مجدي إسحقرحماك ياربي ثلاث وتسعون تبقى خمسة.فياربي لطفك ورحمتك وأعنا على الصبر والتحملهذه ليست خبر كارثة وليست مقالًا إبداعيًا. إنما وقفة في محرقة الألم والعذاب والفجيعة.إنها مأساة ومعاناة ثمانية وثمانون روحا غادرتنا وتركت لنا ذكرى وألم ودرس وجرح لن نشفى منهإنها جرح من قلب الحياة، وألم أحببت أن أشاركه مع كل من لديه ذرة من إنسانية، حتى يعيش معي شيئًا من آلام هذه الحرب اللعينة، وحتى نسعى جميعًا، مع كل الشرفاء، لأن تتوقف اليوم قبل غد. فكفى ما فقدنا فيها، وكفى ما عشنا من مآسٍ وتجارب أصبحت تشير، يومًا بعد يوم، إلى أننا نفقد شيئًا من إنسانيتنا، وأن التوحش أصبح هو السائد، وأن الكوارث لم تعد تفارق حياتنا.هذه ليست قصة نحكيها ثم نطوي صفحتها. إنها رسالة، وجرح لن ينتهي، وغصة ستظل في قلوب هذه العائلات، وبصمة أليمة حفرتها الحرب في وجدان هذا الشعب وذاكرته، ولن تمحوها الأيام بسهولة.إنها مأساة لكل من لديه قلب، ولكل من يعرف معنى الإنسانية. وهذه مأساة وطن .هذه الحروف لا أريد لها أن تكون مجرد ذكرى عابرة في عقل من مرّ عليها، ولا مجرد دمعة تسقط من عيوني وعيون الشرفاء، ثم نمسحها ونواصل حياتنا. ولا أريد أن أجعل منها جرحًا جديدًا نضيفه إلى جراحنا الكثيرة.أريدها أن تكون لحظة نتوقف فيها أمام إنسانيتنا، نسأل فيها أنفسنا ماذا علينا أن نفعل؟ وإلى متى سنظل ننتظر؟وكم من مثل هذه الكوارث والمآسي يجب أن تتكرر حتى يتعلم الأوباش أن الحروب لا تقود إلا إلى الموت والدمار؟ وكم نحتاج من الزمن حتى نقف جميعًا ضد الحرب، وضد القتل، وضد أن يُفرض على شبابنا أن يبيعوا حياتهم ومستقبلهم في مجازفات يعلمون أنهم قد لا يخرجون منها أحياء؟في منتصف المحيط صمت المركب وتوقفت كأنها تعلن عجزها أيضا فقد جعلها تجار الحرب أن تحمل أكثر مما كان متوقعًا منها، وزاد على ذلك هول الأمواج. توقفت الماكينات وعجزت كل المحاولات أن تجعلها ان تتحرك. تحولت إلى سجن خشبي في عرض البحر، لا طريق أمامه ولا طريق للعودة.سجنا في انتظار الإفراج بل كان مثل قسم الإعدام كل في انتظار دوره. كانوا ثلاث وتسعون روحا مليئة بالحياة والأمل.كان معهم من الطعام والماء ما يكفي ثلاثة أيام فقط. تقاسموه بكل محبة، وحكوا لبعضهم عن أحلامهم وذكرياتهم، وعن أهلهم وما تركوه خلفهم. مرت الأيام الثلاثة والمركب في مكانه وأمالهم تتراجع، أجساد أنهكها الجوع والعطش، وشمس النهار تحرقها، ثم يأتي الليل ببرده القارس. وإذا هدأ البحر بقي الجوع والعطش، وإذا هاج ثارت الأمواج تتقاذف المركب يمينًا ويسارًا.من اليوم الرابع بدأت بوابة جديدة من العذاب وفتح الموت أبوبه يأخذ منهم واحدًا بعد الآخر. وبقي تلاطم الأمواج ،رعب الانتظار وقسوة الجوع والعطش يأخذان أرواحهم واحدة بعد الأخرى. ومع كل روح تغادر كانت أحلام أخرى تُدفن .ثمانية عشر يومًا عاشوها في هذا السجن الخشبي بين جحيم الترقب والانتظار والجوع والعطش والخوف. يتساقطون واحدًا بعد الآخر، كل حسب مقدار مقاومة جسده وقدرته على الصمود.جلسوا ثمانية عشر يومًا بدموعهم وذكرياتهم. يحكي كل واحد منهم للآخر عما ترك خلفه: أمًا، أبًا، زوجة، طفلًا، بيتًا، حلمًا، أو وطنًا كان يتمنى أن يعيش فيه آمنًا. لم يعد هناك وقت للحسرة أو الندم. لم يبق إلا انتظار رب العزة أن يرحمهم وينقذ أرواحهم من هذا العذاب.أصدقاء يراقبون أصدقائهم يرحلون وأطفال يموتون أمام أمهاتهم وآبائهم، يتابعونهم وهم يفارقون الحياة ولا يستطيع أحد أن يفعل شيئًا. يتمنون لو أنهم يستطيعون أن يفتحوا عروقهم ليسقوهم من دمائهم، لعلهم يكتبون لهم يومًا آخر في الحياة، ولكن حتى عروقهم جفت، وأجسادهم قد جفت، ولم يبق لديهم شيء يقدمونه سوى الانتظارأصبح الموت رفيق يومي ودائم لم يأتِ مرة واحدة، ولم يأخذهم جميعًا وينتهي الأمر. كان يعيش بينهم يأتي ببطء، واحدًا بعد الآخر، ويترك الباقين ينتظرون دورهم. في البداية يضعف أحدهم، يقل كلامه، تخفت حركته، يراقبه من حوله، يحاولون أن يعطوه ما تبقى من ماء، أن يوقظوه، أن يحدثوه، أن يزرعوا فيه شيئًا من الأمل( اصبر ربما تمر سفينة، ربما يرانا أحد، ربما يأتي الفرج غدًا).ثم تأتي اللحظة التي يخافها الجميع.يصمت الجسد.وينتقل الخبر همسًا بين من تبقى(لقد ارتاح من العذاب)لا أحد يملك طاقة للصراخ، ولا دموعًا تكفي لكل هذا الموت. ينظرون إلى بعضهم في صمت، ثم إلى الجسد الذي كان قبل ساعات يتحدث معهم عن أهله وأحلامه وما سيفعله عندما يصل. وفجأة لم يعد بينهم. وفي داخل كل واحد منهم سؤال يخشى أن ينطق به هل سأكون التالي؟رغم وجوده الدائم لم يستطيعوا التعايش مع الموت ففي كل مرة كان يفتح مزيدا من الألم ومن الجراح .كان زائر الموت عندما يغشى الأطفال كان شيئًا آخر. لا يوصف ولا يحتمل. عندما تذوي البراءة وينطفيء ضؤ بريقها. تهتز وتصرخ الام و هي تحتضن طفلها الذي أنهكه العطش والجوع، تراقب أنفاسه، تتحسس وجهه، تضمه إلى صدرها، تحاول أن توقظه، وتناديه، وتنتظر حركة صغيرة، نفسًا آخر، أي علامة تقول لها إن روح صغيرها ما زالت هناك.تظل تحمله. تضمه أكثر. تدفئ جسده بجسدها، وكأن دفء صدرها يستطيع أن يعيد إليه الحياة. تنظر إلى وجهه، تنتظر أن يفتح عينيه، أن يتحرك، أن يناديها. وكلما حاول الواقع أن يقول لها إنه رحل، تشبثت به أكثر، كأنها تستطيع بقوة حبها أن تمنع الموت من أخذه.وكيف لأم أن تقبل أن يصبح البحر مثواه الأخير؟فمع مرور الأيام، والجوع الذي يمزق الأجساد، والعطش الذي يجفف الحلق والعروق، والشمس التي تحرقهم نهارًا، والبرد الذي ينهشهم ليلًا، والسهر والخوف والأمواج والانتظار الذي لا ينتهي، بدأ البعض يفقد القدرة حتى على انتظار الموت.كان اليأس يقترب من أحدهم، فينتبه إليه الآخرون. يحيطون به، يتحدثون إليه، يمنعونه من الاقتراب من حافة المركب، يتمسكون به، ويزرعون فيه ما تبقى لديهم هم أنفسهم من أمل اصبر معنا… لا تفعلها… سننجو… لا بد أن يرانا أحد.يا لقسوة أن تكون أنت نفسك تموت من العطش والجوع والخوف، ثم تبحث في أعماقك عن كلمة أمل تنقذ بها إنسانًا آخر من الموت.يراقبونه، يخافون عليه، يحاولون ألا يتركوه وحده. ولكنهم بشر أنهكهم الجوع والسهر والعطش، ولا يستطيعون أن يراقبوا بعضهم في كل لحظة.ثم تأتي لحظة يفلت فيها أحدهم من كل الأيدي، ومن كل الكلمات، ومن كل محاولات زرع الأمل، ويلقي بنفسه في البحر.وتبقى الصدمة.ينظر الباقون إلى المكان الذي كان يجلس فيه، ثم إلى البحر الذي ابتلعه. قبل لحظات كانوا يحدثونه، ويتمسكون به، ويطلبون منه أن يصبر. والآن لا يستطيعون فعل شيء.وربما كان أقسى ما في تلك اللحظة أنهم لم يكونوا يشاهدون فقط إنسانًا اختار أن ينهي عذابه، بل كانوا يرون أمامهم صورة لما قد يصل إليه أي واحد منهم بعد يوم آخر من الجوع والعطش واليأس.ومع كل موت كان شيء يتغير داخل المركب.تقل الأصوات. تقل الحكايات. يصبح الصمت أطول. والوجوه التي كانت في الأيام الأولى تتحدث عن الوصول والمستقبل تبدأ في مراقبة بعضها بعضًا. وكل صباح جديد لم يعد يعني فقط أنهم عاشوا يومًا آخر، بل يعني أيضًا أنهم سيدخلون يومًا جديدًا من العطش والجوع، ولا يعرف أحد منهم من سيبقى حتى نهايته.وهكذا أصبح الموت جزءًا من الانتظار.ينامون إلى جوار من قد لا يستيقظ. يفتحون أعينهم في الصباح فيتفقد بعضهم بعضًا. يتحسسون أنفاس من خفت صوته. وإذا طال صمت أحدهم، بدأ الخوف قبل أن يقتربوا منه.همسًا وألمًا دون ان تتحدث الحروف فمن نظرات الألم تأتي الرسالة (لقد رحل ).ثمانية عشر يومًا لم يكونوا فيها ينتظرون الإنقاذ فقط، بل كانوا يشاهدون دائرتهم تضيق يومًا بعد يوم. وجوه تختفي، وأصوات تسكت، وأماكن تصبح فارغة. وكل من بقي حيًا يحمل في ذاكرته الذين رحلوا أمام عينيه، ويحمل السؤال نفسه: لماذا بقيت أنا، ومتى يأتي دوري؟وعندما جاء الإنقاذ أخيرًا، لم يكن الذين خرجوا من المركب هم الأشخاص أنفسهم الذين دخلوها قبل ثمانية عشر يومًا.لقد خرجت أجساد ثمانية من البحر، ولكنها كانت تحمل معها أصوات الثمانية والثمانين الذين رحلوا، ووجوههم، وهمسات موتهم، والأطفال الذين ناموا في أحضان أمهاتهم ولم يستيقظوا، وصورة من قفزوا إلى البحر بعد أن عجزوا عن احتمال ساعة أخرى من العذاب.خرجوا من المركب، لكن المأساة لم تخرج منهم.ثمانية عشر يومًا تحكي أزمة شعب وآلام وطن.أرواح خرجت بحثًا عن الحياة، فاختطفهم الموت واحدًا بعد الآخر، في مركب واقف في عرض البحر، بينما أهلهم لا يعلمون أين هم، ولا ماذا حدث لهم.فارقوا الحياة بعد معاناة لا يستطيع الإنسان أن يتصور مقدارها، وبقيت ذكرى ما حدث تؤرق أهلهم وذويهم. يفكرون كل يوم: كيف كانت لحظاتهم الأخيرة؟ كيف كان جوعهم؟ كيف كان عطشهم؟ ماذا قالوا؟ ومن كان بجوارهم عندما أغمضوا أعينهم للمرة الأخيرة؟ويحق لنا ان نحزن ونبكي نرفع أكفنا بالدعاء لهم بالرحمة ولكن كيف نستطيع أن ننسى أصابع الشر التي قد رسمت هذه المأساة ونسجت خيوطها من شياطين الشر والدمارفهل هؤلاء الذين يدمرون واقعنا ويسرقون مستقبلنا ،يقتلون أهلنا بدم بارد كل يوم هل هم بشر مثلنا؟ هل لديهم ضمير؟ هل يفكرون، قبل أن يخلدوا إلى النوم، فيما صنعت أيديهم؟ هل يفكرون في الأسر التي تحطمت، وفي الأمهات والآباء الذين ينتظرون أبناء لن يعودوا، وفي عائلات لم تكن تحلم بأكثر من السلام والهدوء والمحبة والاستقرار؟هل بقي في قلوبهم شيء من الإنسانية يجعلهم يقفون لحظة واحدة أمام ما جنت أيديهم، وما صنعت في أبناء هذا الوطن الحبيب؟إنها ليست فقط مأساة مركب توقف في عرض البحر.إنها قصة وطن دفع أبناءه إلى الهروب من الموت، فوجدوا الموت ينتظرهم في البحر.إنها قصة شباب لم يطلبوا المستحيل. أرادوا فقط فرصة للحياة، فوجدوا أنفسهم أمام خيار قاسٍ: أن يبقوا في محرقة الحرب، أو يضعوا أرواحهم بين أيدي البحر.قصة تمزق القلب وتفتح كل أبواب الحزن في نفس كل من بقيت لديه نزعة من إنسانية ومحبة. قصتهم ستكون نصلا مغروسا في وجدان شعبنا ينزف جرحا في ذاكرته وسؤالًا يخنقنا ويحاكم ضميرنا، يلاحقنا ويجبرنا أن نقف أمام أنفسنا وأمام ما يحدث لوطننا.ثمانية وثمانين روحا قد غادرتنا وفقدنا معها روحناكم روحًا أخرى يجب أن نفقد قبل أن تتوقف هذه الحرب؟إلى متى ستستمر هذه الجراح؟إلى متى سيستمر هذا العذاب؟إلى متى سيستمر هذا التوحش؟وكم يجب أن نفقد بعد، حتى نقول جميعًا كفى حربًا… كفى تضحية بأرواح شبابنا وأطفالنا… كفى؟ The post أرواحنا في قاع المحيط….. فجيعة شعب و مأساة وطن appeared first on صحيفة مداميك.