسؤولية الجنائية المباشرة تقع على عاتق الشخص المرتكب للفعل أولاً، ثم تمتد تضامنياً لتطال القادة والمسؤولين المباشرين، سواء أكانوا على علم بتلك الانتهاكات أم كان واجباً عليهم العلم بها وفقاً لمقتضيات مناصبهم، وتقاعسوا عن اتخاذ إجراءات حاسمة لوقفها أو منعها، مما ينقل المسؤولية الجنائية من الفاعل المباشر إلى الهرم القيادي.وأضافت المدافعة عن حقوق الإنسان أنه بالرغم من حالة السيولة الأمنية العامة، فإن ولايات شرق السودان لا تزال تُصنف كمناطق آمنة نسبياً، وتتميز باستمرار عمل أجهزتها العدلية والقضائية والشرطية على نحو تقليدي مقارنة بالمناطق الأخرى المتأثرة بالنزاع المباشر، وبناءً على هذا الواقع، تؤكد وهاج أن الخيار القانوني الأول المتاح أمام النساء اللواتي يتعرضن لأي نوع من المضايقات هو التوجه الفوري إلى أقرب قسم للشرطة لتقييد بلاغات رسمية وتفعيل دور أجهزة التحقيق، وفي حال واجهت الضحايا صعوبات أو قيوداً تحول دون اللجوء الفوري للشرطة، فإن البديل الحقوقي الأمثل يكمن في رصد الانتهاك وتوثيقه بدقة، عبر تسجيل تفاصيل الحادثة، وتحديد هوية الجناة، وجمع شهادات الشهود؛ تمهيداً لرفع هذه الملفات الموثقة إلى منظمات العون القانوني الوطنية، أو الآليات واللجان الدولية المعنية برصد الانتهاكات، لضمان ملاحقة المتورطين عبر النماذج القانونية للمحاسبة سواء في المسار العدلي الوطني ما بعد النزاع أو المسار الدولي.وعلى صعيد القانون الدولي الإنساني، تشير المحامية وهاج كمال إلى أن الاتفاقيات الدولية أفردت نصوصاً حاسمة لحماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة، حيث كفلت المادة (27) من اتفاقية جنيف الرابعة حماية خاصة للنساء ضد العنف القائم على النوع الاجتماعي، والتحرش الجنسي، والاغتصاب، والابتزاز. وفيما يتعلق بإجراءات التفتيش عند الارتكازات الأمنية، أوضحت كمال أنه على الرغم من أن ظروف الحرب وحالة الطوارئ تمنح الجهات الأمنية الحق في التفتيش، إلا أن هذا الحق مقيد بشروط صارمة نص عليها القانون الجنائي السوداني وتوافق معها القانون الدولي الإنساني؛ وأبرزها وجوب أن يتم تفتيش النساء بواسطة عناصر نسائية حصراً، مؤكدة أن إجبار النساء على الخضوع للتفتيش من قِبل عناصر رجالية يُصنف قانونياً كشكل من أشكال التحرش الجنسي والانتهاك الصارخ للقانون الدولي.واختتمت كمال إفادتها لـ “مداميك” بالتأكيد على أن ممارسات الابتزاز المالي أو المعنوي والتضييق التي تتعرض لها النساء في نقاط التفتيش، إلى جانب تقييد حريتهن في الحركة أو إعاقة نقلهن الآمن من مناطق النزاع، تشكل مجتمعة جرائم انتهاك لحقوق الإنسان تضع الدولة أو الجماعات المسلحة المسيطرة على الأرض في مواجهة مباشرة مع المسؤولية الدولية، مشيرة إلى أن التزام أطراف النزاع بتوفير الأمن للمدنيين وحماية وسائل نقلهم يعد واجباً أصيلاً، وأن فشل السلطات الداخلية أو القوى المسيطرة في كبح جماح أفرادها وحماية النساء من هذه الممارسات التعسفية، أو الاكتفاء بتقديم وعود شفهية دون محاسبة فعلية على أرض الواقع، يُعد تواطؤاً يععرض تلك الجهات وقادتها للملاحقة والمحاكمات الجنائية بتهمة ارتكاب جرائم انتهاك حقوق الإنسان الجسيمة.The post تحت ظلال السلاح .. النساء في شرق السودان بين مطرقة الانتهاكات وسندان الصمت المجتمعي والغياب القانوني appeared first on صحيفة مداميك.