صدق مناوي ..”الدولة هي التي قتلت واغتصبت، وكونت الدعم السريع”

Wait 5 sec.

م. خالد عمر يوسفصدق مناوي حينما قال بأن “الدولة هي التي قتلت واغتصبت، وكونت ودعمت الدعم السريع”، وفي دعوته لأن تنتهي ظاهرة قتل الدولة للمواطن بمواطن آخر، على حد تعبيره. ولكن الحقيقة المكتملة هي أن هذه الظاهرة ليست حكراً على تكوين الدعم السريع فحسب، بل ظلت هي القاعدة في كل حروب السودان الأهلية منذ استقلاله وحتى الآن.فحين اندلعت شرارة الحرب الأولى في العام 1955 في توريت، أعلنت “الدولة”، عقب انقلاب عبود، ما سُمي آنذاك “سياسة الأرض المحروقة”، وسلّحت قبائل عديدة في جنوب السودان ووظفتها ضد الأنانيا. واستمرت هذه السياسة في الحرب الأهلية الثانية عقب نشأة الجيش الشعبي لتحرير السودان، حيث توسّع تسليح القبائل ليتجاوز جنوب السودان ، ويشمل تكوين قوات المراحيل من القبائل العربية في كردفان، واستُخدم ذات المنهج في جنوب كردفان والنيل الأزرق. ولما اندلعت الحرب في دارفور في العام 2003، توسعت “الدولة” في تجنيد المجموعات المسلحة، بداية بالجنجويد، مروراً بحرس الحدود، وانتهاءً بالدعم السريع.في كل حروب السودان السابقة، أعاد التاريخ نفسه كملهاة، ومشى حذو النعل في تكرار التجارب. ينشأ اختلال يقود لاندلاع حرب، ترفض “الدولة” الحلول السلمية وتتعهد بالقضاء على “التمرد”، تتوسع “الدولة” في تكوين ودعم الجماعات المسلحة على أساس قبلي أو جهوي أو سياسي، تُرتكب جرائم واسعة جراء استمرار الحرب، يُفتح الباب على مصراعيه للتدخلات الخارجية، يطول أمد القتال، ثم ينتهي عبر حل سياسي بعد زمن طويل للغاية، وعقب “خراب سوبا”.حرب 15 أبريل ليست استثناءً، بل هي تكرار ممل ومؤلم لذات الأسطوانة. فـ”الدولة” التي كونت الدعم السريع واستخدمته بوصفه يدها الباطشة ضد أهل السودان في مناطق عديدة، تسلّح العشرات من الجماعات المسلحة الآن للحرب مع الدعم السريع عقب نشوب الخلاف بينهما، وتطلب من الناس أن يقفوا مع “الدولة” ضد المليشيات. وحين تعيد البصر كرتين، ترى أن “الدولة” ترعى وتسلح المشتركة ودرع السودان ودرع الشمال وكتائب البراء والفرقان والجماعات المسلحة في شرق السودان، بل الجنجويد أنفسهم، ابتداءً بموسى هلال وانتهاءً بالنور القبة والسافنا، لتكرر حكمة “البصيرة أم حمد” في أسوأ صورها قائلة “هيا بنا لنقضي على المليشيا وننشئ عشرات المليشيات بديلاً عنها”!!!أي ملهاة هذه، وأي استغفال للعقول واستخفاف بالبلاد وأهلها ومصائرهم! بذرت “الدولة” خلال هذه الحرب بذور الحروب القادمة، وهي آتية لا محالة ما لم يحدث تغيير جوهري في العقلية والمنهج الذي يتم التعاطي به مع أزمات السودان.حتى تكون هذه الحرب آخر حروب السودان، فإن المطلوب هو ألا نكرر تجاربنا مرة أخرى، وأن ندرك بأن الدولة في السودان قد وُلدت مختلة ومعتلة منذ استقلالها، وأن ظن أي فئة بأنها ستفرض نموذج الدولة الخاص بها عن طريق السلاح هو ظن خاسر. لتغيير الاتجاه كلياً، علينا أن نجلس سوياً كسودانيين/ات لنتراضى على عقد اجتماعي جديد يؤسس لدولة تعبّر عن كل مكوناتها، وأن يُفكك تمكين النظام البائد في مفاصلها لتصبح دولة الوطن لا دولة الحزب، وأن يكون هنالك جيش واحد مهني وقومي، لا يستخدم السلاح الممنوح له بواسطة الدولة للانخراط في صراع السياسة، بل لحماية حدود البلاد وأمنها، وأن يُقر منهج للعدالة يكشف الجرائم وينصف الضحايا ويحاسب المجرمين، وأن يُدار التباين السياسي عبر الحوار، ويختار السودانيون خياراتهم دون قسر أو إرغام.هكذا ستنتهي دوامة الحروب وعدم الاستقرار، أما منهج تجريب المجرب فلن ينتج سوى مزيد من الدمار والخراب. فالجنون حقاً هو أن نكرر الفعل ذاته في كل مرة، ونتوقع نتائج مختلفة.The post صدق مناوي ..”الدولة هي التي قتلت واغتصبت، وكونت الدعم السريع” appeared first on صحيفة مداميك.