المجتمع الدولي بين عدالة القوّة وقوّة العدالة

Wait 5 sec.

جمال محمد إبراهيم(1)ليس عنوان المقال أمثولةً في اللغة، ولا هو نسج لأحجية أو تعمّدٌ لصياغة ملغَّزة. أقول إنّ كلّ من ينظر إلى صورة المجتمع الدولي الماثلة والتي أبدعت ثورة الاتصالات والمعلوماتية في نقلها مباشرة، فيسمعها ويرى صورها أمام عينيه، ويسمع أصواتها بأذنيه، فتلك حالة في مسيرة تاريخ البشرية غير مسبوقة، بل غير متخيَّلة. لا أزمع أن أحدّثك عن تاريخ البشرية عبر مسيرات ومراحل تُحسب بالقرون، ولن أتعمّق إلى أبعد من الحربَين العالميّتَين الأولى (1914- 1918) والثانية (1939- 1945)، آملاً تبيان ما وددتُ طرحه هنا.حال الأمن والسِّلم الدوليين باتت في تراجع متّصل وفي تغييب متعمَّد. ولعلّ الحقبة الطويلة التي أعقبت طي صفحة الحرب الكونية الثانية لم تكن كلّها سلاماً وأمناً، برغم توافق كبار أقوياء العالم وضعافه معهم على وثيقة دولية هي ميثاق الأمم المتحدة، قرّروا أنّها كافية لضمان السلم والأمن الدوليَّين. لقد كان صادقاً من رأى الحقبة الطويلة الممتدَّة منذ 1945 وحتى نهايات القرن العشرين، حقبة الحرب الباردة. أجل، هي حقبة حروب مؤجّلة وصراعات مستدامة.(2)خلال تلك الحقبة، تداعت الشراكات التي جمعت شعوب أقطار الأرض، وآلت أوضاعها إلى تفكّك، إذ إنّ المواثيق والاتفاقات التي أبرمها السياسيون، كبارهم وصغارهم، صارت حبراً على ورق أو تكاد. فلنا أن نسأل: كيف أسفر سعي كبار القوى الكُبرى بعد الحرب الكونية الأولى إلى إنشاء عصبة الأمم، لتكون صِمَام أمان لحيواتهم وسلامة لمعايشهم، فلا تقع صراعات ولا حروب أخرى مثل التي وصفها المؤرّخون بأنّها حرب أولى؟. تجاوز عدد ضحايا تلك الحرب 20 مليون قتيل من عسكريين ومدنيين. وبرغم الخسارة البشرية والدمار الكبير، لم تفلح عصبة الأمم في الحفاظ على الأمن والسلم ليسودا في أنحاء المعمورة. ثمّ سرعان ما نشبت الحرب العالمية الثانية، أشدّ دماراً وفتكاً بالبشر، وتجاوز عدد ضحاياها أكثر من 80 مليون نسمة، إذ صار التسلّح تنافساً مستعراً يغذّي السيطرة والنفوذ، وتسابقاً مشتدّاً لامتلاك موارد الطبيعة المهدَّدة بالنضوب.شكّلت هاتان الحربان، الأولى والثانية، قمَّة الحقبة الاستعمارية، وما حملتاه من مظلوميات، أبطالها كبار استقووا في صراعات النفوذ، وضحاياها صغار استُضعفوا إلى أقاصي درجات الاستضعاف.(3)ومع أنّ الميثاق الذي أُبرم عام 1945 بهدف حفظ السلم والأمن الدوليين كان إنجازاً غير مسبوق، على سبيل تحقيق مجتمع دولي متماسك، سرعان ما ظهرت الحاجة القصوى إلى جهد سياسي وفكري أوسع وأعمق، لصياغة وثيقة ثانية تضمن تحقيق ظروف تحمي البشرية جمعاء من تكرار مظلوميات مثل تلك التي سبّبت الحربَين العالميّتَين.تولّت السيدة إليانور روزفلت (1884- 1962)، زوجة الرئيس الأميركي الراحل فرانكلين روزفلت، وبحكم شغلها منصب المندوب الدائم الأميركي في الأمم المتحدة، رئاسة اللجنة التي أنجزت الشرعة العالمية لحقوق الإنسان. عملت تلك اللجنة العليا، التي ضمّت سياسيين ومفكّرين ممثّلين لمختلف العقائد والمذاهب الفكرية، نحو عامَين، تدارسوا وتداولوا فكرياً بعمق، فأنجزت في عام 1948 ما عُرف باسم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي أجازته الجمعية العامة للأمم المتحدة ذلك العام، وصدرت بموجبه ما تفرَّع منه من اتفاقات.(4)على الرغم ممّا تحقّق بموجب ميثاق الأمم المتحدة من نجاحات نسبية، دفعت الرُّوح التي صيغ بها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان جهودَ الأمم المتحدة إلى القضاء المبرم على ظاهرة الاستعمار الكولونيالي، خاصّةً في ستينيّات القرن العشرين. وبحصول عديد من شعوب آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية وبعض شعوب أوروبا على استقلالها، صار لهذه الشعوب صوت مميّز. ومن تجلّيات تلك الحقبة ذلك الحوار التاريخي الذي قاده الزعيم الألماني ويلي براندت: حوار الشمال والجنوب. لم يكن حواراً بين منطقتَين، بل بين شعوب متفاوتة المقدرات، لتحقيق عدالة اقتصادية واجتماعية وسياسية مطلوبة لتجاوز مظلوميات تاريخية مجحفة. وشكّل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان “قوة العدالة” في وجه “عدالة القوة” والغطرسة، تلك التي مثّلتها ظاهرة الاستعمار الكولونيالي.(5)المقرّرات الملزمة التي حملها ذلك الإعلان العالمي تحقّقت صياغتها بعد تداول فكري وسياسي معمَّق بين ممثّلين لمختلف العقائد والمذاهب الفكرية، بينهم فلاسفة ومفكّرون من الشرق والغرب. ولعلَّ ذلك الجهد، إن كان سابقاً لميثاق الأمم المتحدة، لكان حال الجمعية العامة ومجلس الأمن غير الحال التي نراها عليهما الآن.الميثاق، فيما نرى، هو ما أنجزه سياسيون، أمّا شرعة حقوق الإنسان فمنجز فكر إنساني أعمق وأشمل. وعلى الرغم ممّا أوجدته بعض مواد الشرعة من انتقاد من ممثّلين لبعض الأديان السماوية، غير أن الروح التي صيغت بها تلك الشرعة لو وجدت طريقها إلى ميثاق الأمم المتحدة، لما تُرك الحبل على الغارب (عبر حقّ النقض) لسيطرة بعض الأقوياء على قرارات المنظّمة الأممية على حساب شعوب الدول الأضعف. ذلك، في تقدير كثيرين، من بقايا إرث الغطرسة الكولونيالية وعدالة القوّة الزائفة.(6)الصِّراعات والحروب التي نراها ناشبةً من حولنا، شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، يزيد أوارها ويحرّض عليها طامعون من وراء ستار، وغطارسة لا يخفون نيّاتهم، ثمّ مغيَّبون يقاتلون بالوكالة عن كلّ هؤلاء. ومن بين أولئك الغطارسة والطغاة، هنا وهناك، وفيهم (ويا للأسف) من يريد إرجاع الساعة إلى الوراء، فتعود للقوّة الظالمة ما يحسبونه في شرعتهم عدالةً، وهي عدالة زائفة، تروّج إشاعة مظلوميّات من جديد، وتسعى إلى إحياء استعمار كولونيالي شبع موتاً.نحن على عتبات حقبة ديست فيها المبادئ والمواثيق التي رسّخت وجود ما ظلّ يُعرف بـ”المجتمع الدّولي”، ليس فقط بأقدام متّسخة، بل بالصواريخ والمسيّرات وبخوارزميات الذكاء الاصطناعي.العربي الجديدThe post المجتمع الدولي بين عدالة القوّة وقوّة العدالة appeared first on صحيفة مداميك.