مهدي داود الخليفةمنذ اندلاع الحرب في السودان في الخامس عشر من أبريل 2023، تعددت المبادرات وتكاثرت المنابر والوساطات، من جدة إلى المنامة، ومن الإيقاد إلى الاتحاد الأفريقي، ومن المبادرات الإقليمية إلى الجهود الأممية. غير أن الحرب استمرت، واتسعت رقعتها، وارتفعت كلفتها الإنسانية والاقتصادية والسياسية بصورة غير مسبوقة في تاريخ السودان الحديث.واليوم، ومع اقتراب جلسة مجلس الأمن المقررة يوم الجمعة 26 يونيو 2026 والمخصصة لمناقشة تطورات الأزمة السودانية، تتجه الأنظار إلى نيويورك باعتبارها ربما تمثل نقطة تحول مهمة في مسار الحرب.ويكتسب هذا الاجتماع أهمية إضافية بعد التصريحات التي أدلى بها وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في الكويت بتاريخ 24 يونيو 2026، والتي حملت رسائل سياسية واضحة بشأن مستقبل التحرك الدولي تجاه السودان.فقد أكد روبيو أن الولايات المتحدة تواصل التواصل مع جميع الأطراف والدول ذات النفوذ على طرفي النزاع. كما أشار إلى أن الجهود الحالية تستند إلى التفاهمات التي خرج بها مؤتمر برلين، وأن المبعوث الأمريكي الخاص مسعد بولس يتابع الملف بصورة يومية، في إطار تحرك دبلوماسي مستمر يهدف إلى وقف القتال وفتح الممرات الإنسانية تمهيداً للوصول إلى سلام دائم.أن التحركات الجارية لا تقتصر على الجهود الأمريكية أو الأممية المنفردة، بل تأتي في إطار تفاهمات أوسع يجري بناؤها بين القوى الدولية والإقليمية الرئيسية. ومن ثم، فإن جلسة مجلس الأمن المقبلة قد لا تكون مجرد اجتماع دوري لمناقشة الأزمة السودانية، وإنما حلقة ضمن مسار سياسي ودبلوماسي أكبر يجري الإعداد له خلف الكواليس، بهدف الانتقال من إدارة الحرب إلى إنهائها، أو على الأقل فرض هدنة طويلة الأمد تهيئ الأرضية اللازمة لانطلاق عملية سياسية شاملة.وإذا صحت هذه القراءة، فإن ما سيصدر عن مجلس الأمن في السادس والعشرين من يونيو قد يعكس للمرة الأولى توافقاً دولياً وإقليمياً متزامناً حول ضرورة إنهاء الحرب، وهو العامل الذي ظل غائباً بدرجات متفاوتة خلال معظم مراحل الصراع منذ اندلاعه في أبريل 2023.وتشير تحركات المبعوث الأمريكي مسعد بولس، وتصريحات وزير الخارجية الأمريكي، وجهود الآلية الخماسية، ونشاط الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، إلى وجود توافق دولي متنامٍ حول ضرورة الانتقال من مرحلة الاحتواء إلى مرحلة التسوية.ولعل جلسة مجلس الأمن المقبلة تمثل أول اختبار عملي لهذا التوجه.إذا استمرت حالة التوافق النسبي بين الولايات المتحدة والدول الغربية والشركاء الإقليميين والأفارقة، فمن المرجح أن يتبنى مجلس الأمن قراراً يقوم على ثلاث مراحل مترابطة:أولاً: وقف إطلاق نار إنساني فوري لمدة تتراوح بين ستين وتسعين يوماً.ثانياً: الانتقال إلى وقف دائم لإطلاق النار تحت رقابة وآلية متابعة دولية وإقليمية.ثالثاً: إطلاق عملية سياسية سودانية شاملة تقود إلى سلطة انتقالية مدنية وإعادة بناء مؤسسات الدولة.وقد يتضمن القرار آليات عقابية ضد الجهات التي تعرقل تنفيذه، سواء عبر العقوبات الفردية أو القيود على التمويل والتسليح أو حظر السفر وتجميد الأصول.وللمرة الأولى منذ اندلاع الحرب، قد يجد المعرقلون أنفسهم أمام تكلفة سياسية ودبلوماسية حقيقية.إذا صدر قرار دولي بهذا الحجم، فإن المسؤولية لن تقع على عاتق المجتمع الدولي وحده، بل على القوى السياسية السودانية أيضاً.المطلوب من القوى السياسية أن ترتفع فوق الحسابات الحزبية الضيقة، وأن تدرك أن معركة اليوم ليست حول السلطة، بل حول بقاء الدولة نفسها.وينبغي عليها أن:* تتبنى موقفاً موحداً وواضحاً داعماً لوقف الحرب.* ترفض أي محاولة لاستخدام الهدنة لإعادة إنتاج الصراع السياسي.*تقدم رؤية مشتركة للانتقال المدني الديمقراطي.* تدعم قيام مؤتمر سياسي سوداني جامع لا يستثني أحداً إلا من ثبتت مسؤوليته القانونية عن الجرائم والانتهاكات.* تعطي الأولوية لقضايا السلام والعدالة الإنسانية وإعادة الإعمار.إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن ينجح المجتمع الدولي في فرض وقف للحرب بينما تفشل القوى السياسية في الاتفاق على ما بعد الحرب.سواء اتفق الناس أو اختلفوا حول دور الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني في المشهد السوداني، فإن الواقع السياسي الراهن يشير إلى أن المجتمع الدولي ينظر بحساسية متزايدة إلى أي طرف يُعتقد أنه يسهم في إطالة أمد الحرب أو عرقلة جهود التسوية السياسية.ومن هذا المنطلق، فإن المطلوب من الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني، إذا أرادا إثبات جديتهما في دعم السلام والحفاظ على حقهما في العمل السياسي المستقبلي، أن يتخذا خطوات عملية وواضحة تشمل:* إعلان دعم صريح وغير مشروط لوقف إطلاق النار وإنهاء الحرب.* القبول بمبدأ الحل السياسي السلمي باعتباره الطريق الوحيد لمعالجة الأزمة السودانية.* الالتزام بالعمل السياسي المدني والتنافس عبر الوسائل الديمقراطية وصناديق الاقتراع مستقبلاً.* التوقف عن الخطاب التعبوي والتحريضي الذي يشجع على استمرار القتال أو يبرر إطالة أمد الحرب.* دعم جهود السلام والمصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية.* إعلان حل جميع التشكيلات والكتائب ذات الطابع الأيديولوجي أو الحزبي التي شاركت في القتال أو ارتبط اسمها بالعمليات العسكرية، بما في ذلك كتائب البراء بن مالك وغيرها من التشكيلات المماثلة.* التبرؤ بصورة واضحة من أي نشاط عسكري أو شبه عسكري خارج إطار القوات المسلحة النظامية، والتأكيد على احتكار الدولة وحدها للسلاح واستخدام القوة وفقاً للقانون.إن أي عملية سياسية جادة لإنهاء الحرب وبناء دولة مدنية ديمقراطية مستقرة لا يمكن أن تنجح في ظل استمرار التشكيلات المسلحة ذات الولاءات الحزبية أو الأيديولوجية، أياً كان انتماؤها أو الجهة التي تقف خلفها.يقع على عاتق القوات المسلحة مسؤولية وطنية كبيرة باعتبارها المؤسسة الرسمية للدولة.وإذا صدر قرار دولي بوقف الحرب فإن المطلوب منها:* التجاوب مع ترتيبات وقف إطلاق النار.* تسهيل وصول المساعدات الإنسانية.* التعاون مع آليات المراقبة والتحقق.* دعم عملية سياسية تفضي إلى انتقال مدني متفق عليه.* الحفاظ على الطابع القومي والمهني للمؤسسة العسكرية.فالجيش سيخرج أكثر قوة واحتراماً إذا قاد عملية إنهاء الحرب وحماية الدولة، لا إذا استمرت البلاد في استنزاف مفتوح لسنوات أخرىكما تقع على قوات الدعم السريع مسؤوليات واضحة لا يمكن تجاوزها.وأبرزها:* الالتزام الصارم بوقف إطلاق النار.* الانسحاب من المناطق المدنية والمرافق الخدمية.* تسهيل عودة النازحين واللاجئين.* التعاون مع آليات الرقابة الدولية.* الانخراط في ترتيبات أمنية تؤدي إلى وجود جيش وطني موحد.فأي عملية سلام جادة لن تنجح دون معالجة قضية تعدد الجيوش والقوات المسلحة خارج المنظومة الوطنية.لا يقل دور الحركات المسلحة المشاركة في القتال إلى جانب الجيش أهمية عن دور الأطراف الأخرى، خاصة أن بعضها أصبح جزءاً من السلطة القائمة ويشغل مواقع تنفيذية وسيادية وعسكرية مؤثرة.ومن الطبيعي أن تساور بعض هذه الحركات مخاوف من أن يؤدي وقف الحرب أو أي تسوية سياسية جديدة إلى تقليص نفوذها أو إعادة النظر في المكاسب التي حققتها خلال سنوات الصراع.غير أن المسؤولية الوطنية تقتضي منها أن تنظر إلى مستقبل السودان لا إلى مستقبل مواقعها السياسية.لذلك فإن المطلوب منها:* دعم أي جهد دولي وإقليمي يهدف إلى وقف الحرب.* عدم ربط استمرار القتال بالمحافظة على المناصب أو الامتيازات.* القبول بمراجعة ترتيبات السلطة ضمن إطار وطني جامع.* المساهمة في بناء جيش وطني مهني موحد.* الانخراط في معالجة جذور التهميش والتنمية غير المتوازنة.وعليه، فإن جلسة مجلس الأمن المقررة يوم الجمعة 26 يونيو 2026 قد لا تكون نهاية الحرب، لكنها ربما تمثل بداية النهاية لها.فبعد أكثر من ثلاث سنوات من القتال، بات واضحاً أن أياً من الأطراف المتحاربة لم يحقق نصراً حاسماً، وأن كلفة استمرار الحرب أصبحت أعلى من قدرة السودان على الاحتمال.غير أن نجاح أي قرار دولي لن يتوقف على ما سيصدر من نيويورك، بل على ما سيصدر من الخرطوم وبورتسودان ونيالا والفاشر والأبيض، وعلى استعداد السودانيين أنفسهم لتقديم مصلحة الوطن على المصالح الحزبية والفئوية الضيقة.ولهذا فإن نجاح أي تفاهم دولي أو إقليمي محتمل بشأن السودان سيظل مرهوناً بقدرة القوى المدنية والسياسية والمجتمعية على بناء رؤية وطنية مشتركة لما بعد الحرب، تتجاوز الاستقطاب الحاد الذي غذّى الصراع خلال السنوات الماضية. فوقف إطلاق النار، مهما كانت أهميته، ليس سوى بداية الطريق، أما السلام الحقيقي فيتطلب توافقاً وطنياً واسعاً حول شكل الدولة ومستقبل الحكم وقضايا العدالة الانتقالية وإعادة الإعمار وعودة الملايين من النازحين واللاجئين.لقد دفعت البلاد ثمناً باهظاً من الدماء والدمار والتشريد والانهيار الاقتصادي. وإذا كانت هذه الجلسة تمثل بالفعل بداية مسار دولي جديد، فإن الحكمة تقتضي أن يتعامل معها الجميع باعتبارها فرصة تاريخية لإنقاذ السودان، لا ساحة جديدة لتبادل الاتهامات.فالأوطان تُبنى بالتسويات التاريخية، لا بالانتصارات الوهمية، والسلام العادل والشامل سيظل الطريق الأقصر نحو استعادة السودان وحدته و مستقبله.The post هل تمثل جلسة مجلس الأمن القادمة بداية النهاية للحرب السودانية؟ appeared first on صحيفة مداميك.