عبد المجيد قرشيأعادت تصريحات مني أركو مناوي الرافضة لدعم المليشيات طرح سؤال يتجاوز حدود السجال السياسي: هل بدأ التحالف الذي جمع القوى المسلحة حول الجيش يواجه تناقضاته الداخلية؟ وهل يتحول الخلاف بشأن التمويل والسلاح والنفوذ إلى مواجهة بين شركاء الحرب؟ لا تكفي التصريحات وحدها لإعلان بداية اقتتال، لكنها تفتح نقاشًا مهمًا حول مستقبل تحالف تتعدد داخله القيادات المسلحة، بينما يبقى السؤال عن سلطة الدولة ومصير السلاح معلقًا.بحسب التغطية المنشورة في 7 أكتوبر 2026، رفض مناوي دعم المليشيات تحت أي مسمى، وحمّل الدولة مسؤولية تأسيس ودعم قوات الدعم السريع، وأبدى استعداده لتحمل تبعات موقفه. كما رفض ظهور تشكيلات مسلحة جديدة تُموَّل من المال العام أو موارد الدولة. وهذه تصريحات منقولة صحفيًا، ينبغي قراءتها في حدود النص المتاح، دون تحميلها أسماء أو اتهامات لم يذكرها صراحة.تكمن أهمية هذا الموقف في أنه يطرح مبدأ يمكن تطبيقه على الحاضر، وليس على تجربة الدعم السريع وحدها. فإذا كان إنشاء قوة موازية للجيش وتمويلها من موارد الدولة قد أسهم في إنتاج الأزمة، فإن مواجهة نتائج تلك التجربة تقتضي مراجعة السياسة نفسها. ولا يستقيم رفض المليشيا عندما تصبح خصمًا، ثم قبول تعدد الجيوش عندما تكون جزءًا من التحالف.من هذه الزاوية، يمكن قراءة حديث مناوي بوصفه تحذيرًا سياسيًا موجهًا إلى داخل السلطة أيضًا. فالاعتراض على تمويل تشكيلات مسلحة جديدة يثير أسئلة مباشرة: من يقرر إنشاء هذه القوات؟ ولمن تخضع؟ ومن يراقب مواردها وتسليحها؟ وما الضمانات التي تمنع تحولها، بعد انتهاء مهمتها الحالية، إلى قوة تفرض شروطها على الدولة والمجتمع؟ هذه قراءة لدلالة التصريحات، وليست إثباتًا لوجود قرار بالمواجهة أو الانسحاب من التحالف.غير أن الموقف يضع مناوي نفسه أمام سؤال الاتساق. فهو يقود حركة مسلحة، ولذلك فإن الدعوة إلى رفض القوات الموازية تحتاج إلى تصور واضح يشمل مستقبل قوات حركته وسائر الحركات والتشكيلات المسلحة. وتزداد قوة هذا الموقف إذا ارتبط بالتزام عملي بترتيبات أمنية عادلة، تنتهي إلى مؤسسات عسكرية وأمنية وطنية، تخضع للقانون والرقابة المدنية، وتحمي المواطنين دون تمييز.المشكلة الأعمق في تحالفات الحرب أن الاتفاق على مواجهة خصم مشترك لا يضمن الاتفاق على شكل الدولة بعد الحرب. فقد تجتمع القوى في ميدان واحد، بينما تختلف حول توزيع السلطة والموارد، ومواقع القيادة، وشروط التسوية، ومصير قواتها. وكلما طال الصراع، تراكمت مطالب المقاتلين والقادة، وأصبح الانتقال من التحالف العسكري إلى النظام المؤسسي أكثر تعقيدًا.ولهذا لا ينبغي اختزال تصريحات مناوي في خصومة شخصية، أو تفسيرها تلقائيًا بأنها إعلان حرب على فصيل بعينه. فالنص المنشور لم يسمِّ البراء أو درع السودان، ولم يتضمن إعلانًا عن انسحاب من التحالف أو بدء مواجهة مسلحة. والتمييز هنا ضروري بين خلاف سياسي معلن وبين اقتتال يحتاج إثباته إلى وقائع ميدانية موثقة.ومع ذلك، فإن خروج قضية المليشيات وتمويلها إلى العلن يكشف حساسية العلاقة بين الدولة والقوى التي تقاتل إلى جانبها. فحين يعلن أحد الشركاء رفضه دعم أي تشكيلات مماثلة، يصبح مطلوبًا من السلطة تقديم إجابة عن حدود الاستعانة بهذه القوى، وعن الجهة التي تملك القرار العسكري والمالي. أما ترك هذه الأسئلة دون إجابة فيسمح لكل طرف ببناء تفسيره الخاص للتحالف، وبالاحتفاظ بالسلاح ضمانة لمصالحه.الخطر على السودان هو أن تنتهي الحرب القائمة إلى إعادة توزيع السلاح بين مراكز نفوذ متعددة، بدل إنهاء أسباب الصراع. عندها قد يتغير الخصوم، بينما تبقى الآلية نفسها: قوة مسلحة تتمدد بدعم رسمي، ثم تتحول إلى شريك يصعب إخضاعه، ثم إلى منافس يحتكم إلى السلاح. ومنع تكرار هذه الدائرة يتطلب معالجة سياسية وأمنية متكاملة، لا مجرد استبدال قوة بأخرى.كما أن تحويل التوترات إلى خطاب قبلي أو جهوي سيضاعف الخطر على المدنيين. فالمساءلة يجب أن تتعلق بأفعال القيادات والمؤسسات، وبمصادر التمويل والانتهاكات وقرارات الحرب، دون تحميل المجتمعات مسؤولية جماعية عن القوى التي تتحدث باسمها. السودان يحتاج إلى حماية مواطنيه من تعدد السلطات المسلحة، لا إلى تعبئتهم في مواجهات جديدة.لذلك، فإن الوصف الأدق لما تطرحه تصريحات مناوي هو أنها إنذار سياسي بشأن مستقبل السلاح داخل التحالف، وليست دليلًا على بدء حرب بين مكوناته. وقيمتها ستتحدد بما يليها: هل تتحول إلى دعوة جادة لتوحيد المؤسسات وإخضاع الجميع للقانون، أم تبقى جزءًا من الصراع على النفوذ؟ فالاختبار الحقيقي لأي موقف ضد المليشيات هو الاستعداد لتطبيق المبدأ على الحليف والخصم، وعلى قوات صاحب الموقف نفسهThe post تصريحات مناوي: هل بدأت معركة المليشيات داخل تحالف بورتسودان؟ appeared first on صحيفة مداميك.