عبدالمجيد قرشيبين اجتماعات نيروبي وإعلان الهدنة من طرف واحد، يبدو المشهد السوداني وكأنه يدخل مرحلة جديدة من الصراع السياسي، مرحلة لا تعتمد فقط على البندقية، بل على إعادة ترتيب الأوراق والتحالفات وصناعة واقع سياسي مختلف تحت ضغط الحرب الطويلة والكارثة الإنسانية المتفاقمة. فالحروب الكبيرة لا تستمر إلى ما لا نهاية بنفس الوتيرة، بل تصل إلى لحظات تتحرك فيها الأطراف نحو إعادة التموضع، سواء عبر التفاوض أو عبر بناء توازنات جديدة تمهد لما بعد الحرب.اجتماعات Nairobi لم تكن مجرد لقاءات سياسية عادية، بل حملت رسائل متعددة للداخل والخارج. القوى المشاركة حاولت أن تقدم نفسها باعتبارها صوتا يسعى إلى إنهاء الحرب وبناء مشروع سياسي جديد، بينما رأى خصومها أنها محاولة لصناعة شرعية موازية وإعادة تشكيل السلطة خارج مؤسسات الدولة التقليدية. لذلك فإن توقيت هذه الاجتماعات في ظل التطورات العسكرية والسياسية الأخيرة جعلها محط أنظار المراقبين داخل السودان وخارجه.وفي خضم هذه الاجتماعات، جاء إعلان الدعم السريع عن هدنة من طرف واحد لمدة ثلاثة أشهر، وهو إعلان لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق السياسي والإقليمي. فالهدنة الطويلة نسبيا ليست مجرد خطوة ميدانية، بل تحمل أبعادا سياسية وإنسانية وإعلامية. من جهة، تحاول تقديم صورة بأن هناك استعدادا للانخراط في مسار سياسي أو تفاوضي، ومن جهة أخرى تسعى إلى كسب تعاطف إقليمي ودولي في ظل الانتقادات المتزايدة للحرب وما خلفته من دمار واسع ونزوح ومجاعة وانهيار للخدمات الأساسية.هذا التزامن بين اجتماعات Nairobi والهدنة يفتح الباب أمام فرضية وجود تنسيق أو تفاهمات غير معلنة تقودها أطراف إقليمية ودولية تضغط نحو وقف الحرب أو على الأقل تجميدها مؤقتا. فدول الجوار أصبحت تشعر بأن استمرار الصراع السوداني لم يعد شأنا داخليا فقط، بل تهديدا مباشرا للاستقرار الإقليمي. تدفقات اللاجئين، وتنامي السلاح، والانهيار الاقتصادي، وتحول السودان إلى ساحة مفتوحة للتنافس الإقليمي والدولي، كلها عوامل دفعت المجتمع الإقليمي للتحرك بصورة أكبر.لكن رغم ذلك، فإن الطريق نحو السلام لا يزال معقدا للغاية. فالتجارب السابقة في السودان أثبتت أن الهدن المؤقتة قد تكون أحيانا جزءا من تكتيكات الحرب وإعادة التموضع أكثر من كونها بداية حقيقية للحل. كما أن الانقسام السياسي الحاد وانعدام الثقة بين الأطراف يجعل أي مبادرة عرضة للانهيار إذا لم تقم على مشروع وطني شامل يضع مصلحة السودان فوق الحسابات الضيقة.الأزمة السودانية لم تعد مجرد صراع عسكري بين قوتين، بل أصبحت أزمة دولة وهوية ومستقبل. ملايين السودانيين يعيشون اليوم بين النزوح والفقر والخوف وفقدان الأمل، بينما تتصارع القوى المختلفة على السلطة والنفوذ والرواية السياسية. لذلك فإن أي تحرك سياسي، سواء في Nairobi أو غيرها، لن ينجح إذا لم يلامس المعاناة الحقيقية للناس ويقدم رؤية واضحة لوقف الحرب وإعادة بناء الدولة.وفي النهاية، قد تكون اجتماعات Nairobi وإعلان الهدنة بداية لتحولات أكبر خلف الكواليس، وقد تكون مجرد محطة جديدة في صراع طويل لم تتضح نهاياته بعد. لكن المؤكد أن السودان وصل إلى مرحلة لا يحتمل فيها مزيدا من الانهيار، وأن أي فرصة لوقف الحرب، مهما كانت صغيرة، تظل أملا يتمسك به شعب أنهكته سنوات الدم والدمار والانقسام. The post العلاقة بين اجتماعات نيروبي و الهدنة لمدة ثلاثة شهور من طرف واحد … appeared first on صحيفة مداميك.