لا تحالف بدون تحديد العدو وعزله!!

Wait 5 sec.

د. أحمد عثمان عمر(١)عند كل انعطافة وإعادة فرز واصطفاف، يكثر الحديث عن التحالفات، وتبدأ قوى في محاولة إعادة صياغة خطها السياسي ورسم خارطة تحالفاتها، وهذا أمر متوقع باعتبار أن التحالفات جزء أصيل من الخط السياسي، الذي يشمل مجمل التكتيكات والأدوات والتحالفات، اللازمة لتنفيذ البرنامج السياسي.لذلك فإن التحالف ليس غاية في ذاته، بل وسيلة من ضمن وسائل أخرى لتنفيذ البرنامج السياسي لقوى سياسية توافقت على الحد الأدنى في أغلب الأحوال. والأصل في هذه الحالة هو البرنامج السياسي، الذي ترغب القوى في تنفيذه لا وسائل وتكتيكات التنفيذ، باعتبار أن القوى السياسية تبدأ من مواقع الاستقلال وتتجه للتحالف عندما تكون هناك حاجة إليه، وتوافق على البرنامج والاستراتيجية الراهنة الواجب تنفيذها. فالقوى التي تتخذ من الانقلاب العسكري وسيلة وتكتيكا لاستلام السلطة، في الغالب لا تركن للتحالف وتنجز الأمر لوحدها حفاظا على الوضع التآمري ورغبة في الانفراد بالسلطة، وكذلك القوى التي تختار طريق الجماهير أحيانا لا تركن للتحالفات عند قدرتها على تنظيم الجماهير منفردة، أو غياب التوافق على البرنامج والاستراتيجية، واستحالة التوافق على التكتيك بالتبعية. فالتحالف ليس أمراً وجوبيا ولا هو أداة مقدسة وواجبة في كل الأحوال، يضحى من أجلها بالبرنامج السياسي وبالاستراتيجية كما يتصور البعض!!(٢)وتجربة السودان السياسية، حفلت بتحالفات معلومة، عند منعطفات سياسية جعلت التحالف ضرورة، لتنفيذ برنامج حد أدنى متفق عليه، عابر للأيدلوجيات ومرحلي الصفة. لكن هذه التجربة قادت قوى التغيير الجذري، وهي إطار تحالفي، للتوصل إلى خلاصة صحيحة، هي أن التحالفات الفوقية بين القوى متباينة المشاريع، لن تقود إلى تغيير ثوري، وتتسبب في هزيمة الثورات والانتفاضات، وهي التي قادت لإضاعة انتفاضة أبريل، وأدخلت ثورة ديسمبر المجيدة في النفق المظلم الراهن لتسوويتها وإصلاحيتها التي تمكن النظام السابق من الاستمرار والتحكم، مما يحتم الإصرار على التحالفات القاعدية بين قوى الثورة الحقيقية، حتى يصبح تنفيذ البرنامج الثوري للتغيير- وهو برنامج جذري بطبيعته- أمراً ممكناً، وتصبح الحرية والسلام والعدالة معاً، جوهر البرنامج المراد تنفيذه، دون تضحية بأي منها تحت دعاوى الواقعية وضعف القدرات وغيرها من الحجج الواهية.فدرس التحالفات في تاريخ السياسة السودانية، أكد عبر طريق وعر ومر، حقيقة أن قيام تحالف بين قوى توجد بينها تناقضات ثانوية، يستلزم تحديد التناقض الرئيس أولا. وهذا أمر يستحيل دون تحديد من هو العدو لوضع استراتيجية تسعى لهزيمته، وتحالفات تعمل ضده وتعزله وتقصيه. لذلك لا يمكن تأسيس تحالف لتفكيك تمكين تنظيم بعينه، مع هذا التنظيم وبناء شراكة مع واجهاته وأذرعه العسكرية والأمنية، التي تمثل أدوات تمكينه بالذات، ليقوم بالمشاركة في تفكيك تمكينه والعمل ضد مصالحه!! فإزالة التمكين تشترط تحديد التنظيم المتمكن كعدو وتحريم الشراكة معه أو مجرد الاقتراب منه عبر تمويه الخطاب السياسي، والخجل من محاسبته سياسيا وعزله عزلا مطلقا. وذلك لأنه دون تحديد العدو، يستحيل تحديد استراتيجية مرحلية مشتركة جوهرها برنامج ثوري، تبنى عليها التحالفات كتكتيك لازم لتنفيذها.(٣)بعد تحديد العدو استنادا لبرنامج واضح، يبقى الالتزام بهذا البرنامج وبالاستراتيجية التي وضعت استنادا اليه، هو الأساس لاستمرار التحالف الذي وإن كان قائما، لا ينفي استقلالية التنظيمات التي تكونه، وحقها في الاختلاف حول تكتيكات تنفيذ البرنامج ونقد أطراف التحالف الأخرى وتوضيح مدى انحرافها عن البرنامج المتفق عليه، لأن التحالفات وحدة تبنى على الصراع لا وحدة الفكر والإرادة التامة كالأحزاب، مع ضرورة توفر هذه الوحدة في حدها الأدنى المتصل ببرنامج التحالف. وفي غياب هذه الوحدة في حدودها الدنيا التي تسمح بتوافق فكري حول طبيعة المرحلة الانتقالية مثلا وأنها مرحلة تفكيك بإرادة ثورية وبناء بإرادة ديمقراطية، وبناء تحالف قادر على التمسك بالهدم والبناء بإرادة موحدة، يصبح التحالف عائقا أمام تنفيذ شعارات الثورة بدلا من أداة لتنفيذها!! أي أن التحالف غير المبني على توافق فكري في حدود برنامج الحد الادنى، وإرادة تتمسك بشعاراته وتعمل ضد عدو متفق عليه، يصبح وبالا وضررا محضا وحاجزا في وجه حركة الجماهير، يمنعها من تحقيق أهداف ثورتها، وإن رددت هذه القوى شعارات الثورة، وأكثرت من الحديث عنها. فالناظر الآن للساحة السياسية يجد أن تحالف سلطة الأمر الواقع وأكثر منه تحالف الجنجويد، كلاهما يزايد حول تمسكه بشعارات ثورة ديسمبر المجيدة، وكلاهما يشكلان العدو الأساسي لهذه الثورة، والقوى الباطشة التي وقفت ضدها، ودبرت انقلاب القصر الأول، وفضت اعتصام القيادة العامة، وتحالفت مع حركات الارتزاق، لتنفذ الانقلاب الثاني، ومن ثم تشعل حربا لا تبقي ولا تذر، وتطرد القوى المدنية القاعدية صاحبة المصلحة الحقيقية في تنفيذ شعارات الثورة من الشارع، لتعيد صياغة خارطة الفعل السياسي، وترجح كفة العمل العسكري على النضال السلمي المدني. فهل يصبح هذا التحالف صحي وجيد وضروري لمجرد رفعه شعارات الثورة كأداة للتضليل وقصف العقول؟(٤)لا يكفي ترديد الشعارات وزعم تبنيها، بل يجب محاكمة السلوك السياسي والممارسة لتحديد مدى انسجامهما مع الشعارات المرفوعة أم لا، وامتحان ذلك بتحديد الفئات الاجتماعية التي تنتمي إليها القوى التي ترفعها. فعند معرفة أن قيادة قوى سلطة الأمر الواقع وقيادة الجنجويد أيضا تمثلان فئتين من فئات الرأسمالية الطفيلية، وأنهما نتاج لانقسام اللجنة الأمنية لهذه الفئات، ومراقبة سلوكها منذ اندلاع ثورة ديسمبر المجيدة، يصبح تصنيفهما كعدو وعزلهما وتحريم التحالف معهما وبناء شراكات الدم أمرا حتميا ولازما، واعتبار كل من لا يسميهما كعدو ويسعى للانخراط معهما في أي عمل مشترك، شريك للعدو يستحيل أن يكون جادا في تنفيذ برنامج الثورة، لأنه يرى إمكانية للتوافق مع العدو بدلا من عزله وإقصائه والعمل على هزيمته. فالقوى الثورية، تتحالف لتتحرك من موقعها التحالفي للاستفادة من تناقضات السلطة بتعميقها بالعمل بين الجماهير، ومن نشاطات المجتمع الدولي دون الانخراط في مشروعه.وتبتعد عن التضحية بالعدالة والحرية وإسقاطهما تحت دعاوى الواقعية، وتتمسك بأهداف الثورة، هذا هو معنى الجذرية. ليصبح بذلك تحالفها وسيلة وليس غاية، وسياجا ضد الانحراف والفوقية والوصاية على حركة الجماهير، بمستوى يوجب الابتعاد عن التحالف والرجوع للعمل وسط الجماهير. وهذه العودة ليست عزلة، لأن العزلة الحقيقية، هي العمل في ظل تحالفات تتجاوز كل ما تقدم وتهمل حركة الجماهير، بشكل يقود للانتماء لنخب، تضع نفسها بديلا لحركة الجماهير.وبتطبيق هذه المعايير على قوى الحرية والتغيير (قحت)، نجد أنها فشلت في تحديد العدو، وتحالفت معه في شراكة الدم الشهيرة، على أساس الوثيقة الدستورية المعيبة الإصلاحية غير الثورية، وحاولت العودة للشراكة معه عبر الاتفاق الإطاري، وواصلت في تحولاتها وتحت مسمياتها المتعددة الاقتراب المحسوب من أطرافه، فزعيمها (المؤسس) شرعن انقلاب أكتوبر 2021م باتفاق مع الانقلابي المزمن وأصبح رئيس وزراءه، ووقع إعلان أديس أبابا مع الجنجويد، وجزء كبير منها انخرط في تحالف تأسيس مع الجنجويد، وعند خروجه وانضمامه للجنجويد ما تبقى منها أصدر بيانا ليس فيه إدانة بل تأكيد بأن الهدف واحد مهما اختلفت الوسائل وأنهما سيلتقيان في طريق النضال، وهي حتى الآن لا تتبنى خطابا واضحا وصريحا حول عدم التضحية بالعدالة وضرورة إقصاء الطرفين المتحاربين ومحاسبتهما وتحريم الشراكة معهما، ولا تسميهما عدوا بنفس المستوى وهدفا للإسقاط والتغيير الجذري بالطرد من المعادلة السياسية، ولا ندري كيف يتم تصنيف هذه القوى كقوى ثورية يجب التحالف معها لهزيمة هذين العدوين الواضحين!! فالملاحظ هو أن هذه القوى تتفادى الوضع الصدامي الصريح مع العدو، وترى في مشروع المجتمع الدولي حلا شاملا للأزمة، مما يشي بإمكانية توصلها لتسوية تضيع العدالة وتسمح بالإفلات من المحاسبة والعقاب تحت دعاوى أن الأولوية لإيقاف الحرب بمعزل عن المعادلة السياسية التي سيتم تركيبها على هذا الإيقاف. فالحديث المبهم عن العدالة الانتقالية وإنصاف الضحايا، لا يصلح بديلا للقول الصريح بمحاسبة طرفي الحرب وعدم السماح لهما بالإفلات من العقاب عن جميع الجرائم المرتكبة من انقلاب القصر وفض الاعتصام والانقلاب الثاني وجرائم الحرب الحالية، ومحاسبة من شرعن الانقلاب الثاني وأصبح شريكا في الجريمة المستمرة كذلك.نثق في أن شعبنا يدرك أن التحالف ليس صيغة مقدسة ولا واجبة في كل الأحوال، وأنه وسيلة لغاية، شرطه تحديد العدو بوضوح وعزله وتحريم الشراكة معه.وقوموا إلى ثورتكم يرحمكم الله!!!The post لا تحالف بدون تحديد العدو وعزله!! appeared first on صحيفة مداميك.