هل أصبح السلام في السودان بعيد المنال؟ قراءة في جلسة مجلس الأمن، وتصريحات البرهان، ورسائل مسعد بولس

Wait 5 sec.

مهدي داود الخليفةلم تكن جلسة مجلس الأمن المنعقدة في السادس والعشرين من يونيو 2026 جلسة لإصدار قرار جديد أو فرض عقوبات إضافية، لكنها ربما كانت واحدة من أهم الجلسات السياسية منذ اندلاع الحرب في الخامس عشر من أبريل 2023.فالرسالة التي خرجت بها الجلسة كانت واضحة: المجتمع الدولي لم يعد يناقش من سيربح الحرب، وإنما بدأ يبحث بصورة أكثر جدية عن كيفية إنهائها.وقد ركزت الإحاطات التي قُدمت أمام المجلس على حماية المدنيين، ووقف الانتهاكات، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، والحفاظ على وحدة السودان، مع رفض أي ترتيبات تفرضها القوة العسكرية أو تؤدي إلى تقسيم البلاد. كما أن انتقال أعضاء المجلس إلى مشاورات مغلقة عقب الجلسة يعكس أن الجهود الدبلوماسية دخلت مرحلة أكثر حساسية، تتعلق بالبحث عن آليات عملية لوقف إطلاق النار وإطلاق عملية سياسية جديدة.هذه الجلسة لم تكن حدثاً منفصلاً، وإنما جاءت امتداداً لمسار بدأ بمؤتمر برلين، ثم اجتماعات الآلية الخماسية، ثم تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو التي أشار فيها إلى وجود “ثلاث أو أربع دول مؤثرة” تعمل مع واشنطن لدفع جهود السلام، وصولاً إلى خطاب كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، أمام مجلس الأمن.كل ذلك يؤكد أن المجتمع الدولي بدأ يتحول تدريجياً من إدارة الحرب إلى إدارة السلام.غير أن المفارقة اللافتة أن هذا التحول الدولي يقابله تشدد غير مسبوق من طرفي الحرب.ففي الوقت الذي كانت فيه الأمم المتحدة تناقش وقف إطلاق النار، أعلن الفريق أول عبد الفتاح البرهان أن القوات المسلحة ماضية في استراتيجية “الحفر بالإبرة” حتى تحقيق الحسم العسكري، مؤكداً رفضه أي مفاوضات لا تبدأ بتفكيك قوات الدعم السريع وتسليم سلاحها، وأنه لا وجود لما وصفه بالحلول الرمادية أو الوسطية.ومن الناحية العسكرية والسياسية، يعني هذا التصريح أن القيادة العسكرية لا ترى أن الظروف الحالية تستوجب تقديم أي تنازل سياسي، وإنما تعتقد أن ميزان القوى يتحرك تدريجياً لصالحها، وأن استمرار العمليات العسكرية سيؤدي في نهاية المطاف إلى تحقيق نصر كامل.وفي المقابل، لم تصدر عن قوات الدعم السريع أي مؤشرات توحي باستعدادها للتراجع أو تقديم تنازلات جوهرية، بل ما زالت تراهن على استمرار وجودها العسكري في أجزاء واسعة من دارفور وكردفان، وعلى استمرار شبكات الدعم والإمداد التي تمكنها من مواصلة القتال.وهنا يبرز السؤال الأكثر أهمية:إذا كان المجتمع الدولي يتحدث عن السلام، فلماذا يزداد أطراف الحرب تشدداً؟الإجابة تكمن في عامل بالغ الأهمية، وهو الدعم الخارجي.فمسعد بولس كشف أمام مجلس الأمن أن أكثر من اثنتي عشرة دولة تقدم أشكالاً مختلفة من الدعم العسكري للأطراف المتحاربة. وهذا التصريح ربما يكون أخطر ما ورد في الجلسة، لأنه يؤكد بصورة رسمية أن الحرب السودانية لم تعد صراعاً داخلياً خالصاً، وإنما أصبحت حرباً إقليمية بالوكالة تتداخل فيها مصالح دول متعددة.وعندما يحصل كل طرف على السلاح والمال والغطاء السياسي، تتراجع الحوافز التي تدفعه إلى التفاوض، لأن كلاً منهما يعتقد أن الوقت يعمل لصالحه، وأن الحسم العسكري ما زال ممكناً.ولهذا يمكن القول إن استمرار الدعم الخارجي هو أحد أهم الأسباب التي تجعل السلام أكثر صعوبة.وفي المقابل، حمل خطاب مسعد بولس رسائل أخرى لا تقل أهمية.فقد أعلن أن الولايات المتحدة تقدمت بمقترح جديد لهدنة إنسانية، إلا أن مجلس السيادة رفض النسخة الأخيرة منها، كما أكد أن واشنطن تعمل على إنشاء آلية دولية لمراقبة تنفيذ أي هدنة مستقبلية، وأعلن كذلك فرض عقوبات إضافية على شبكات تمويل وتسليح الطرفين، مع استمرار الإجراءات المرتبطة باستخدام الأسلحة الكيميائية.وهذا يعني أن الإدارة الأمريكية بدأت تنتقل من مرحلة الدعوات السياسية إلى مرحلة استخدام أدوات الضغط والعقوبات لإجبار الأطراف على تغيير حساباتها.غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل تستطيع العقوبات وحدها إنهاء الحرب؟الإجابة على الأرجح هي لا.فالأزمة السودانية تجاوزت منذ وقت طويل حدود الصراع الداخلي، وأصبحت مرتبطة بحسابات إقليمية معقدة.وهنا تبرز القضية الأكثر حساسية.هل مصلحة الدول العربية تكمن فعلاً في استقرار السودان؟الإجابة ليست واحدة بالنسبة لجميع الدول العربية.فالدول العربية ليست كتلة سياسية متجانسة، ولكل دولة أولوياتها وحساباتها الأمنية والاقتصادية والجيوسياسية.هناك دول ترى أن استقرار السودان يمثل ضرورة لحماية أمن البحر الأحمر، وتأمين التجارة الإقليمية، ومنع موجات النزوح، ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.وفي المقابل، قد تنظر بعض القوى الإقليمية إلى السودان باعتباره ساحة لتعزيز النفوذ أو لحماية مصالح اقتصادية وأمنية، وهو ما قد يؤدي عملياً إلى إطالة أمد الصراع، حتى لو لم يكن ذلك هدفاً معلناً.ولذلك فإن استمرار الحرب لا يمكن تفسيره فقط بالخلافات الداخلية بين الجيش والدعم السريع، بل أيضاً بتضارب المصالح الإقليمية والدولية التي تجعل إنهاء النزاع أكثر تعقيداً.لكن رغم ذلك، فإن استمرار انهيار السودان لا يصب في المصلحة الاستراتيجية لأي دولة عربية على المدى البعيد.فسودان مفكك يعني حدوداً مفتوحة، وهجرات جماعية، وانتشاراً للسلاح، واضطراباً في أمن البحر الأحمر، وتهديداً لحركة التجارة، واتساعاً لنفوذ الجماعات المتطرفة وشبكات الجريمة العابرة للحدود.ولهذا فإن استقرار السودان يمثل في النهاية مصلحة عربية وإفريقية ودولية مشتركة، حتى وإن اختلفت الوسائل التي تتبعها الدول لتحقيق هذه المصلحة.إن جلسة مجلس الأمن الأخيرة كشفت حقيقة مهمة، وهي أن المجتمع الدولي أصبح أكثر اقتناعاً بأن الحرب وصلت إلى طريق مسدود، وأن الحل العسكري الكامل يبدو بعيد المنال بالنسبة لأي طرف.لكنها كشفت أيضاً حقيقة أخرى أكثر خطورة، وهي أن الإرادة الدولية وحدها لا تكفي إذا ظل الدعم الخارجي يغذي استمرار القتال، وإذا بقي طرفا الحرب مقتنعين بأن الزمن يعمل لصالحهما.ومن هنا يمكن القول إن السلام في السودان لم يصبح مستحيلاً، لكنه أصبح رهينة لتغير حسابات اللاعبين الداخليين والخارجيين معاً.فالسلام لن يولد من بيانات مجلس الأمن وحدها، ولن يتحقق بالعقوبات وحدها، وإنما عندما تصل جميع الأطراف إلى قناعة بأن تكلفة استمرار الحرب أصبحت أكبر من تكلفة السلام، وأن السودان لم يعد يحتمل عاماً رابعاً من الدمار والانقسام.The post هل أصبح السلام في السودان بعيد المنال؟ قراءة في جلسة مجلس الأمن، وتصريحات البرهان، ورسائل مسعد بولس appeared first on صحيفة مداميك.