مداميك: ندى رمضان في وقت تتداعى فيه قدرة السودانيين على الوصول إلى العلاج بسبب الحرب وتدهور الخدمات الصحية وارتفاع كلفة المعيشة وانهيار قيمة العملة المحلية، تدخل مراكز الرعاية الصحية الأولية (المراكز الصحية) في ولاية الخرطوم دائرة جديدة من الأزمة، مع إضراب أطباء الأسرة والكوادر الصحية احتجاجاً على تدني الأجور وتأخر الحوافز والترقيات ونقص مستلزمات العمل الأساسية.ولا تأتي أزمة المراكز الصحية بمعزل عن واقع صحي واقتصادي أكثر قسوة؛ فالحرب أضعفت قدرة النظام الصحي على توفير الخدمة، فيما أثقل ارتفاع الأسعار وانهيار القوة الشرائية كاهل الأسر، وأصبح الحصول على الدواء نفسه تحدياً متزايداً. ومع اختفاء أصناف دوائية من منافذ البيع وظهور بعضها في السوق الموازية بأسعار تفوق قدرة كثير من المرضى، يجد المواطن نفسه أمام معادلة شديدة القسوة: خدمة صحية تتراجع، ودواء يصعب العثور عليه، وكلفة علاج تتصاعد، ودخل يتآكل بفعل الانهيار الاقتصادي.وفي ظل هذه الأزمة، يجد العاملون في المراكز الصحية أنفسهم يعملون في بيئة يقولون إنها تفتقر إلى أبسط مقومات التشغيل، من الكهرباء والمياه إلى الأدوية ومعينات العمل، بينما تتراكم مستحقاتهم المالية وتتأخر الحوافز والترقيات. ويقول أطباء وكوادر رعاية صحية إن استمرار هذا الوضع لا يهدد حقوقهم المهنية والمعيشية فحسب، بل يضع قدرة المراكز على مواصلة تقديم خدمات الرعاية الأولية أمام اختبار صعب.وبينما يخوض العاملون إضراباً متدرجاً بعد ما يقولون إنه استنفاد لمسارات التفاوض ومخاطبة الجهات المختصة، يبقى المرضى الطرف الأكثر عرضة لدفع كلفة تعطل أو تراجع الخدمة، خصوصاً الفئات التي لم يعد بمقدورها تحمل كلفة العلاج والدواء في السوق الخاصة.هكذا تتقاطع أزمة الكوادر مع أزمة المرضى: أطباء يطالبون بأجور وحوافز وبيئة عمل تحفظ الحد الأدنى من الاستقرار، ومرضى يبحثون عن مركز صحي قادر على استقبالهم، ودواء أصبح الحصول عليه عبئاً إضافياً في اقتصاد أنهكته الحرب.إضراب متدرج:وبحسب بيان لجنة ممثلي أطباء الأسرة والكوادر الصحية بالمراكز الصحية بولاية الخرطوم، بدأ الإضراب يوم الاثنين 24 أغسطس 2026 بصورة متدرجة، على أن يتواصل وفق جدول محدد وصولاً إلى الإضراب الشامل.وأوضح البيان أن الإضراب لا يعني الغياب عن أماكن العمل، وإنما حضور العاملين إلى مقار عملهم والامتناع عن أداء المهام الفنية والإدارية، مع رفع مطالبهم المهنية.وتقول اللجنة إن هذه الخطوة جاءت بعد مخاطبة جهات الاختصاص بالولاية وعدم الوصول إلى معالجة للمطالب التي ظلت مطروحة منذ فترة.حوافز متأخرة ومرتبات متدنيةويضع العاملون ملف الأجور والحوافز في مقدمة أسباب الاحتجاج.ويقول مدير المراكز الصحية بمحلية جبل أولياء د. طارق عبد الله القاسم في تصريح، ل(مداميك) إن الكوادر تعاني من تدني المرتبات وعدم انتظام الحوافز، فضلاً عن غياب الترقيات.ويشير القاسم إلى أن راتبه يبلغ نحو 108 آلاف جنيه شهرياً، في وقت يقول فيه إن العاملين في بعض الوظائف المساندة، مثل الفراشين والغفراء، يتقاضون بين 30 و70 ألف جنيه شهرياً.ويضيف أن آخر حافز تم استلامه كان عن شهر فبراير 2026، بينما تسلم العاملون لاحقاً حافز شهر أبريل، الأمر الذي يعكس، بحسب إفادته، فجوة كبيرة في انتظام الاستحقاقات.ولا تقتصر المطالب على الحوافز، إذ تطالب الكوادر بصرف متأخرات مالية تعود إلى فترات سابقة، وتسريع الترقيات، وتحسين هيكل المرتبات والبدلات بما يتناسب مع طبيعة العمل والظروف المعيشية.مراكز بلا كهرباء ومياهفي الجانب الخدمي، واكد إن عدداً من المراكز الصحية يواجه نقصاً في مقومات التشغيل الأساسية.ويشير القاسم إلى مشكلات في غرف الغيار، ونقص الأدوية، وتعطل التأمين الصحي، فضلاً عن عدم توفر الكهرباء والمياه في بعض المعامل والمراكز، إلى جانب نقص معينات النظافة والعمليات.ونبه إن هذه الأوضاع تجعل ممارسة العمل الطبي أكثر صعوبة، خصوصاً مع عدم توفر بيئة عمل مناسبة للأطباء والكوادر الصحية.وتطالب اللجنة كذلك بإمداد المراكز بالعمليات والغيار والأدوية ومستلزمات النظافة وغيرها من الاحتياجات الأساسية، باعتبار أن تحسين أوضاع العاملين لا ينفصل عن توفير الحد الأدنى من متطلبات تقديم الخدمة الصحية.لجنة تفاوض ووعود لم تنفذويقول العاملون إنهم سعوا إلى معالجة الأزمة عبر الحوار قبل اللجوء إلى الإضراب.وبحسب إفادة القاسم، تشكلت لجنة من أطباء الأسرة عقب دعوة من وزير الصحة بولاية الخرطوم، محمود البدري، وطرحت اللجنة جملة من المطالب، بينها تغيير بعض مديري الصحة الأولية، وإجازة حوافز لثلاثة أشهر من المتأخرات، وتحسين إمداد المراكز بالأدوية والمستلزمات.ويضيف أن بعض هذه الوعود لم تنفذ، رغم تغيير مدير الرعاية الصحية الأولية.وفي خطوة لاحقة، تشكلت لجنة للإضراب تضم ممثلين من المحليات السبع، وعقدت اجتماعاً مع مسؤولي شؤون العاملين بالرعاية الصحية الأولية ومدير الحسابات، ويقول القاسم إن الأخير أبلغهم بعدم توفر أموال لمعالجة المطالب المالية.ويؤكد العاملون أن تغيير المسؤولين لم يؤدِّ، حتى الآن، إلى معالجة جوهرية للقضايا التي دفعتهم إلى الاحتجاج.خطاب رسمي بالمطالبوفي خطاب موجه إلى مدير عام وزارة الصحة بولاية الخرطوم، عرض ممثلو لجنة أطباء الأسرة وكوادر الرعاية الصحية بالمراكز الصحية جملة من المطالب، مؤكدين أن المشكلات المتراكمة أثرت على الاستقرار المهني والأداء الوظيفي.وطالبت اللجنة بمراجعة هيكل المرتبات بما يتناسب مع الحد الأدنى للأجور وطبيعة العمل والظروف المعيشية، إلى جانب تضمين بدلات السكن والعدوى والوجبة والترحيل والملابس ضمن الاستحقاقات.كما طالبت بصرف متأخرات تشمل شهري نوفمبر وديسمبر 2023 ومرتبات عام 2024، إضافة إلى انتظام صرف حافز الأداء وحافز الإدارة والبدلات وفروقات الترقيات ومنح رمضان والأعياد.ودعت اللجنة كذلك إلى وضع منشور واضح ومنظم للحوافز، وتسريع إجراءات الترقيات وفك الاختناقات، وتعيين المتعاقدين وتوفيق أوضاعهم.التأمين الصحي ضمن الأزمةويبرز التأمين الصحي باعتباره أحد الملفات التي تقول الكوادر إنها تحتاج إلى معالجة عاجلة.وطالبت اللجنة بإبرام عقد جديد مع التأمين الصحي يتناسب مع الوضع الراهن، وضمان صرف مستحقات التأمين بصورة منتظمة وعدم تأخيرها.وتقول اللجنة إن انتظام التأمين الصحي يمثل جزءاً من استقرار الخدمة الصحية والعاملين فيها، خصوصاً في ظل تدهور القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة.أين تذهب أموال المنظمات؟وتطرح إفادة العاملين كذلك تساؤلات بشأن الدعم الذي تقدمه المنظمات الدولية للقطاع الصحي.ويقول القاسم إن هناك منظمات دولية داعمة للصحة، إلا أن العاملين، بحسب إفادته، لا يملكون معلومات كافية عن الاتفاقات الموقعة بينها وبين وزارة الصحة، أو آليات وقنوات صرف ميزانياتها.وتحتاج هذه النقطة، قبل النشر بصيغة اتهامية، إلى رد رسمي من وزارة الصحة والمنظمات المعنية، وتحديد حجم التمويل المقدم، وأوجه صرفه، والجهات المستفيدة منه، حتى يمكن مقارنة الموارد المتاحة بالاحتياجات الفعلية للمراكز الصحية.بين حقوق العاملين وحق المرضىويضع الإضراب قطاع الرعاية الصحية الأولية أمام معادلة شديدة الحساسية: كيف يمكن للكوادر المطالبة بحقوقها المهنية والمعيشية، وفي الوقت نفسه ضمان استمرار الخدمات الأساسية للمرضى؟ويقول العاملون إن احتجاجهم لا يستهدف تعطيل الخدمة الصحية، وإنما يأتي، بحسب بيانهم، دفاعاً عن استمرارها في ظل بيئة عمل يرون أنها أصبحت غير قادرة على توفير احتياجات العاملين والمراكز.وفي المقابل، فإن استمرار الإضراب أو اتساع نطاقه قد يضيف عبئاً جديداً على المواطنين، خصوصاً المرضى الذين يعتمدون على المراكز الصحية للحصول على خدمات الكشف والعلاج والرعاية الأولية.وتزداد أهمية هذه الخدمات في ظل الظروف التي يعيشها السودان منذ اندلاع الحرب، وما ترتب عليها من نزوح وضغوط اقتصادية وتراجع في قدرة الأسر على تحمل تكاليف العلاج خارج النظام الصحي العام.أبواب مغلقة:ويقول القاسم إن لجنة العاملين طرقت أبواباً عدة، بما فيها مخاطبة والي الخرطوم، من دون الوصول إلى معالجة للمطالب حتى الآن.وبينما دخلت الكوادر الصحية في الإضراب المتدرج، يبقى التصعيد مرتبطاً بمدى قدرة السلطات الصحية والولائية على فتح مسار تفاوضي جاد يفضي إلى حلول عملية، سواء في ملف الأجور والمتأخرات والحوافز، أو في توفير مستلزمات التشغيل الأساسية للمراكز.ويؤكد العاملون أنهم يأملون في الوصول إلى حلول تنهي الإضراب، لكنهم في الوقت ذاته يتمسكون بمطالبهم المتعلقة بالأجور والحوافز والترقيات وبيئة العمل.ويبقى السؤال المطروح أمام وزارة الصحة بولاية الخرطوم: هل تستطيع معالجة أزمة كوادر الرعاية الصحية الأولية قبل أن تتحول أزمة العاملين إلى أزمة أوسع في استمرارية الخدمة الصحية نفسها؟.The post إضراب الأطباء… مرضى الخرطوم في مواجهة انهيار الرعاية الصحية appeared first on صحيفة مداميك.