عزمي عبد الرازق يكتب: جمهورية “البنقو”

Wait 5 sec.

في السودان القديم، ذلك الذي ابتعلته حرب الجنجويد، كان تاجر المخدرات يعيش في جحره كالجرذ، يخشى نظرة المجتمع قبيل حبل المشنقة. كان “البنقو” و”شاشمندي” و”الهيروين” والخمور بكل أنواعها، مرادفات للعيب والحرام، وإذا ذُكر اسم مروج أو مدن في قرية، حيّ، انفضّت من حوله المجالس وصار منبوذاً، وأحياناً لا يزوجونه ولا يمشون في جنازته. لكن اليوم، وتحديداً بعد ظهور مليشيا آل دقلو تغيرت الفكرة، التاجر والمروّج لم يعودا منبوذين، بل تربعا على عرش “عُليا القوم”، يشار إليهما بالبنان.مليشيا الدعم السريع بعد اجتياحها للولايات قامت بأفعال خطيرة، بعيداً عن “الشفشفة”، ففي سعيها الدؤوب لـ “تفكيك” المجتمع السوداني، رفعت من شأن تجار الكيف والمجرمين، ووظفت خبراتهم “اللوجستية” في مجالات مبتكرة، مثل نهب البيوت والمؤسسات، تدمير المرافق العامة، والإرشاد عن أسر أفراد القوات النظامية. كانت شراكة استراتيجية بين “بندقية بلا عقيدة” و”حبوب بلا ضمير”. والغريب أنه بعد هروب المليشيا، لم يجد هؤلاء المروجون مشقة في تغيير الولاء، فانضموا سريعاً لحركات مسلحة بعينها، ليستأنفوا ذات النشاط، بحماية بنادق مشابهة وشحنات على ظهور “التندرات” المحمية، وزرعوا “البنقو” أيضاً في ذات مساحات واسعة.صحيح أن الأرقام لا تكذب ولا تتجمل، لكنها صادمة، إذ تقول تقارير رسمية إن عاماً واحداً شهد تسجيل أكثر من 9500 بلاغ وتورط 11 ألف متهم. وفي الربع الأول من عام 2026 وحده، سجلت السلطات 1400 بلاغ! لكن المفارقة الكبرى، والتي تجعل المرء يضحك كالمجنون، ترنو في قفزة “الإنتاجية الوطنية”. وعوض عن مصانع النسيج والزيوت والأغذية في البلاد، شهد قطاع “الكبتاغون” طفرة صناعية يحسدنا عليها رجال بابلو إسكوبار في كولمبيا!تخيلوا، في عام 2023 كانت المعامل المضبوطة تنتج 7,200 قرص في الساعة، وبحلول عام 2025، وبفضل “الاستثمار في زمن الحرب”، قفزت القدرة الإنتاجية للمنشآت الصناعية إلى 100,000 قرص في الساعة! مائة ألف حبة في الساعة في بلد يعاني أزمة في الدواء والكساء والخبز! يبدو أن الإنتاج الوحيد الذي لا ينقطع فيه التيار الكهربائي ولا يتعطل بنقص الوقود هو إنتاج حبوب الهلوسة، وقتل الأجيال، في حرب من نوع جديد تستهدف شبابنا الذي نعول عليهم في معركة البناء، ولكن ثمة من يريد القضاء عليهم، وتدمير المجتمع بالمرة.تقرير مرصد الشفافية والسياسات يضغط على مواضع الألم، نصف طن من الميثامفيتامين (الأيس) يُضبط في البحر الأحمر في يناير 2026، وربع مليون حبة في نهر النيل، وعربات محملة بالسموم في الجزيرة، والحبل على الجرار.الشركات الوطنية الكبرى تهاجر، والاستثمار الأجنبي يهرب، بينما “كارتيلات الكبتاغون” توسع نفوذها مستفيدة من تشتت السلطة وضعف الرقابة. “البنقو” القديم المسكين تراجع أمام غزو “الآيس”، والمنشطات الاصطناعية التي تستهدف عقول الشباب تتسع رقعتها، وكأن حرب المليشيا لم تكفِ لإبادة هذا الجيل، فجاءت حرب العقول لتجهز على ما تبقى، بطاقة 100 ألف حبة في الساعة، وهذا الأمر بالضرورة يحتاج تضافر الجهود، وقرع ناقوس الخطر، وإذا لم نتدارك الأمر سوف ينهض جيل لا يحترم القيم، ولا يعرف الحرام والعيب، وهنا تكمن المعضلة الأساسية، وهى حرب مقصودة، قام بهندستها أعداء الوطن، تريد تجريف البلاد والانقضاض عليها، ما يعني أن هذه القضية تحتاج إلى لفتة جادة، وتشريعات حاسمة، وتحركات عاجلة من رجال الدين والمجتمع، ومن الدولة قبل كل شيء.