ثقافة التكافل السودانية: من العادة الاجتماعية إلى آلية للبقاء

Wait 5 sec.

بروفيسور: عاصم التجاني شمعونفي كثير من دول العالم، عندما يتعرض الناس للأزمات والحروب والكوارث، يتجهون أولاً إلى الدولة ومؤسساتها طلباً للحماية والمساعدة. أما في السودان، فغالباً ما يتجه الناس أولاً إلى بعضهم البعض. يتصل القريب بقريبه، ويفتح الجار بابه لجاره، ويتقاسم الناس ما لديهم من طعام وماء ومأوى، قبل أن يصل أي دعم رسمي أو مؤسسي. ولذلك فإن التكافل في السودان ليس مجرد قيمة أخلاقية جميلة نتحدث عنها في المناسبات، بل هو نظام اجتماعي حقيقي ظل يعمل لعقود طويلة، وأثبت فعاليته بصورة استثنائية خلال الأزمات.لقد كشفت الحرب الحالية، كما كشفت أزمات سابقة من قبلها، أن المجتمع السوداني يمتلك قدرة مدهشة على تنظيم نفسه وحماية أفراده عندما تشتد الظروف. ومن هنا تأتي أهمية النظر إلى التكافل ليس بوصفه عادة اجتماعية فقط، بل بوصفه إحدى أهم آليات البقاء والاستمرار في المجتمع السوداني.أولاً: الجذور الثقافية للتكافل في المجتمع السوداني: التكافل في السودان ليس ظاهرة جديدة نشأت بسبب الحرب أو الفقر، بل هو جزء عميق من الثقافة السودانية. فمنذ أجيال طويلة عرف السودانيون أشكالاً متعددة من التعاون والمساندة. في القرى كان الناس يتعاونون في الزراعة والحصاد وبناء المنازل. وفي المدن كانت الروابط الأسرية والحي السكني تؤدي دوراً كبيراً في دعم المحتاجين ومساعدة الأسر في الأفراح والأتراح. ونشأ السوداني وهو يسمع عبارات مثل:1. الجار قبل الدار2. الناس للناس3. الضيق بتقسم4. اليد الواحدة ما بتصفقهذه العبارات ليست مجرد أمثال شعبية، بل تعبير عن فلسفة اجتماعية كاملة تقوم على أن الإنسان لا يعيش وحده، وأن المجتمع مسؤول عن أفراده. ولذلك فإن التكافل لم يكن عملاً خيرياً استثنائياً، بل كان جزءاً من الحياة اليومية العادية.ثانياً: التكايا والمبادرات الشعبية: (عندما يتحول المجتمع إلى مؤسسة): من أجمل الصور التي ظهرت خلال الحرب السودانية انتشار التكايا والمطابخ الجماعية والمبادرات الشعبية في مختلف المدن والقرى ومناطق النزوح. ففي وقت تعطلت فيه كثير من المؤسسات الرسمية، ظهرت مجموعات من الشباب والنساء والمتطوعين لتنظيم عمليات إعداد الطعام وتوزيعه على المحتاجين. لم يسأل أحد عن الانتماء السياسي أو القبلي أو الجهوي لمن يتلقى المساعدة. كان السؤال الوحيد هو: “هل يحتاج إلى الطعام؟ هذه المبادرات أثبتت أن المجتمع السوداني يمتلك طاقة هائلة من العطاء والعمل الجماعي.وربما كانت القيمة الأهم لهذه المبادرات أنها أعادت الثقة بين الناس، وأكدت أن المجتمع ما زال قادراً على حماية نفسه رغم الظروف القاسية. لقد تحولت التكايا في كثير من المناطق من مجرد مكان لتقديم الطعام إلى مساحة للتضامن الاجتماعي والأمل ومقاومة اليأس.ثالثاً: الجيران والأقارب: (شبكة الأمان التي لا تسقط): في الدول المتقدمة توجد أنظمة تأمين اجتماعي متطورة، لكن في السودان ظل الجار والقريب يشكلان أهم شبكة أمان اجتماعي.كم من أسرة نزحت فوجدت بيت قريب أو صديق مفتوحاً لها؟وكم من أسرة تقاسمت منزلها الصغير مع أسر أخرى؟وكم من شخص فقد عمله أو مصدر دخله فوجد من يقف إلى جانبه حتى تجاوز محنته؟لقد أثبتت الأزمة أن العلاقات الاجتماعية ليست مجرد روابط عاطفية، بل هي مورد اقتصادي واجتماعي حقيقي.فالأسرة الممتدة والجيرة والعلاقات الاجتماعية خففت كثيراً من آثار الحرب والنزوح والفقر. ولولا هذه الشبكات الاجتماعية لكانت معاناة ملايين السودانيين أكبر بكثير مما هي عليه اليوم.رابعاً: التكافل أثناء النزوح: (الوجه المضيء وسط المأساة): النزوح من أقسى التجارب التي يمكن أن يمر بها الإنسان. أن تترك منزلك وممتلكاتك وذكرياتك وتبدأ حياة جديدة في مكان لا تعرفه، هو امتحان قاسٍ لأي مجتمع.لكن ما حدث في السودان كشف جانباً مضيئاً وسط هذه المأساة. ففي كثير من المدن والقرى استقبل السكان المحليون آلاف الأسر النازحة، وشاركوا معهم البيوت والطعام والخدمات.بعض الأسر استضافت أقاربها، وبعضها استضافت أشخاصاً لم تكن تعرفهم من قبل. وكانت هناك نماذج إنسانية رائعة لأشخاص اقتسموا آخر ما يملكون مع الآخرين. هذه المواقف لا تلغي حجم المعاناة، لكنها تؤكد أن المجتمع السوداني ما زال يحتفظ برأسمال اجتماعي وأخلاقي كبير. وفي أوقات الأزمات الكبرى يصبح هذا الرأسمال أحياناً أكثر أهمية من المال نفسه.خامساً: التكافل كسلوك إداري غير مكتوب: ومن الزوايا التي كثيراً ما يتم تجاهلها أن التكافل السوداني ليس مجرد تعبير عن الرحمة أو الكرم، بل هو في جوهره سلوك إداري واجتماعي منظم، وإن لم يُكتب في لوائح أو قوانين. فعندما تستقبل أسرة نازحة عشرات الأشخاص في منزلها، وتنجح في توزيع الطعام والمياه وأماكن النوم وتنظيم الاحتياجات اليومية، فإنها تمارس شكلاً من أشكال الإدارة. وعندما تتعاون مجموعة من الجيران على توفير الغذاء أو العلاج أو المأوى للأسر المتضررة، فإنها تمارس التخطيط والتنسيق وتقاسم الموارد بصورة تلقائية.لقد أظهرت الأزمات التي مر بها السودان أن المجتمع يمتلك قدرة عالية على إدارة موارده المحدودة بكفاءة لافتة. فالتكافل لم يكن مجرد عاطفة إنسانية، بل تحول إلى نظام عمل جماعي يقوم على التعاون وتقاسم الأدوار وتحمل المسؤولية المشتركة. وهذا ما يفسر قدرة كثير من المجتمعات المحلية على الصمود رغم ضعف الإمكانات وغياب الدعم الرسمي في بعض الأحيان.ومن منظور إداري، فإن هذه التجارب تكشف عن رأس مال اجتماعي هائل يمتلكه السودان. فالثقة بين الناس، وروح المبادرة، والاستعداد للتطوع، والقدرة على العمل الجماعي، كلها موارد لا تقل أهمية عن المال أو البنية التحتية. بل إن كثيراً من الدول تنفق مليارات الدولارات لبناء ما يمتلكه المجتمع السوداني بصورة طبيعية من شبكات تضامن وتعاونسادساً: هل يمكن تحويل التكافل إلى نموذج تنموي؟: السؤال المهم اليوم ليس فقط كيف نحافظ على ثقافة التكافل، بل كيف نحولها إلى قوة تنموية مستدامة. فالتكافل وحده لا يكفي إذا ظل محصوراً في الاستجابة للأزمات فقط. المطلوب هو الانتقال من المساعدة المؤقتة إلى التنمية المستدامة. بدلاً من أن نقدم الطعام فقط، يمكن أن ندعم مشاريع صغيرة توفر دخلاً دائماً للأسر.وبدلاً من الاكتفاء بجمع التبرعات، يمكن إنشاء صناديق مجتمعية لدعم التعليم والتدريب وريادة الأعمال. وبدلاً من انتظار الدعم الخارجي، يمكن استثمار طاقات المجتمع نفسه في بناء مشروعات إنتاجية تعود بالنفع على الجميع.لقد أثبت السودانيون أنهم قادرون على التعاون في مواجهة الأزمات، فهل يمكن أن نتعاون بالطريقة نفسها في بناء الاقتصاد والتنمية؟ إذا نجحنا في ذلك، فإن التكافل سيتحول من وسيلة للبقاء إلى وسيلة للنهوض والتقدم.خاتمة: عندما يكتب المؤرخون يوماً قصة هذه المرحلة الصعبة من تاريخ السودان، فسوف يتحدثون عن الحرب والنزوح والخسائر الكبيرة. لكنهم سيتحدثون أيضاً عن شيء آخر لا يقل أهمية. سيتحدثون عن ملايين السودانيين الذين ساعدوا بعضهم البعض دون أوامر أو قرارات أو ميزانيات ضخمة. سيتحدثون عن الجار الذي فتح بابه، والمرأة التي أعدت الطعام للمحتاجين، والشاب الذي تطوع لخدمة النازحين، والأسرة التي اقتسمت ما لديها مع الآخرين. لقد أثبتت التجربة أن قوة السودان لا تكمن فقط في موارده الطبيعية أو موقعه الجغرافي، بل في إنسانه. فالتكافل لم يكن مجرد عادة اجتماعية جميلة، بل كان في كثير من اللحظات طوق النجاة الذي حافظ على تماسك المجتمع ومنع انهياره. ولهذا فإن المستقبل لا يحتاج فقط إلى إعادة بناء الطرق والجسور والمباني، بل يحتاج أيضاً إلى الحفاظ على هذه الروح السودانية النبيلة، وتطويرها وتحويلها إلى مشروع مجتمعي وتنموي كبير. فالأوطان تبنى بالتراحم والتعاون والإحساس العميق بأن مصير الناس واحد، وأن الإنسان يظل أقوى عندما يكون مع أخيه الإنسان.The post ثقافة التكافل السودانية: من العادة الاجتماعية إلى آلية للبقاء appeared first on صحيفة مداميك.