الجنرال الذي غنّى جرحه

Wait 5 sec.

إدوارد كورنيليوعبد المنعم عبد الحي لم يكن توقيعاً في نهاية أغنية. كان سؤالاً يمشي على قدمين. وُلد في أم درمان مطلع العشرينيات لأب دينكاوي جاء من الجنوب، فصارت المدينة رحمه الأول. هناك، في أزقة الموردة، تعلّم كتابة اسمه وكتابة القصيدة، وتعلّم قبل ذلك درساً لا يُكتب: أن تكون ابن هامش يسكن المركز يعني أنك تدفع دمك على كل عتبة باب.سافر إلى القاهرة سنة 1934 وهو صبي بتذكرة ذهاب بلا إياب. دخل الكلية الحربية وتخرّج ضابطاً سنة 1942، وصعد حتى صار لواءً قبل أن يخلع البزة أواخر 1967. في النهار ضبط وربط وأوامر لا تُناقش، وفي الليل ورق وقلم و”أنا أم درمان”. هذه الازدواجية لم تكن حكاية فرد استثنائي، بل شهادة على زمن كامل. رجل وُلد في قلب المركز بدم هامش، حمل بندقية ليحمي دولة أخرى، ثم رثى انتماءه الممزق بقصيدة. البندقية لم تسأله، والقصيدة كانت رئته حين يختنق.العسكري حين يكتب الشعر لا يبحث عن زينة، بل عن توازن يمنعه من السقوط. صار الشعر غرفة التفاوض السرية بينه وبين تاريخه. لم يستطع تغيير مسار الرصاص، فغيّر مسار الكلمات. لكن للكلمات التي تُذاع ثمن، لذلك غلب على شعره الحنين لا الاتهام، والمناجاة لا المحاكمة، و”ما بنختلف” لا “لماذا تفرقنا؟”. أقولها صراحة: أراه صمتاً محسوباً أحياناً، وذكاء نجاة أحياناً أخرى، ولا ألومه.صدح أحمد المصطفى بـ”أنا أم درمان”، ورقص سيد خليفة على “المامبو السوداني”، وتهدّج عثمان حسين في “يا ليالي المصير”، واحترق حمد الريح في “نار البعد والغربة”. فصارت كلماته ذاكرة جيل، وبقي اسمه طابع بريد قديم: الكل يعرف الرسالة، وقليلون يذكرون من كتب العنوان. وهنا يبدأ الوجع: لماذا يُستهلك النص ويُنسى صاحبه؟ لأن تذكّر الصاحب يعني استدعاء الحكاية كلها. حكاية الدينكاوي الذي جرى النيل في دمه، والجنوبي الذي علّق نياشين اللواء على كتفه في القاهرة، والشاعر الذي دفن ولديه بعد حربين لم تكن حربه، ثم مسح دمعه وكتب أغنية تطبطب على أكتاف الآخرين.الوطن عنده لم يكن خريطة، بل لحناً يحمله في الحقيبة ويمضي. ليس هروباً، بل إقرار صامت بأن الهوية التي ورثها لم تجد لها وطناً، فاخترع جغرافيا بديلة من النغم. لكن اللحن لا يوقف قافلة الجوع، ولا يرد رصاصة، ولا يعيد قرية احترقت. خذ “أنا أم درمان”: أغنية صارت أيقونة وستاراً في الوقت نفسه. يغني لمدينة وُلد فيها ولم تحمه من سؤال الأصل، فتذوب فيها الفوارق. وهذا جميل ومؤلم، لأن الغناء عن الوحدة يصبح أحياناً بديلاً عن دفع ثمنها، والعزاء الجماعي طريقة لتأجيل الحساب.“نار البعد والغربة” تُطربك فتبكي، ثم تمسح دمعك وتعود ليومك. من أشعل النار؟ من استفاد من الغربة؟ الأغنية لا تجيب، وظيفتها التخفيف لا التشريح. فيتحول الوجع العام إلى شجن خاص، ويُسمح للضحية أن تغني جرحها على المسرح، شرط ألا تنزل لتضمده بيدها. تزوج في القاهرة وأنجب ستة، ومات ولدان منه في حربين. الفجيعة كانت كفيلة أن تُخرس أي رجل، لكنه حوّلها مادة لأغنيات تمنح الآخرين صبراً. هذه ليست بطولة فحسب، بل آلية نجاة.ظل واقفاً دائماً في المنتصف الخطر: بين دم أبيه وميلاده، بين السودان ومصر، بين البندقية والقلم، بين رتبة اللواء وهشاشة الشاعر. هذا المنتصف لا يصنع أبطالاً صريحين، بل يصنع شخصيات مركبة تلّمس قلوب الجميع وتعجز عن الانحياز الكامل. لذلك لم يتبنه خطاب الجنوب الثائر تماماً، ولم يرفعه الشمال الرسمي إلى الواجهة، فبقي معلقاً في المنطقة الرمادية. حتى لغته كانت بيتاً آخر من التناقض: يكتب بالفصحى ليقف على منبر الإذاعة، ويعود إلى السودانية ليطرق باب القلب مباشرة. الفصحى شرعية، والعامية صدق.مات في القاهرة 1975 ودُفن فيها. قيل إنه “شخصية مظلومة إعلامياً”، والظلم هنا ليس إهمالاً عابراً بل وظيفة. أن تذكره كما هو يعني أن تفتح أربعة ملفات مرة واحدة: الهوية في سودان ما بعد الاستعمار، العلاقة الملتبسة مع مصر، دور المثقف حين يصبح جزءاً من جهاز الدولة، وتحوّل الثقافة من إزميل إلى مخدر لطيف. الأسهر أن تأخذ الأغنية وتترك السيرة، أن ترقص على “المامبو السوداني” وتؤجل السؤال: من كتب هذا؟ ولماذا بهذه الطريقة؟ والأسهر من ذلك أن يبقى قبره هناك، فحتى العظام لم تعد إلى أم درمان التي غنّاها.عبد المنعم عبد الحي مرآة مكسورة لسودان مكسور. ترى فيه الأم درماني الذي أراد أن يكون سودانياً بكل دمه فدفع الثمن مرتين، والعسكري الذي اكتشف أن البزة لا تحمي من الحنين، والشاعر الذي فهم باكراً أن الإذاعة تريد صوته لا صرخته، والأب الذي دفن أبناءه ثم كتب للآخرين عن الصبر كأن الصبر مهنة. مأساته أنه عاش عمره يفاوض بين دم أبيه وشهادة ميلاده، بين القاهرة التي آوته وأم درمان التي أنجبته، بين القصيدة التي أرادها والقصيدة التي سُمح له بها. ومن هذه المفاوضة وُلدت أغنيات لا تموت، وولد صمت ثقيل حول الأسئلة التي كان يجب أن تُصرخ.ليس ذماً للرجل بقدر ما هو رثاء لجيل كامل، جيل طُلب منه أن يكون جسراً بين عالمين فانهار الجسر وسقط هو تحته. لذلك، كلما مرّت “نار البعد والغربة” في الراديو، لا تسمعها كأغنية فقط، بل كمحضر تسوية تاريخية بين رجل وعصره. تسوية تقول: غنِّ ما يؤلمك، لكن إياك أن توقظ النائمين. قل “ما بنختلف” حتى لو كان الاختلاف يملأ الشوارع، واكتب “أنا أم درمان” حتى لو سألتك: من أي دمٍ أنت؟هذا هو عبد المنعم عبد الحي: ليس بطلاً ولا خائناً، بل ابنك حين تعصره الهوية، وابن عصره حين تعصره البنادق، وابن الفن حين يطلب منه أن يكون بلسماً لا مشرطاً. تتركك سيرته مع غصة، لأنها تذكرك أن بعض الأوطان لا تُستعاد بالقصائد وحدها، وأن بعض القصائد، مهما بلغ جمالها، هي أيضاً شاهد على ما لم يُقل، وعلى من لم يعد.The post الجنرال الذي غنّى جرحه appeared first on صحيفة مداميك.