مناشدة إنسانية إلى قوات الدعم السريع وقائدها محمد حمدان دقلو بخصوص مدينة الأبيض

Wait 5 sec.

مهدي داود الخليفةلا أكتب هذه الكلمات بصفتي محللًا سياسيًا أو ناشطًا في مجال حقوق الإنسان فحسب، وإنما أكتبها بلسان الآلاف من أهلي وأحبتي في مدينة الأبيض، الذين يعيشون اليوم بين الخوف والجوع ونقص الدواء، ويواجهون ظروفًا إنسانية بالغة القسوة. إنها مناشدة نابعة من وجع إنساني صادق، ومن إيمان بأن حياة المدنيين يجب أن تبقى فوق كل اعتبار سياسي أو عسكري.في الحروب، قد تتغير مواقع السيطرة، وتتبدل موازين القوى، لكن الحقيقة التي لا تتغير هي أن المدنيين يظلون الضحية الأولى والأخيرة. فلا طفل اختار أن يولد وسط أصوات المدافع، ولا أم تمنت أن تبحث عن الماء والدواء بين أتون الحرب، ولا شيخ أراد أن يقضي ما تبقى من عمره بين الخوف والجوع والحصار.واليوم تقف مدينة الأبيض، التي يقطنها ما يقارب مليون مواطن، أمام لحظة مصيرية قد تحدد مصير مئات الآلاف من الأبرياء. ومن هذا المنطلق، أتوجه بهذه المناشدة إلى قوات الدعم السريع وإلى قائدها محمد حمدان دقلو، آملاً اتخاذ قرار مسؤول بفك الحصار عن المدينة، وفتح الطرق أمام وصول المساعدات الإنسانية، وتسهيل حركة المدنيين، وتجنيب الأبيض مأساة جديدة تضاف إلى سجل هذه الحرب.الانتصار الحقيقي ليس في السيطرة على مدينة أنهكها الحصار، وإنما في الحفاظ على حياة سكانها. فالمدن لا تُقاس بما يدخلها من قوات، بل بما يبقى فيها من أمن واستقرار، وبما يُصان فيها من أرواح وكرامة إنسانية.الانتصار الحقيقي أن تُفتح الطرق أمام شاحنات الغذاء والمياه والأدوية والوقود، وأن تصل المساعدات الإنسانية إلى كل محتاج دون عوائق، وأن يتمكن المرضى من تلقي العلاج، وأن يجد الأطفال ما يحفظ لهم حقهم في الحياة.الانتصار الحقيقي أن يُرفع الحصار عن مدينة الأبيض، وأن يُسمح للمدنيين بحرية الحركة، وأن تُفتح ممرات إنسانية آمنة للراغبين في المغادرة أو العودة، وأن تتمكن المنظمات الإنسانية من أداء رسالتها وفقًا لمبادئ القانون الدولي الإنساني.الانتصار الحقيقي هو الاستجابة للمناشدات الإنسانية التي أطلقتها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية. فقد دعا الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، إلى ضمان ممرات آمنة وخروج آمن للمدنيين من مدينة الأبيض، محذرًا من التداعيات الإنسانية الخطيرة التي قد تترتب على استمرار القتال والحصار. والاستجابة لهذه الدعوات ستُعد رسالة إيجابية تعكس تغليب الاعتبارات الإنسانية على حسابات الحرب.الانتصار الحقيقي أن تتجنب مدينة الأبيض المصير الذي شهدته مدن سودانية أخرى، وأن تُصان أرواح المدنيين قبل أن تتفاقم المأساة. فحماية السكان ليست واجبًا أخلاقيًا فحسب، بل مسؤولية قانونية وإنسانية تقع على عاتق جميع أطراف النزاع.الانتصار الحقيقي أن يستيقظ أطفال الأبيض على أجراس المدارس بدلًا من أصوات المدافع، وأن يعود المزارعون إلى حقولهم، والتجار إلى أسواقهم، والعمال إلى أعمالهم، وأن تدور عجلة الحياة من جديد بعد أن توقفت طويلًا بسبب الحرب.الانتصار الحقيقي أن ينظر السودانيون إلى قرار فك الحصار باعتباره خطوة شجاعة تعطي الأولوية للإنسان، وتفتح بابًا لبناء الثقة بين الأطراف، وتمهد للانتقال من لغة السلاح إلى لغة الحوار، ومن ميادين القتال إلى موائد التفاوض.لقد دفع السودان ثمنًا باهظًا لهذه الحرب؛ آلاف الأرواح أزهقت، وملايين المواطنين نزحوا، وتعرضت المدن والبنية التحتية لدمار واسع، بينما تتفاقم المعاناة الإنسانية يومًا بعد يوم. ولذلك فإن أي خطوة تخفف من آلام المدنيين تمثل انتصارًا للوطن قبل أن تكون انتصارًا لأي طرف.الانتصار الحقيقي ليس أن يربح طرف معركة، وإنما أن يربح السودان السلام. وليس في استمرار الحصار أو اتساع رقعة القتال ما يحقق مستقبلًا أفضل لأحد، بينما يظل وقف الحرب هو الطريق الوحيد لإنقاذ الوطن.فلنجعل من مدينة الأبيض بداية لمسار مختلف؛ مسار تُفتح فيه الممرات الإنسانية، ويُرفع فيه الحصار، وتتوقف فيه المعارك، لتكون هذه الخطوة مقدمة لوقف شامل لإطلاق النار، ثم إطلاق عملية سياسية جادة تُنهي هذه الحرب نهائيًا، وتحفظ وحدة السودان وسيادته، وتعيد لشعبه حقه في الأمن والاستقرار والحياة الكريمة. ففي نهاية المطاف، لن يخلّد التاريخ من انتصر بالسلاح، وإنما سيخلّد من انتصر للإنسان، واختار السلام حين كان قادرًا على مواصلة الحرب.The post مناشدة إنسانية إلى قوات الدعم السريع وقائدها محمد حمدان دقلو بخصوص مدينة الأبيض appeared first on صحيفة مداميك.