د. عبدالناصر علي الفكيمثّلت حرب السودان في أبريل 2023م إضافة سيئة أخرى في البنية المعقدة التراكمية لسياق التاريخ الثقافي والسياسي، حيث تتداخل الانقسامات وتتصل الأزمات الوطنية بمراحلها المختلفة منذ الاستقلال عام 1956م، وصولاً إلى مستنقع حرب العبث. وهذا يبرز سؤالاً جوهرياً حول كيف يمكن لسوسيولوجيا الخوف الجماعي أن تعيد تشكيل الوعي الجماعي للمجتمع ومؤسسات الدولة، وتُكسِب شرعيةً لعملية التنافس المرغوب والمحكوم بقوانين الضبط الرسمي والنظام الاجتماعي، عوضاً عن عمليات الصراع والنزاع العنفي المنظّم تجاه الآخر المختلف، والذي يفترض الفعل الوطني الأخلاقي التفاعلَ كأمة واحدة تتقاسم المصير والمشكلات نفسها. وهذه الإشكالية التاريخية، في إطار تحليل سوسيولوجيا الخوف، تكشف عن آلية خفية لكنها مدمرة، حين يتحول الخوف من مجرد شعور إنساني طبيعي غريزي إلى أداة سياسية واجتماعية ممنهجة تعيد إنتاج الكراهية وتحاول مصادرة إعادة بناء السلام المستدام. إذ تسعى هذه الآلية إلى جعل الخوف ليس حالة عابرة، بل بنية ثقافية اجتماعية تخلق “آخر” مهدداً يستوجب مواجهته بالعنف الرمزي والمادي والمعنوي، كبديل واهٍ عن لغة التفاهم والحوار من أجل حياة مشتركة. وتعمل تلك الجماعات، بخبث استراتيجي ماكر، على إضفاء شرعية معاكسة للمواطنة المدنية من خلال نشر نمذجة تقوم على التصنيفات المسبقة التي تسبق أي فعل إنساني وتحدد قيمته بناءً على الموقع من الصراع، لا على جوهر الفعل العقلاني الموضوعي والأخلاقي.وتتمظهر هنا مأزومية وضع السودان الحالي عبر تراتبية منظومة القيم للمواطن، وهي التي تحكم العلاقة والتفاعل بين الفرد والجماعة والمجتمع والدولة، حيث بات التصنيف الإثني/العرقي يحتل المرتبة الأولى، يليه الانتماء المناطقي الجغرافي، ثم الموقف السياسي من الحرب والسلطة، فيما تتأخر المواطنة كقيمة فضلى عادلة في الدرجة الأخيرة، فتبدو وكأنها قيمة فائضة عن الحاجة تسقط في مستنقع الانحياز الموقفي التبريري المصلحي. وهذا الترتيب السيئ ليس اعتباطياً ولا مؤقتاً، بل هو نتاج سياسات طويلة الأمد ظلت تطفو وتغوص وفق معادلة السياق المدني الشمولي، التي أعادت إنتاج دائرة التهميش والمركزية، وحوّلت التنوع الثقافي والجغرافي إلى أداة للصراع والنزاع بدلاً من أن يكون مكوناً للثراء والتنوع الوطني. والآن، فإن “حقيقة الفعل” التي يفترض أن تكون معياراً لتقييم سلوك الإنسان والجماعة، تغدو مرهونة بقيد التصنيفات الجامدة المهلكة للبناء الوطني، فيصبح الشخص معادياً أو صديقاً، وطنياً أو خائناً، ليس بناءً على ما يفعله أو يقوله، بل بناءً على هويته المسبقة التي صُنعت له، مما يفقد المجتمع قدرته على قراءة الواقع بروح موضوعية، ويكرس دوامة العنف التي لا تجد مخرجاً. وهكذا تنتقل الحرب إلى مربع الثقافة الاجتماعية للجماعات المتصارعة.وتبقى أوقات الأزمات والكوارث استثناءات مؤقتة تختبر على الدوام صحة هذا الموقف، إذ إن عملية بناء الأوطان الحقيقية تكمن في الروح الجماعية والوعي العام والحس الواحد والوجدان المشترك في التعايش والاندماج الاجتماعي. وفي تلك اللحظات التاريخية التي يتعرض فيها الإطار الاجتماعي التقليدي للاهتزاز، يظهر التضامن الإنساني كقوة مقاومة فعّالة ضد التصنيفات الضيقة، ويتجاوز الناس انتماءاتهم العرقية والمناطقة ليقدموا نموذجاً مغايراً لما يمكن أن يكون عليه المجتمع السوداني. لكن منظومات بناء صناعة الكراهية تنشط، مستخدمة إمكانيات أجهزة الدولة، من بعض عديمي الوطنية أو بالوكالة للخارج، بتفعيل أدوات هدامة تستند إلى الانتماء الاجتماعي عبر منظومة “الفساد الهوياتي”؛ إذ تعيد تلك المنظومات إنتاج السياسات والخطابات الرجعية التي تسعى إلى إعادة الأوضاع إلى نصابها، وتجتهد في محو اللحظات الجميلة من الذاكرة، وتستعيد التصنيفات المسبقة بقوة واتساع أكبر في التضييق على الحقوق والخدمات، بل انتزاع الحق في الجنسية، وكأن الوطن المشترك لم يكن سوى فترة مؤقتة في ظلام الانقسام. وهكذا يصبح الوطن والأمة مجرد شعارات ترفع وقت الحاجة، وتُنسى فور عودة المصالح الصغرى للجماعات لتسيطر على المشهد المأساوي، وتتحول المواطنة إلى مفهوم هش يمكن التلاعب به، يُفصل حسب مقاس الموقف والمصلحة الفرعية لا الكلية، وليس كقيمة ثابتة تستوجب حقوقاً وواجبات.إن ما يحدث في السودان اليوم يعكس بدقة هذه المعادلة المستحيلة، حيث تتحول السلوكيات المتواترة للخطاب السلطوي نحو التخوين واستغلال الفرص وتصفية الحسابات إلى سمات مجتمعية عامة، تستغل وسائل التواصل الاجتماعي، وأحياناً حسب موازين القوة الإعلام الرسمي للدولة، تحت غطاء التصنيفات المسبقة المبررة، وتستهدف الفاعلين في المجال العام من السياسيين وقادة الرأي العام وغيرهم. وهذه الأفعال لن تؤدي إلا إلى انهيار النسيج الاجتماعي للمجتمع المتماسك، تحت وطأة صناعة الكراهية التي تبيع الوهم للجميع بأن البقاء يكون بتصفية الآخر واستهدافه لا بالتعايش معه. ومن هنا، فإن تحليل سوسيولوجيا الخوف كعائق أمام السلام يدعو باستمرار، في إطار نضالي، إلى نقد ومواجهة هذه الآليات الخبيثة التي تنتج بنى الخوف المرضي الممنهج، وإلى ضرورة بناء وعي نقدي إدراكي يملك الفرد والجماعة القدرة على تفنيد تزييف الوعي وكشفه، وإعادة استعادة التعايش الاجتماعي. فالقضية ليست في إنكار التنوع أو اختزال الهوية، بل في إعادة ترتيب الأولويات بحيث تعلو قيمة المواطنة كأساس للحقوق والواجبات على كل الانتماءات الضيقة، وتصبح حقيقة الفعل الإنساني هي المعيار، لا الانتماء المسبق الذي صُنع في مختبرات السياسات المتعصبة. ودون ذلك، سيظل السودان أسير دائرة الخوف التي تأكل من ماضيه وحاضره ومستقبله، وستبقى خطابات السلام مجرد كلام يُقال، بينما يضيع الوطن في تفاصيل الرغبات الصغيرة لجماعة نظام الإنقاذ المخلوع، التي تبدو غير مكترثة بروح الإجماع الوطني الثوري القادر على إعادة بناء ما هدمته عقود من التهميش والإقصاء والمركزية. إن الموقف للشخص أو المجموعة أو الحزب تجاه القضايا والمشكلات والأفعال هو اختيار عقلاني مسؤول، ينال الرضا أو التوبيخ، ويخضع للمساءلة القانونية، لكن الوطن والمواطنة يظلان للجميع، حقوقاً وواجبات.—————————-أستاذ جامعي – مدير مركز تنمية التعايش الاجتماعيThe post سوسيولوجيا الخوف والتصنيفات المسبقة: أزمة المواطنة (7) appeared first on صحيفة مداميك.