كرياندينقو…… جراح الروح والقلب

Wait 5 sec.

مجدي إسحقعيدٌ بأي حالٍ عدتَ يا عيد؟على أهلي في المنافي والملاجئ والشتات، وفي داخل الوطن مع التوحش والدمار…….كيف لي الفرح والوطن يحترق، والقلب ينزف، والذكريات تحاصرني؟كرياندينقو……………يا ملاذ أهلي ويا جحيم الذكريات.معسكر اللاجئين الهاربين من الحرب في شمال يوغندا.. قرابة المئة ألف من أبناء وبنات وطني تلتحفهم السماء، ويغطي بؤسهم خيمة متهالكة. وجوههم مليئة بالعزة والكرامة رغم الألم والفقر والمعاناة، وتهرب من بين شقائهم ابتسامة دافئة تعكس طيب أصلهم ونقاء دواخلهم، وتواضعاً يزرع الحنان في أجفانهم حزناً وصفاءً.كنت أعتقد أن سنين عمري وخبرتي في مجال الطب النفسي ستكون خير عاصم ووقاية لي. كنت أعتقد أن لدي من الدفوعات والخبره ما يسمح لي أن أمنع نفسي من أن تمتصني الأحداث والمشاعر. كنت أستطيع أن أبتعد قليلاً وأنظر إلى آلام الآخرين، وأحاول أن أكون متوازناً وأقدم لهم بعضاً من خبرة قد تراكمت مع السنين، ولكن أكتب الآن وأنا أعترف بأنني قد فشلت.جلست أسبوعين من عمر الزمان، ولكنها كانت دهوراً. لماذا للجراح سكنت وتوطدت في القلب؟ ولماذا للذكريات تبقى وتملأ الحلق بطعم التراب والاختناق؟ ولماذا الصدر اصبح لا يحتمل ذكرها؟أسبوعان كانت الفكرة أن أقدم المساعدة النفسية، ولكن خرجت منها أكثر انهياراً أحتاج لمن يساعدني. كانت الجلسات يبكي فيها المرضى، وتتناثر دموعي، وبدلاً من أن أقوم بحمايتهم وامتصاص آلامهم وأحزانهم، وجدت نفسي ليس لدي سوى مشاركتهم البكاءوأكتب هذه الحروف، ستتغير الأسماء، ولكن لن تتغير المواقف. سأغيرها احتراماً لكرامة مفقودة في زمن الحرب وزمن التوحش.عن من أبدأ؟بهذا الشاب ذي السادسة عشرة من عمره، الذي أتى مع والدته، وقد كانت الاستشارة بأنه قد أصبح عدوانياً، يحطم ويكسر كل شيء.خالد، يا عزيزي،هذا الاسم الذي أعطيتك إياه، وهو ليس اسمك، إنما أتى في الخاطر وفي بالي ما يعنيه من الخلود والصمود. أتمنى أن تكون قادراً على حمله كما حملت آلاماً وجراحاً ما شاهدت.جلست إليّ ومعك والدتك، وكل منكم ينظر إلى اتجاه، ولا أحد يريد أن يتحدث عما حدث. رموا عليك كل الشكاوى بأنك أصبحت عنيفاً، تكسر وتحطم ما في داخل خيمتكم الصغيرة في المعسكر، أصبحت لا تتحدث، بل تتساقط دموعك بدون مناسبة، وتخرج من دواخلك أصوات هي أقرب إلى الزئير منها إلى أصوات البشر.وجلست أبحث، فخرجت الحقائق شلالاً من الألم والجراح…عامان مرّا منذ أن شاهدت ما لن يستطيع عقلك الصغير ولا قلبك أن يحتمله. مجموعات المليشيات تقف أمام منزلكم وتمسك والدتك، خمسون عمراً تحملها إلى داخل المنزل، وأنت تشاهد ذلك وبندقية مصوبة على رأسك، وأنت تحاول أن تفلت منهم ولا تستطيع.خمسة من الوحوش يغتصبون والدتك أمام عينيك. ترى جسدها النحيل وهي جالسة بينهم، وهي تبكي ودموعها تتساقط، ولا أحد فيهم يرعوي ولا يشعر بالإنسانية تجاه هذه الضحية. كلما كانت تتلوى من الألم تنظر في الاتجاه البعيد حتى لا ترى وجهك، وأنت تراها وهي نصف عارية وهم يمارسون ما يمارسون، ولا يفكرون في شيء سوى متعهم الدنيئة المتوحشة.يغتصبون والدتك أمامك……… خمسة منهم وليس واحداً.مرّت كأنها أعوام………قاموا منها وتركوها أقرب إلى جثة هامدة.وليتها لو ماتت ولم تواجه نظرات طفلها…….وجلست في مكانك، تركوك ولكنك لم تستطع التحرك، لم تستطع الوقوف لستر جسمها أو مسح دمعها ودمائها. بقيت معها….. هناك.جلستم في أماكنكم لمدة ساعات إلى أن استطعت أن تتحرك وتذهب. هي تحبو لتغسل من جسدها أدران هؤلاء الوحوش، ولكن لم تغتسل الروح من الألم والجراح.وتحركتم سائرين، وصلتم إلى ديار هي ليست دياركم، ودخلتم إلى المعسكر في خيمتكم. ومنذ ذلك اليوم انقطع الحديث والكلام بينكم. منذ ذلك اليوم كلما جلستم إلى بعض تصبح الذكريات هي الحاجز الذي أمامكم، وصورتها وهي ملقاة على الأرض أمامكم.يزيدك غضباً وانفعالاً إحساسك بالعجز، وإحساسك بالمرارة. هذا الغضب الذي يمتلئ به فضاء خيمتك ليس له متنفس إلا على أشياء صغيرة في داخل هذه الخيمة الصغيرة البعيدة.تنظر إليها فتتصاعد دموعك، وتجد دموعها قد ملأت وجهها قبل ذلك بكثير، وليس بينكم حديث. فأنت تعرف ما بداخلك، وهي تفهم لماذا أنت تقوم بذلك.فهي تستطيع الحديث، وتحاول أن تقدم التبرير، ولكن ما هو التبرير؟ وليس لها تبرير. فهي ليست مذنبة، ولكنها تشعر بالذنب والخجل، وأنت تشعر بالذنب والخجل لأنك فشلت في حمايتها.فتقوم بتفريغ هذه الشحنات من الغضب في كرسي هنا، وأداة هناك، وكوب هناك. تفرغ فيها غضب السنين وتوحش الإنسان أمام أخيه الإنسان.جئتني وتطلب مني أن أساعدك، فماذا أقول؟وكيف أستطيع أن أمسح هذه الجراح مهما فعلت، ومهما حاولت أن أقدم لك الطمأنينة؟هل هي العدالة؟هل ستكون كافية لتعيد لك التوازن المفقود؟أم هو انتظار عدالة الاستماع، فربما يكون فيها الشفاء؟لست أدري.لكن الذي أعلم أنني ودعتكم وأنتم تخرجون من العيادة، ولا أستطيع أن أكتب علاجاً، فالجرح تجاوز مرحلة المرض.عدت جالساً على كرسي، ولم أستطع أن أفتح دفتري لأسجل، فما فعلت سوى أن ارتميت على كرسي العيادة، وحاولت أن أترك لدموعي فرصة أن تمسح شلالات الحزن والألم، ولكن هيهات.وانهرت…وحاصرتني الدموع……….وقبل ان اتماسكوأجفف دمعي……..دخلت عليبوجهها الوديع يحمل طيبة أهليحضرت إليّ وملامحها تحمل تجاعيد الصبر، ووجه يصارع بين الابتسامة والحزن، والتجاعيد تبكي على شقيقتها وهي تسير الهوينى.جلست ولم تبادرني بالسلام، وتحدثت شقيقتها وقالت:المعذرة يا دكتور، فقدت صوتها لأكثر من ثلاثة أعوام.آخر مرة سمعنا صوتها عندما صرخت، حين دخل عليها الأوباش في منزلها يحملون أسلحتهم ومدافعهم كأنها قاعدة عسكرية.في حياتها لم تر السلاح، ولم تقابل الخطر، إلا عندما كانت تسير نحو المسجد في الصباح الباكر ويقابلها كلب الجيران فيتمسح بقدميها، فكان ذلك قمة الخوف الذي واجهته في حياتها.أما غير ذلك فقد عاشت في نعمة وأمان في منطقتها الهادئة، تزرع بين الناس المحبة.دخلوا إلى منزلها لا يبغون سلاماً ولا طعاماً كما تعود الناس أن يدخلوا إلى دارها المفتوحة.لم يتحدثوا معها.صرخت.حملوها إلى داخل الغرفة وأغلقوا عليها الباب.ثم رأت نظراتهم نحو ابنتها التي تجاوزت العشرين بأعوام، وسمعتهم يصارعونها وهي تصرخ وهم يضحكون، وأخذوها إلى الغرفة الأخرى.هي تصرخ وهم يضحكون.لا تدري كم استمرت هذه المعاناة بين صراخها وبين الألم الذي يغمر قلبها، وكل الأفكار التي تمر بذهنها في تلك اللحظة.استمرت في الصراخ، ودعت الله ودعت رسوله وكل الأنبياء والصالحين أن يحموها ويحموا ابنتها.لم تدرِ كم مرّت هذه المعاناة، ربما كانت دقائق أم ساعات، ولكنها في عمر الزمن، ولو كانت قليلة ، كانت في عمر المعاناة طويلة.وفجأة، كأن السماء قد استجابت لها، فسمعتهم يصمتون ويرتعبون ويغادرون المنزل بسرعة، فقد سمعوا أصوات عربات تتحرك في اتجاههم، فتخوفوا من أن يكونوا عرضة لهجوم قادم، فتركوا ابنتها ملقاة على الأرض.الحمد لله، لم يستطيعوا اغتصاب جسدها الطاهر الشريف، لكنهم غرسوا جراحهم وآلامهم في قلب هذه الأم التي لم تقوَ على مثل هذا من قبل.عندما هربوا وعمّ الصمت والسكون، لم تجد قدماها ما يساعدها حتى تستطيع الخروج والبحث عن ابنتها.وبعد دقائق خالجها الذعر، فأتت ابنتها إليها تبحث عنها، وأخذتها تطمئنها بأنها في سلام ولم يحدث لها شيء، ولكنها لم تستطع أن تقول حتى: “الحمد لله”.كل الذي حدث أن دموعها تساقطت تبلل ثيابها، وهي تحمل الدعاء لله في سرها، ولكن لا تعرف أسرتها ماذا يدور في قلبها في تلك اللحظة.قالت الشقيقة:لم نفعل شيئاً سوى وضعنا قليلاً من الملابس والطعام وخرجنا، وتحركنا بين الأزقة والدروب، ننتقل من مدينة إلى مدينة، حتى غادرنا الوطن ووصلنا إلى يوغندا في رحلة مرت عليها أسابيع.شاهدنا فيها ما شاهدنا، ولكن صبرنا طوال هذه المدة.كانت شقيقتي لا تنبس بكلمة، لا تطلب طعاماً ولا تسأل عن حال أحد.ننظر إليها فتتساقط الدموع من عينيها.وصلنا إلى حدود البلد الآمن، وجلسنا في هذا المعسكر.ورغم صعوبة الأحوال تجمعنا جميعاً في خيمة لا تسع سوى اثنين أو ثلاثة، ولكن وجدنا أنفسنا جميعاً في داخلها.كنا نعتني بها في كل لحظة، نتحدث إليها، نبتسم إليها، نقرأ لها القرآن، ولكن ليس هناك من استجابة.حتى إذا كان الصباح نراها جالسة تنظر إلى السماء، والدموع تتساقط من عينيها.لقد توقفت عن الصلاة، وتوقفت حتى عن طلب الطعام.نحضر لها الطعام أمامها ونصرّ عليها، فتأخذ لقيمات ولا تزيد، ولا نرى في وجهها سوى الحزن والدموع التي رسمت خطوطاً على وجهها من كثرة الانحدار.لا تطلب ماءً ولا شراباً، ولا تقوم إلى نفسها.فنأخذها يوماً إلى الحمام والاستحمام، ونحاول أن نصلح من هندامها وملابسها، ولكنها لا تبالي.إنها معنا جسداً، ولكنها ليست معنا روحاً، وليست معنا في تفاعلها.لا نجد منها سوى هذا الصمت القاتل المؤلم الذي يجرح قلوبنا في كل يوم.سمعنا اليوم بحضورك، فنتمنى أن يكون في يديك الشفاء.جلست أتحدث معها وأبحث عن كل القوانين في الطب النفسي، وعن آثار الصدمة، وعن الجراح والاكتئاب وأمراض ما بعد الصدمة.بحثت بين كتبي ومراجعي عن كيفية استعادة الصوت بعد هذه الجراح، وفكرت في كل الأدوات العلمية والأساليب التي تُستعمل حتى نستطيع بها مساعدتها، وحتى تعيد لها مقدرة التواصل مع أحبابها، ومسح قليل من جراح هذا الألم العميق.بدأت معها العلاج، ولكن مع صعوبة الاستجابة، ومع واقع المعسكر والهجرة والنزوح، يصبح الأمل في العلاج أملاً يتضاءل في كل لحظة، ويزداد الألم.كما أن وجودها معنا لم يستمر لفترة تسمح باستمرارية العلاج.نظرت إليّ، واستمر دمعها مدراراً يغسل وجهها ويبلل ثيابها.حركت يدها…وغطت وجهها بأطراف ثوب تمزقت أطرافه.وطغت الأحزان والذكريات، ولم تحتمل فيض الذكريات وفتح أبواب الألم، فحاولت مصارعة الذكرى…ولم تنتظر مناشدتي لها بالجلوس…ورغم إسراعي الخطى، لكنها اختفت بين الزحام، وتركت في قلبي جرحاً لن يندمل…واختنقت كلماتي، وفي الحلق جفاف، وهربت حروفي…جلست، وتثاقلت خطاي في العودة إلى عيادتي…ووجدت نفسي لا أقوى على التحرك، فاتكأت على جذع شجرة واستندت عليه…أصارع صور التوحش وملامح وجهها…وتبللت العين، وجلست أبحث عن إنسانيتي بين عجزي وضعفي…وتمتمت…قاتل الله الحرب.………..The post كرياندينقو…… جراح الروح والقلب appeared first on صحيفة مداميك.