مداميك: وكالات بدأت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تغيير نهجها تجاه الحرب في السودان، بعد أشهر من تعثر الجهود الدبلوماسية للتوصل إلى وقف لإطلاق النار في النزاع المستمر منذ أكثر من ثلاث سنوات، والذي يدور بصورة رئيسية بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، بدعم من أطراف إقليمية ودولية، بحسب ما أوردته صحيفة “ذا هيل” الأمريكية.وأشارت الصحيفة إلى أن واشنطن تدفع داخل مجلس الأمن الدولي نحو توسيع حظر الأسلحة المفروض على السودان ليشمل كامل أراضي البلاد، بعدما كان مقتصرًا على إقليم دارفور، على أن يصوّت المجلس على المقترح الخميس.وقالت “ذا هيل” إن المقترح الأمريكي يأتي في ظل انقسامات حادة داخل مجلس الأمن، بعدما تمكن المجلس في سبتمبر الماضي من تمديد حظر الأسلحة المفروض على دارفور، بموجب القرار 1591 الصادر قبل 21 عامًا، لمدة شهر واحد فقط حتى 9 أكتوبر، في أقصر تمديد للقرار منذ اعتماده.ونقلت الصحيفة عن السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، قوله إن السودان “مليء بالأسلحة”، مضيفًا أن موقف واشنطن يتمثل في أن “أيًا من الطرفين لا يحتاج إلى أسلحة إضافية”.وبحسب “ذا هيل”، ترى إدارة ترامب أن توسيع الحظر ليشمل كامل السودان سيمنح الأمم المتحدة قدرة أكبر على رصد انتهاكات الحظر وشبكات نقل الأسلحة، فضلًا عن توثيق الجهات التي تتجاهله.وأوضحت الصحيفة أن المقترح وضع الولايات المتحدة وبريطانيا والدول الداعمة لهما في جانب، مقابل الصين وروسيا وحلفائهما في الجانب الآخر، بينما لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت معارضة إحدى الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن ستؤدي إلى عرقلة القرار.ورغم أن القرار 1591 لم ينجح في وقف تدفق الأسلحة إلى السودان، فإن “ذا هيل” أشارت إلى استمرار أهمية آلية الخبراء التابعة له، والتي تراقب الانتهاكات وتقدم تقارير عنها، إلى جانب توصيتها بفرض عقوبات على أفراد وكيانات.ضغوط على الجيش السودانيوأشارت الصحيفة إلى أن المقترح الأمريكي من شأنه زيادة الضغط على القوات المسلحة السودانية، التي تخوض الحرب ضد قوات الدعم السريع، من خلال توسيع متطلبات الإبلاغ المنصوص عليها في القرار 1591.وأضافت أن أحدث تقرير أممي قدم تفاصيل بشأن استخدام الأراضي الإماراتية كحلقة رئيسية في عمليات نقل الأسلحة إلى قوات الدعم السريع، وهو ما ترفضه أبوظبي، بينما لا تزال التحقيقات المتعلقة بشبكات شراء الأسلحة التابعة للقوات المسلحة السودانية، ولا سيما الطائرات المسيّرة، في مراحل أولية.ولفتت “ذا هيل” إلى أن توسيع نظام العقوبات حصل على دعم مجموعة من أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين، الذين وجهوا رسالة إلى إدارة ترامب طالبوا فيها بأن تتضمن متطلبات الإبلاغ توثيقًا صريحًا لجميع انتهاكات حظر الأسلحة وتحديد الجهات المسؤولة عنها.وأكد أعضاء مجلس الشيوخ، وفق الصحيفة، أن الدول التي تتجاوز بصورة واضحة حظر الأسلحة والقيود الأخرى التي تفرضها الأمم المتحدة لإطالة أمد الحرب، لا ينبغي أن تتمكن من إخفاء دورها، داعين إلى تحميلها المسؤولية علنًا.داعمو طرفي الحربوقالت “ذا هيل” إن هوية الجهات الداعمة للطرفين الرئيسيين في الحرب السودانية لم تعد سرًا، مشيرة إلى أن السعودية ومصر تقودان تحالفًا أوسع لدعم قائد القوات المسلحة السودانية عبد الفتاح البرهان، بينما تعد الإمارات الداعم الرئيسي لقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي”، نائب البرهان السابق.وأضافت أن الدول الثلاث، إلى جانب الولايات المتحدة، تشارك في مجموعة “الرباعية” التي طرحت مبادرة لوقف إطلاق النار في سبتمبر 2025، لكنها لم تنجح في إنهاء الحرب.كما أشارت إلى أن محاولة جديدة للتوصل إلى هدنة لمدة 90 يومًا في يوليو الماضي تعثرت بسبب إصرار القوات المسلحة السودانية على انسحاب قوات الدعم السريع من المدن التي تسيطر عليها منذ مايو 2023.ونقلت الصحيفة عن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو قوله، خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر، إن جهود وقف إطلاق النار تتعثر في كل مرة يعتقد فيها أحد الطرفين أنه يحقق مكاسب أو قادر على تحقيق النصر.أزمة إنسانية متفاقمةوصفت “ذا هيل” الحرب في السودان بأنها أسوأ أزمة إنسانية في العالم، مشيرة إلى تقديرات تفيد بمقتل ما لا يقل عن 150 ألف شخص، بينما خلص مراقبون أمميون وإدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن إلى أن بعض حملات القتل ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية.وأضافت أن أكثر من 33 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، فيما نزح نحو 9 ملايين شخص داخل السودان، وفر أكثر من 4 ملايين إلى الخارج، بينما لم يتجاوز تمويل نداء الأمم المتحدة الإنساني للسودان، الذي يقترب من 3 مليارات دولار، نسبة 43 في المئة.وفي المقابل، حققت القوات المسلحة السودانية مكاسب ميدانية خلال الأشهر الماضية، بعدما استعادت السيطرة على العاصمة الخرطوم، كما حققت تقدمًا إقليميًا إضافيًا خلال الصيف، وفق بيانات مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة.لكن الصحيفة أشارت إلى أن تصاعد استخدام الطائرات المسيّرة والغارات الجوية كان له تأثير كبير على أعداد الضحايا المدنيين، موضحة أن نحو ألف شخص قتلوا في هجمات بالطائرات المسيّرة خلال النصف الأول من عام 2026.اعتراضات على مساواة الجيش بالدعم السريعوأوضحت “ذا هيل” أن القوات المسلحة السودانية والدول الداعمة لها تعارض المقترح الأمريكي لتوسيع حظر الأسلحة، معتبرة أنه يساوي بصورة غير عادلة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.وأضافت أن الطرفين متهمان بارتكاب جرائم حرب، لكن إدارة بايدن السابقة خلصت إلى أن حصار قوات الدعم السريع لمدينة الفاشر ارتقى إلى مستوى الإبادة الجماعية.ونقلت الصحيفة عن سفير باكستان لدى الأمم المتحدة، أسيم افتخار أحمد، قوله إن مجلس الأمن يجب أن يحافظ على التمييز بين القوات المسلحة الوطنية لدولة ذات سيادة وبين ميليشيا متهمة بارتكاب فظائع جماعية وأعمال عنف ترقى إلى الإبادة الجماعية.كما أشارت إلى اعتراض القوات المسلحة السودانية وحلفائها على تقارير أفادت بأن واشنطن ربطت منح البرهان تأشيرة لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر بقبوله خطة لوقف إطلاق النار، وفق ما نقلته وكالة “رويترز”.وبحسب “ذا هيل”، هددت السعودية بالانسحاب من مجموعة “الرباعية” احتجاجًا على ما اعتبرته استبعادًا للبرهان، فيما بدا أن واشنطن سعت لاحقًا إلى تهدئة التوترات.وفي محاولة لتحسين العلاقات، أشار مسعد بولس، المسؤول الأمريكي عن الملف السوداني، إلى وجوده في المكان نفسه الذي كان فيه البرهان خلال مأدبة غداء في مصر الأحد.لكن مسؤولًا حكوميًا سودانيًا قال لـ”ذا هيل” إن أي اجتماع لم يُعقد بين الرجلين، وإن البرهان لم يتبادل الحديث مع بولس.تحول في السياسة الأمريكيةورأت أريج الحاج، محررة المحتوى العربي في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، أن التحركات الأمريكية مجتمعة تشير إلى زيادة الضغط على القوات المسلحة السودانية، وإلى تركيز واشنطن على الجهة التي يمكن أن تتولى حكم السودان بصورة شرعية خلال المرحلة المقبلة.وقالت الحاج، بحسب الصحيفة، إن قوات الدعم السريع تتمتع بشرعية سياسية محدودة للغاية داخل السودان، بينما واصلت القوات المسلحة السودانية تمثيل البلاد في العديد من المؤسسات الدولية والإقليمية.وأضافت أن أهمية الموقف الأمريكي تكمن أيضًا في ابتعاد واشنطن عن التعامل تلقائيًا مع القوات المسلحة السودانية باعتبارها السلطة السياسية الشرعية، معتبرة أن الضغط الأمريكي يتركز بصورة أساسية على الجيش.وأشارت “ذا هيل” إلى أن البرهان تولى رئاسة مجلس السيادة الانتقالي بعد انقلاب عام 2021، الذي كان يشارك فيه في البداية قائد قوات الدعم السريع حميدتي، بينما كان عبد الله حمدوك رئيسًا مدنيًا للحكومة الانتقالية آنذاك.وفي مقابلة أجراها حمدوك مع “المونيتور” خلال زيارة إلى واشنطن الأسبوع الماضي، قال إن إدارة ترامب تبدو وكأنها تمارس ضغوطًا أكبر على القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، بعد أن كانت تتبع نهجًا وصفه بأنه “لين”.ونقلت الصحيفة عنه قوله إن القادة العسكريين “لا يستجيبون للمجاملات”، وإنه يجب إبلاغهم بصورة مباشرة بأن أفعالهم ستكون لها عواقب.واشنطن تتجنب تسمية داعمي الحربوفي الوقت نفسه، أشارت “ذا هيل” إلى أن الإدارة الأمريكية لا تزال تتجنب ممارسة ضغط علني على الدول الداعمة للحرب.وقال روبيو خلال ظهوره في الأمم المتحدة في سبتمبر إن تسمية تلك الدول وانتقادها علنًا من شأنه أن يؤدي إلى مزيد من “الاحتكاك”.ونقلت الصحيفة عنه قوله: “هناك أطراف خارجية. لن أحددها بالاسم. أنتم تعرفون من هي”، مضيفًا أن الحرب والأزمة في السودان “ما كانت لتحدث لولا المشاركة النشطة لأطراف خارجية تغذي أحد طرفي الصراع أو الآخر”.وترى ميشيل غافين، الزميلة البارزة في دراسات السياسة الأفريقية بمجلس العلاقات الخارجية، أن امتناع واشنطن عن تسمية الدول التي تدعم الحرب يمثل أحد أوجه التناقض في سياسة إدارة ترامب تجاه السودان والأزمات المتداخلة في القرن الأفريقي.وأشارت غافين، وفق “ذا هيل”، إلى المفارقة المتمثلة في صدور بيانات متكررة عن مجموعة “الرباعية” تدعو الأطراف الخارجية إلى وقف دعم الحرب، بينما توقع هذه البيانات نفسها دول خارجية متهمة بدعم أطراف النزاع.وقالت إن هذا الموقف يعكس، في رأيها، إحجامًا أمريكيًا عن مواجهة شركاء محتملين يتمتعون بقدرات مالية كبيرة، في وقت أصبحت فيه صفقات المصالح جزءًا أساسيًا من السياسة الخارجية الأمريكية.المصدر: عربي 21 The post ذا هيل: واشنطن تغيّر نهجها تجاه حرب السودان وتضغط لحظر السلاح appeared first on صحيفة مداميك.